ترجمة الشاعر أشعيا خنّو لرباعيات الخيّام في كتاب جديد

Eshaya1.jpgR-KHAYAM.jpgPhlimon1.jpg

                                                                             كبرييل كوركيس ـ الدانمارك

 

يقع كتاب "رباعيات عمر الخيّام" في 160 صفحة بقياس (14,5 x 21 سم ) ويضم بين دفتيه (مقدمة وسيرة المؤلف وتعريف بالرباعيات وترجماتها السريانية/ الآشورية  ونص ترجمة الشاعر أشعيا خنو في 111 رباعية وبعضاَ من مقالاته التي دونها في مناسبات مختلفة) ولا أريد هنا الخوض في تفاصيل محتويات الكتاب كيلا أكرر ما سبقني إليه مشكورين كل من الأديب عادل دنو بتعريفه المسهب عن الكتاب ومحتوياته وسيرة كاتبه، وصديقنا الأديب ميخائيل ممو بدعوته لمن بحوزتهم مخطوطات اسلافهم الطيبين للمبادرة بإيجاد السبل الكفيلة بنشرها، فضلاً عن دعوته المخلصة الصادقة للقراء بغية دعم واسناد هذا الجهد بأقتناء نسخة من الكتاب الجديد الذي ينفح الروح في لغة أجدادهم ويُعيد إليها الحياة.

 

ـ الأستاذ فليمون درمو

تعود أول معرفتي بالكاتب فليمون درمو الى ما قراته من كتاباته في المجلة الأكاديمية الآشورية، كما عرفني هو الآخر ـ على ما أظن ـ من خلال كتاباتي في المجلة ذاتها. وكان أول أتصال بيننا في مطلع عام 2010 ، يوم كتب إليّ مستفسراً عن ترجمات رباعيات الخيّام السريانية/ الآشورية، فأشرتُ إليه بمراجعة كتاب مراد فؤاد جقي الموسوم "نعوم فائق، ذكرى وتخليد الأديب السرياني الكبير"، الذي ضمَّنه كاتبه عشر رباعيات من ترجمة الملفان نعوم فائق، كما عرضتُ عليه نسخة من رباعيات الخيّام، نقلها الى العربية الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، وهي واحدة من أدق النسخ المترجمة وأقربها الى الأصل الفارسي بشهادة العلماء، كنتُ قد أحتفظت بنسخة ألكترونية منها، ليس لشغفي برباعيات الخيام إنما لاهتمامي بنتاجات الصافي النجفي الذي قرأت عنه مذ كنت تلميذاً في المرحلة المتوسطة، ولا تزال ذاكرتي تحتفظ ببيت أنشده يوم وصل بغداد عائداً من بيروت، وقد كفّ بصره يقول فيه واصفاً حاله:

                                          يا عودة للدار ما اقساها                اسمع بغداد ولا اراها

ظننتُ في حينه أن السيد فليمون يُعدّ بحثاً أو مقالاً عن رباعيات الخيام، وأنتظرت بفارغ الصبر نشره في المجلة الأكاديمية الآشورية، فمضت سنتان ولم أسمع عن الموضوع شيئاً، غير أنه وقبل فترة وجيزة كتب إليّ الأستاذ فليمون طالباً عنواني البريدي بغية تزويدي بنسخة من كتاب جديد أصدره بعنوان "رباعيات الخيام"، فأدركتُ أن جهوده قد أتت ثمارها، وما أن وصلني الكتاب وطالعته حتى تبين لي أن ثمار عمل الأستاذ فليمون جاءت يانعة شهية. فعقدتُ العزم على كتابة كلمة تليق بجهده الصادق وعزمه المتوثب الذي لولاه لما رأت مخطوطة ترجمة الشاعر المرحوم أشعيا خنو لرباعيات الخيّام النور ولظلت حبيسة الرفوف يلفها غبار النسيان شأنها في ذلك شأن العديد من مخطوطات كتابنا المنسيين. 

وتثميناً لما بذله الأستاذ فليمون من جهد وما تكبده من عناء في تحقيق المخطوطة ودراستها وترتيبها واعدادها للطبع، أرتأيت عرض سيرته ليتسنى للقارئ الكريم التعرف عن كثب على الرجل واهتماماته:[1]

أبصر فليمون درمو النور سنة 1938 في بلدة حرير بمحافظة أربيل، وحصل على شهادة المحاسبة في كركوك، ومن ثم من لندن. وهو عضو جمعية المحاسبين في بريطانيا واستراليا.

أسس المدرسة الآشورية لتعليم اللغة الأم في سدني، أستراليا في عام 1974 . وأصبح مديراً ومدرساً في المدرسة المذكورة طوال أثنتي عشرة سنة. ومنذ عام 1976 عمل كعضو فعال في الإذاعة الآشورية بسدني. وخلال تلك الفترة كتب مسرحيتين للإذاعة.

أما أعماله الأدبية المطبوعة فهي:

ـ هو أحد المؤلفين الثلاثة لكتاب "نظرة على الحياة " طبعة كركوك.

ـ كتاب "اللغة الآشورية للمبتدئين " نشره النادي الآشوري الأسترالي في سدني عام 1986. 

ـ أرشادات لمعلمي اللغة الآشورية للمبتدئين

ـ "ذكريات سيمونية" بالأشتراك مع جاكوب ميرعزيز، لمناسبة زيارة رابي نمرود سيمونو الى أستراليا سنة 1985، نشر في سدني 1986.

ـ أحد مؤلفي "الكنارة"، وهو كتاب باللغتين: الآشورية والأنكليزية، صُدر بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لتأسيس النادي الآشوري الأسترالي (1969 ـ 1989) .

ـ العديد من المقالات والبحوث المنشورة في المجلة الأكاديمية الآشورية.

    

ـ أهمية الترجمة:

لعبت الترجمة الأدبية على مدى التاريخ الثقافي للإنسانية الدور الأهم في بناء وترسيخ العلاقات بين الأمم والشعوب. وبفضل الترجمة تعرفت الشعوب على آداب وثقافات بعضها. وبذلك كان للترجمة دوراً جوهرياً في التجديد الأدبي والثقافي والفكري، لأن الشعب الذي يستقبل ترجمة آداب الشعوب الأخرى ويستوعبها ويهضمها ويتأثر بها لا بد أن يرنو نحو تجديد أدبه. أما الشعب الذي تُصاب عنده الترجمة بالركود والجمود وينزوي متقوقعاً منعزلاً عن آداب وثقافات الشعوب الأخرى بما تحمله من فكر ورقي حضاري، يحرم نفسه من فرص التجديد الفني والفكري ويتأخر عن اللحاق بركب التطور الحضاري للإنسانية.

فالترجمة كنشاط ثقافي إنساني لا غنى عنه وكوسيلة من وسائل التواصل والحوار بين الحضارات تُعدّ القناة الرئيسية للتواصل والتبادل الثقافي بين الشعوب في عالم تسوده التعددية اللغوية والثقافية، هذه التعددية التي لا ينبغي أعتبارها عائقاً للتواصل، لأنه مع خصوصية كل أمة وما يقابلها من أختلاف اللغات وتنوع الآداب وتباين مظاهر الحياة الحضارية والثقافية، هناك سعي نحو التعارف والتقارب والتفاهم ضمن وحدة التنوع البشري. وازاء هذه التعددية اللغوية الثقافية يتحتم ظهور نشاطات ترجمية بين اللغات المختلفة.

لقد مرت لغتنا السريانية بفترات أزدهار وانحدار عبر مسيرتها التاريخية أختلف خلالها الدور الذي تبوأته كلغة مرسلة (لغة مصدر) أو لغة مستقبلة (لغة هدف) في مجال الترجمة من وإلى آداب ولغات الأمم الأخرى، فقد كانت السريانية لغة مستقبلة بالنسبة لما تُرجم إليها من ثقافة وعلوم وآداب اليونانيين، بينما تحولت الى لغة مُرسِلة عندما نقلت معارفها الى العربية، وكذلك كان شأن العربية في الاستقبال من السريانية والأرسال الى أوربا في القرون الوسطى. وحال لغتنا الآشورية المعاصرة في عصرنا هو الأستقبال نتيجة لما مر به شعبنا من ظروف القهر والتشرد والتشتت والعزلة الثقافية، لذلك فلا بد لنا من بذل الجهود الجادة المخلصة في ترجمة آداب الشعوب الى لغتنا للنهوض بها ودفعها للحاق بركب الحضارة الانسانية، وعدم بخس قيمة وأهمية ما يُترجم على أنه مجرد نقل وليس عمل ابداعي، فالثقافة التي لا تستطيع التفاعل مع الثقافات الأخرى والإستفادة من تجاربها وخبراتها مصيرها الانعزال ومن ثم الزوال.

 

ـ الأدب الفارسي ومكانته بين الآداب العالمية:

يتبوأ الأدب الفارسي مكانة مرموقة بين آداب الحضارات القديمة الراقية، لما يتميز به من آثار شعرية غنية. ونظراً لمكانته هذه فقد حظي بأهتمام وعناية الدارسين من مختلف اللغات، فدرسوا وترجموا جانباً كبيراً من آثاره الشعرية الى لغاتهم.

وما يهمنا هنا من الشعر الفارسي هو "الرباعي"، وهو ضرب من فنون الشعر الفارسي الأصيل، وهو من حيث الشكل عبارة عن بيتين شعريين يتألفان من أربعة مصاريع تجري على وزن واحد وقافية واحدة، خلا المصراع الثالث الذي يتفق في القافية مع سائر المصاريع حيناً ويختلف عنها حيناً آخر. ظل الرباعي منذ اختراعه ضرباً شعرياً ينظم فيه الشعراء الايرانيون أشعارهم. وعُرِف به أربعة من الشعراء الايرانيين في القرن السادس عشر للميلاد، لكون نتاجهم الشعري في معظمه مقتصراً على هذا الضرب من النظم، وهؤلاء الشعراء الأربعة هم: أبو سعيد بن أبي الخير (967 ـ 1049م)، وبابا طاهر الهمداني/ اللوري ، والشيخ عبدالله الأنصاري (1004 ـ 1088م)، وعمر الخيام (1048 ـ 1123 م). وسيقتصر حديثنا هنا على شاعر الرباعيات عمر الخيام.

ـ عمر الخيام:

ولد غياث الدين عمر أبو الفتح بن ابراهيم الخيّام في مدينة نيسابور الإيرانية حوالي سنة 1048م  وتوفي حوالي سنة 1123م.  كان شاعراً مبدعاً وعالماً بارزاً في الرياضيات والفلك. له في الشعر "الرباعيات" وقد بدا فيها شاعر القلق والتشاؤم النفساني والأبيقورية الداعية الى ملء الكأس من الملذات قدر المستطاع في الحاضر.

لقيتْ رباعيات الخيّام اقبالاً على دراستها ونقلها الى لغات العالم المتمدن في أوربا وأمريكا. وسرّ الفوز الذي كُتب لرباعيات الخيام وما نالته من شهرة واسعة، منبعث عن فهم الخيّام لمعنى الحياة وفق عقيدة المدنية الحاضرة وذوقها، وتقديم رباعياته بأسلوب شعري بديع، فضلاً عن تناولها مسائل فلسفية يقف أمامها الانسان حائراً في كل زمان ومكان، كالتساؤل عن اسرار الخلق والروح والوجود والعدم والميلاد والحياة والموت ومصير الجسد بعد الموت فضلاً عما تتضمنه من نقد لاذع لعيوب المجتمع وجرأة في التعبير تجاوزت حدود الدين والآداب.

ورباعيات الخيام تحفة فنية وكنز أدبي جدير بالخلود وبالعالمية لمضمونها الإنساني. وهي ترنيمة حزينة تنعى إلينا زوال الانسان والموجودات وانقلاب لحظات الرخاء شقاء، ليغدو عمر الانسان مجرد ذكرى شأنه شأن جذوة نار تبعث دفءً ونوراً ثم تخبو لتحول رماداً بارداً، وعجز الانسان ازاء هذا القهر الكوني المتمثل في الموت والفناء الذي تطال يده الانسان ثمرة الوجود ومكمن العبقرية وسر الحياة ومستودع المشاعر. فما الذي ينقذ الإنسان من هذا المأزق الوجودي؟ لا شيء غير طلب النشوة التي تهبها الخمرة، والبهجة التي ينشرها مجلس أنس وطرب، فهو عزاء الانسان ووسيلته الوحيدة إلى تناسي هول الموت الذي لا سبيل للفرار من قبضته .

ومثلما يختلف نقاد الأدب ودارسو حياة الخيام في صحة نسبة الرباعيات إليه أو بعضها، فمن قائل أنها ليست لعمر الخيام الرياضي، وإنما لشاعر آخر بهذا الاسم، إلى ناقد يزعم أن بعضها تصح نسبتها إليه، وبعضها الآخر مدسوس عليه خصوصا ما تعلق بالغيب والقدر والإيمان والبعث. كذلك تتضارب آراؤهم فيما يتعلق بتحديد عدد رباعيات الخيام، وتتراوح تقديراتهم ما بين (66 ـ 178) رباعية، بينما بلغ عددها عند البعض الآخر عدة مئات أو أكثر بكثير. وينفرد عمر الخيام بين شعراء الرباعيات بما ناله من شهرة واهتمام لدى الدارسين من شرقيين وغربيين، وقد طبعت رباعياته طبعات عديدة مع مقدمات لكبار الأساتذة الايرانيين. وتعددت ترجماتها الى اللغات الاوربية ، كما ترجمت الى العربية أكثر من مرة. ومن أهم الترجمات الترجمة الأنكليزية المنظومة للشاعر الأنكليزي فيتزجيرالد المنشورة عام 1859.

 

ـ رباعيات عمر الخيّام في اللغات الأجنبية:

لقد وقف المتـأخرون على رباعيات الخيام فوجدوا فيها الحلاوة والطلاوة وبُعد التفكير ما أثار في نفوسهم الاعجاب الشديد وتهافتوا على ترجمتها الى اللغات نثراً ونظماً. وأبرز الذين تولوا الإشادة بذكر عمر الخيام ورباعياته وإذاعة صيته هم بعض المستشرقين الذين يعود إليهم الفضل في بعث إسمه واعلاء شأنه. وأول مَن عرف الخيّام من الغربيين العلاّمة "توماس هيد" أستاذ اللغتين العبرية والعربية في جامعة أكسفورد ، الذي بحث في شعر الخيام وترجمه سنة 1700م. ثم جاء بعده فيتزجيرالد، وهو أول من أشاد بذكر الخيّام ورفع منزلته ونظم فلسفته بالانكليزية رباعياتٍ ضمّنها روح الرباعيات الفارسية، فخلّد اسمه بتلك الرباعيات التي جاءت آية في السلاسة والرقة والاعجاز فلاقت قبولاً واستحساناً لدى الانكليز والأمريكان.

وفي سنة 1857 ترجم له المستشرق (غورسن دو تاسي) عشر رباعيات. وفي القرن التاسع عشر ترجم المستشرق (السير غور أُزيلي) رباعيتين. وفي سنة 1898 نقلها المستشرق (أدوارد هيرن) الى الانكليزية نثراً معتمداً عين النسخة التي اعتمدها فيتزجيرالد. كما نقلها نثراً أيضاً (مسيو نيكولاس) الى الفرنسية معتمداً على نسختها المطبوعة في بُمبي. وتوالت الترجمات الأنكليزية والفرنسية والروسية للرباعيات لكنها جميعاً لم تبلغ الشأو الذي بلغته ترجمة فيتزجيرالد.

وبعد اكتشاف فيتزجرالد للخيّام وترجمته لرباعياته تنبّه العرب إلى قيمة الرباعيات ومضمونها الانساني وقيمها الفنية والجمالية وتحمسوا لنقلها إلى لغتهم، وأول من نقلها الى العربية وديع البستاني مترجماً أربعين رباعياً من نسخة الشاعر فيتزجيرالد. تلاه الأديب المصري السيد محمد السباعي الذي ترجم مائة رباعية ورباعية نقلاً عن الأنكليزية، وأعقبه الشاعر أحمد رامي الذي سافر إلى باريس لدراسة اللغة الفارسية لمدة عامين منقبا وباحثا في الأدب الفارسي ورباعيات الخيام تحديداً، وعقب عودته الى مصر أسقط الكثير من الرباعيات وعرَّب ما وثق من صحة نسبته إلى الخيام وقد شاعت هذه الترجمة بعد أن غنّت أم كلثوم بعضاً منها. وأول مَن عرّبها في العراق نظماً مباشرة عن نصها الفارسي الشاعر أحمد الصافي النجفي فجاءت ترجمته مطابقة للأصل، ثم أعقبه الشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي فترجم الرباعيات من الأصل الفارسي نثراً ونظماً مختاراً منها 130 رباعياً .

وقد ترجمها الى التركية المعلم فيضي، مترجماً نحو مائة رباعي، ثم تلاه الأديب التركي مستجابي زادة عصمت ومن ثم عبد الله جودت الأديب التركي الكبير وقد ذاع صيت ترجمته أكثر من غيرها.

وأول من نقل رباعيات الخيّام من الفارسية الى اللغة العبرية نظماً المحامي الشاعر سليم أفندي أسحق.

أما ترجمتها السريانية فقد أنجزها الملفان نعوم فائق (1868 ـ 1930) الذي يُعَدّ أول من نقلها الى السريانية. وقد ترجم عبد المسيح حنا نعمان القره باشي (1903 ـ 1983) 351 بيتاً منها. كما نقلها من الفارسية الى الآشورية المعاصرة  نسطورس (ميرزا مسروف خان) ابن القس كارم (1862 ـ 1943) في 396 رباعياً ونشرها سنة 1933 في تبريز بإيران. وحذا حذوه شموئيل بيت يعقوب (1904 ـ 1980) فترجم 192 رباعياً. أما أشعيا ايليشع خنو (1909 ـ 1994) فقد ترجم 111 رباعياً معتمداً في ترجمته نسخة باللغة الانكليزية. والشاعر أشعيا إيلشع خنو مترجم رباعيات الخيّام التي تشكل قوام الكتاب الذي نحن بصدده ، يُعَدّ موهبة شقت طريقها بثقة، وأثبتت وجودها بقوة، متمتعاً بشاعرية سخية، وقدرة على الإبداع الفني، مستخدماً صوره الشعرية في إطار من العبارات والألفاظ السلسة، أحسن سبكها وأجاد نظمها، ليطلع على قرائه بلوحة فنية رائعة الصور زاهية الألوان. ولا يؤخذ عليه سوى أستخدامه الدخيل من المفردات والالفاظ أحياناً، وهذا أمر شاع في كتابات معظم أدبائنا منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

ولا نجد بداً من إيراد ما قاله عنه الكاتب الكبير رابي دانيال داود بيث بنيامين، في كتابه "مقالات وقصائد دانيال داود بيث بنيامين: ص 106 ـ 110" ومفاده:" شاعر الحزن والدموع، المرحوم اشعيا اليشع خنو، هو احد القلائل الذين وهبتهم الطبيعية روحاً ثرية بالأحاسيس العميقة والمرهفة التي بها كان لتصوراته الرحبة تأثيراً على مسامع القراء.

مَن يتأمل قصائده سيجدها قد صيغت بلغة بليغة وسهلة، رغم عثوره فيها على بعض الألفاظ الدخيلة، إلا أن الهدف الرئيسي للشاعر كان بلوغ اعماق ضمير القارئ."

ويمضي رابي دانيال الى القول: " ... ذكرنا في مستهل هذا المقال أن قصائد اشعيا تعكس ذكرياته الشخصية والقومية المريرة ونجده قد حافظ بمهارة بالغة في قصيدته "أرض مولدي" التي تضم خمسين بيتاً من البحر الوسطي على قوانين القصيدة السريانية، وهي بهذا تشهد على طول باعه في هذا المضمار.

لقد نَظَم الشاعر هذه القصيدة بلغة سهلة وأستطاع من خلالها الوصول الى أعماق قلوب القراء العاديين وأن يدغدغ مشاعرهم ويُرجع ذكريات  أقرانه الى مسقط رأسهم في موطنهم القديم." 

أما الشاعر المبدع آدم دانيال هومه فيقول في دراسته الموسومة " إطلالة على الشعر الآشوري المعاصر: ص 34"، يقول عن أشعيا ايليشع خنو ما نصه: "فهو واحد من الأصوات التي ساهمت في إغناء الثقافة الآشورية في القرن المنصرم٬ وشعره يميل إلى الغنائية دون أن ينأى كثيراً عن تثمير لغة الواقع الحي ٬ وتصوير الآلام التي تعرضت لها أمته ٬ وحفرت أخاديد في وجدانه ٬ باستخدام الأسلوب الواقعي المباشر بأسلوبه المتميز. فالقصيدة لديه صورة غنائية رومانسية تمتزج فيها روعة التخيل بصدق الواقع ٬ ويمدّها صدق الشعور٬ وبساطة الكلمات بنبض الحياة. وتمتزج فيها صور الطبيعة لتشكل عناصرها عناصر الشعب الآشوري الآمن المسالم الذي تعيش أمواهه وترابه وأطفاله وأزهاره في وحدة عضوية لا انفصام فيها ٬ وتولف بينها عاطفة فطرية مباشرة . فالذكريات الأليمة لديه ليست رمادا وٕانما هي حياة ناطقة لا تنفصل فيها الكلمة عما تحدده ٬ وبهذه الصورة يحلّق إلى آفاق الإلهام الإنساني الذي فجّرته شرارة مذابح الآشوريين في تركيا والعراق باحثًا عن صورة الفردوس الذي هشّمته أقدام المجرمين وأحالته قاعا صفصفا فلم يعد له وجود إلا في أعماق ذاته الداخلية."

وختاماً علينا أن ندرك قيمة العمل المُضني الذي أقدم عليه الشاعر أشعيا إيلشع خنو ونثمّن جهوده بترجمة رباعيات الخيّام ونحن نعلم أن ترجمة الشعر بالشعر أمرٌ شاق، ونقل المعنى نظماً من لغة الى أخرى مع الأحتفاظ  بمعاني النص الأصلي ليس بالأمر الهيّن. فقد أجاد شاعرنا في ترجمة رباعياته نظماً وأضاف بعمله سمطاً ثميناً من اللآلئ النادرة الى كنز آدابنا، وسجّل اسمه في سفر الخالدين لتظل ذكراه تنبض بالحياة في قلوب محبي هذه اللغة العزيزة وآدابها، طبقاً للقول المأثور:

مَن يعمل لأجل أمته وإن رقد في اللَحدِ، سيبقى إسمه مخلداً الى الأبدِ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] السيرة مقتبسة ومترجمة بتصرف عن كتاب: ةٍشعتةِأ فِستقظِ دسَفرِيولآةِا حدٍةِأ (سوِدِيةِأ) 1840 ـ 1990 ـ دولآبِقِأ أ. : بيٍد قٍشتشِأ شمولآاًيل دَنحِأ : فٍةِأ 236 ـ 240 .
 

 

 

HOME