مختارات من الأدب العالمي
 


 بیراموس
وتیسبي              (Pyramus et Thisb)

      
  قصة حب مأساوية كتبها الشاعر الروماني أوفيد  
**
نقلها الى العربية الشاعر السوري المعروف ادونيس 
 

"كان بیراموس،

الأجمل بین الشبّان .

 وتیسبي الأكثر فتنةً بین فتیات الشّرق

یسكنان منزلین متجاورَیْن في المدینة  

التي تدین لسمیرامیس بحزامٍ عالٍ من الأسوار المبنیّة بالآجرِّ المشوي

أدّى بھما التجاور إلى التعارف،

 وشجَّع خطوات حبّھما الأولى .

ولم یفتأ ھذا الحبّ أن كبر مع الوقت،

ولو أنّ أبویھما لم یُمانعا

لكانا أضاءا مشعلَ الزّواج الشّرعي .

غیر أنّ الھیامَ الذي ألھبَ قلبیھما،

لم یقدر أبواھما أن یحولا دونھ

لم یكن لھما أيّ صدیقٍ حمیم،

وكانا یتكلّمان بالإشارات والحركات،

وبقدْر ما كان حبّھما دفیناً،

ازداد عنف اضطرامھ في أعماق روحیھما

كان قد حدثَ شقٌّ صغیرٌ في السّور المشترك بین بیتیھما،

ولم یلحظھ أحدٌ من قبل

(لكن ما الذي لا یكتشفھ الحبّ ؟)،

فأنتما، أیُّھا العاشقان الشّابان،

كنتما أوّل من رآه .

جعلتما منھ مَعْبراً لصوتیكما،

تصل عبره، دون خطر، إلى ھدفھا،

أحادیثكما العذبة المھموسة .

غالباً، فیما تقف تیسْبي من جھة،

وبیراموس من الجھة الثانیة،

یترصَّد كلٌّ أنفاس الآخر،

كانا یقولان:

"أیُّھا الجدار الغیور،

لماذا تعارض حبّنا ؟

ماذا یكلّفك أن تسمح لجسمینا بأن یلتقیا ؟

وإذا كان ھذا طلباً كثیراً،

فماذا یكلّفك أن تنفتحَ أكثر لكي نتبادلَ

على الأقلّ قبلاتنا ؟

مع ذلك، لسنا ناكرَیْن للجمیل،

فنحنُ نعترف أنّ كلماتنا استطاعت بفضلك

"أن تشقّ لنفسھا طریقاً حتى آذاننا العاشقة

بعد أن صعَّد كلٌّ بمفرده ھذه التّنھّدات التي لا تجدي،

مع مجيء اللیل،

ودَّع كلٌّ منھما الآخر،

 مُعطیاً من جھتھ إلى الجدار قُبلاً لم تكن تصلُ إلى الجھة المقابلة .

وعندما طردَ فجرُ الغدِ كواكبَ اللیل،

وجفّفت الشّمس بأشعَّتھا الأعشابَ التي یُغطّیھا الجلید،

عادا إلى موعدھما .

حینذاك، بعد نُواحٍ طویلٍ مھموس،

قرّرا أن یُحاولا، في سكون اللیل،

أن یخدعا حارسیھما، ویخرج كلٌّ من بیتھ .

تسلّلا من منزلیھما،

خرجا من المدینة ذاتھا،

ولكي لا یَشردا بعیداً في سیرھما عبر الحقول،

والاختباء تحت الشّجرة التي تظلّلھ  , اتّفقا على اللقاء عند قبر نینوس* .

وھي شجرة توتٍ مثقلة بثمار بیضاء كالثّلج،

وتنھض على ضفافِ نبعٍ بارد .

غرق النّھار الذي بدا لھما أنّھ یمضي بطیئاً،

في الأمواج،

ومن ھذه الأمواج تصاعدَ اللّیل .

بمھارةٍ في وسط الظّلمات،

أدارت تیسبي الباب على محاوره،

 وخرجت خادعةً حرسَ عائلتھا .

غطّت وجھھا بنقابٍ، وجاءت إلى القبر،

وجلست تحت شجرة التّوت .

كان الحبّ یبعث فیھا الشّجاعة .

وھا ھي لبؤةٌ، تلطّخ شَدْقھا الذي لا یزال مُزبداً،

بدماء الثیران التي قتلتھا منذ قلیل،

تجئ  لترويَ عطشھا من ماء الینبوع المجاور .

لمحتھا تیسبي، عذراء بابل، تحت أشعّة القمر،

من بعید،

فھربت بخطوةٍ مُرتعدةٍ، داخلةً مغارة مُظلمة،

وفي أثناء ھربھا تركت النّقاب الذي یُغطّي كتفیھا،

يسقط  عنھا .

عندما ارتوت اللّبؤة المفترسة بجرعاتٍ طویلة من الینبوع،

واتّجھت عائدةً إلى الغابات،

وجدت مصادفةً ذلك النّقاب الخفیف الذي تركتھ الفتاة،

فمزَّقتھ بشدْقھا المُدمَّى .

وعندما خرج بیراموس متأخراً،

ورأى فوق الغبار الكثیف الآثار الأكیدة للوحش،

غمر الاصفرار وجھھ .

لكن عندما رأى كذلك النّقاب مبقّعاً بالدّم،

قال:

"سیرى ھذا اللیل نفسھ

موتَ عاشقیْن .

كانت ھي الأكثر جدارة منّي بحیاةٍ طویلة

أنا الآثم .

أنا الذي ضیَّعتُكِ، أیَّتھا التاعسة الحظ،

أنا الذي دفعكِ للمجيء، لیلاً،

إلى ھذه الأمكنة التي یوحي فیھا كلّ شيءٍ بالرُّعب،

ولم أسبقكِ في المجيء .

فتِّتي جسمي، عاقبیني على جُرميَ

مُمزِّقةً أحشائي بنھشاتك الوحشیّة،

أیّتھا الأسود التي تسكن ھذه الصُّخور!

غیر أنّ الجبان ھو وحده من یقتصر على استدعاء

"الموت الذي یتمنّاه .

تناولَ نقابَ تیسبي،

وأخذه معھ تحت ظلّ الشجرة المعھودة،

غمر بدموعھ ھذا النّقاب الذي یعرفھ جیّداً

وغمره بقبلاتھ، صارخاً:

"خذ كذلك دمي الذي ستریقھ یداي".

واستلّ النَّصل الذي یحملھ في حزامھِ

وشكّھ في صدره .

بعد ذلك، وقد أخذ یُحتضَرُ، انتزعھ من الجرح الّلاھب،

وانبجس الدَّم عالیاً جدّاً من جسمھ الذي سقط على قفاه،

كمثل ما ینشقّ أنبوبُ الرَّصاص، عندما یتضرَّر

ویقذفُ صافراً، من فتحةٍ ضیّقةٍ

دَفْقاتٍ طویلة من الماء،

یُمزِّق عنقھا الھواء .

أخذت ثمار الشّجرة، بفعل ھذا الطلّ الذي یصبّھ الموت،

مظھراً قاتماً،

وارتوى جذرھا بالدّم،

مُعطیاً لثمر التّوت الذي یتدلّى من أغصانھا،

لون الأرجوان .

كانت تیسبي لا تزال ترتجف،

غیر أنّھا لم تكن ترید أن تترك حبیبھا ینتظرھا،

فعادت تبحث عنھ بقلبھا وعینیھا .

إنّھا تتحرَّق لكي تروي لھ الأخطار التي نجت منھا

تعرف المكانَ، تعرف شكل الشّجرة،

غیر أنّ لون ثمارھا جعلھا تتردّد،

وتتساءل إن كانت ھي نفسھا حقاً .

وفیما ھي حائرة، شاھدت مرتعبةً .

 الجسم الذي یختلج على الأرض المُدمّاة

تراجعتْ،

أكثر اصفراراً من نبتة البَقْس،

وارتعشتْ كالبحر، حین یرتجف سطحھ

وقد جعّدتھ ریحٌ خفیفة

لكن، بعد لحظة، تحقّقت من أنّھ جسمُ من تحبّ .

إذَّاكَ أخذت تضرب ذراعیھا البریئتین

بضرباتٍ مدوّیة،

وتقتلع شَعرَھا،

وتحتضن ذلك الجسم الحبیب،

وتبكي حانیةً على جرحھ، مازجةً موجَ دموعھا

بموج دمھ،

صارخةً، فیما تطبع قبلاتھا على وجھھ المجمَّد:

"بیراموس،

أيّ قدر وحشيّ أخذك منّي ؟

أجبني، بیراموس،

أنا حبیبتك، تیسبي، تنادیك

"اسمعني ، وارفع رأسك المائل .

سمع بیراموس الاسم تیسبي،

ففتح عینیھ اللّتین أثقلھما الموت،

ولم یكد یراھا حتى أطبقھما

آنذاك رأت النّقابَ والغمدَ العاجيّ الفارغ من نصلھ،

فقالت:

"من یدك ، ومن حبّكَ

ھذه الضّربة القاضیة، أیّھا السّيء الحظ!

لي أنا كذلك یدٌ قویّة جدّاً، لھذه الغایة ، على الأقلّ،

وفي قلبي حبٌّ سیعطیني القوّة الكافیة لكي أضرب نفسي .

سأتبعك إلى ما وراء ھذه الحیاة،

وسوف یُقال إنني كنت السّبب المُحزن لموتك،

ورفیقةَ ھذا الموت .

كان الموت، وا أسفاه، ھو وحده الذي یقدر أن یأخذك مني،

لكن لا شيء بعد الآن یُمكن أن یأخذك مني،

حتى الموت نفسھ .

مع ذلك نتوجّھ، نحن الاثنین، بھذا الرّجاء، إلیكما

أنتَ، یا أبي المنكود،

وأنتَ یا والدَ حبیبي، المنكود:

لیرقد في قبر واحدٍ

ھذان اللّذان وحّدھما الحبُّ الوفيّ

واللحظة الأخیرة من حیاتیھما .

 لا تردّا عنھما ھذه النّعمة .

وأنتِ، أیّتھا الشجرة، التي لا تظلّل غصونھا الآنَ

إلاّ جسماً واحداً،

وفي ھنیھةٍ ستظلّل جسمیْن،

احفظي علاماتِ موتنا

احملي إلى الأبد ثماراً قاتمة رمزاً للحداد،

" لكي تشھدي على أنّكِ ارتویتِ من دمِ عاشقیْن .

كانت وھي تُنھي كلماتھا،

وقد ثبَّتتْ رأس السّیف تحت صدرھا،

ثمّ تركت جسدھا یسقط على النّصل

الذي لا یزال حارّاً من دم بیراموس .

وكانت الآلھة قد استجابت إلى رجائھا،

واستجاب كذلك الأبوان .

فتلك الثمار، عندما تنضج،

تأخذ لوناً ضارباً إلى السّواد .

وما تبقّى من مَحْرقتھما

"یستقرّ في مَرْمَدةٍ واحدة ."

 - - -- - -- - -- -- - -- - -- - - -- - -- - -- - -- - ---

*  نینوس ملك بابل، وزوج سمیرامیس .

  **ببليوس أوفيديوس ناسو ( 43 ق.م. - 17 م)، يُعرَف بلقب أوفيد، وهو من أبرز شعراء الرومان القدماء . أشهر أعماله "التحولات" (Metamorphoses) وهي عن الميثولوجيا الإغريقية والرومانية. وعرف بكتابته حول استكشاف الحب مثل قصيدة "فن الهوى" (Ars Amatoria) التي كتبها في السنة الأولى قبل الميلاد.
ولد أوفيد في سلمونا بإيطاليا في 20 مارس عام 43 قبل الميلاد. أثّرت أعماله على الأدب الغربي على نحو كبير .  تتضمن أعماله المعروفة الأخرى: "أموريس" (
Amores، وهي ثلاثة أجزاء من قصائد الحب)، و"هيرويديس" (Heroides  وهي رسائل وهمية من امرأة إلى أحبائها).
ذاع صيت أوفيد في حياته، وكانت له شعبية كبيرة، ونال الحظوة لدى الإمبراطور أوغسطس إلى أن أبعد في العام الثامن الميلادي من روما القديمة بسبب ظروف مجهولة . وبالرغم من التوسلات العديدة، رفض أوغسطس وتيبريوس من بعده العفو عن أوفيد، حتى رحل في حدود العام السابع عشر الميلادي في منطقة "تومي" في رومانيا).
قصيدة بيراموس وثيسبي الواردة أعلاه قد وردت في الكتاب الرابع من "تحولات" أوفيد الذي نقله الى العربية الشاعر السوري المعروف ادونيس.

 

 

 

 

 

HOME