مقالات

(المقالات تُعبّر عن رأي كاتبيها ، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي الموقع)
 


أين المسيحيون الآشوريون والإيزيدية من مشروع أقلمة العراق؟
 

د. عوديشو ملكو آشيثا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
الإشكالية الدينية والقومية لمنطقة آمنة في سهل نينوى
الدكتور: عوديشو ملكو آشيثا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
عندما يصطدم تيار الهجرة بصخرة العودة
الدكتور: عوديشو ملكو آشيثا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

الميثاق القومي الآشوري 1932
سابقة متقدمة للنظام الفدرالي في العراق

الدكتور: عوديشو ملكو آشيثا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 

هل تعتبر نكبة سميل إبادة جماعية؟
الدكتور عوديشو ملكو آشيثا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
الجيرة وما تحت الوعي
عوديشو ملكو اشيثا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
الحكم الذاتي الآشوري من التحقيق الى التسويّف...!!

بقلم: عوديشو ملكو اشيثا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
رحيل بصمت: يوسف سعيد قديس القصيدة
إصغاء الي الأعماق وسفر داخل المنافـي
بقلم: 
 شاكر مجيد سيفو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

مناجاة روح الأب الراحل يوسف سعيد
بقلم: ميخائيل ممو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


لقراءة المزيد من المقالات أنقر هنا لطفاً

 

 

أين المسيحيون الآشوريون والإيزيدية من مشروع أقلمة العراق؟ 

                                                 د. عوديشو ملكو آشيثا

         بعد كل الذي حصل في هذا البلد الذي صنعه وإنتدبه البريطانيون في مؤتمر سان ريمو في 25/4/1920 لأسبابٍ وغايات. إبتداءً من ثورة  العشرين ونكبة سمّيل 1933 وقمع الحركات الكردية والحرب العراقية الإيرانية, مرورًا بغزو دولة الكويت إلى الزلزال المدمّر في 2003. وبعدها صفحة المذابح الطائفية المستمرّة خلال السنوات العشر الأخيرة وما أصاب المسيحيين والإيزيدية من الويلات خلالها, وصولاً إلى الهجمة السوداء الأخيرة التي قَدِمتْ إليه من شتّى بقاع العالم. بعد كل ذلك عاد العراق إلى دائرته الاولى, أي إمّا ان يكون عراقًا واحدًا على خارطة الأرض أو لا يكون. إذ بإمكان المتتبّع والمهتم بهذا الشأن ان يستنتج مما يتسرّب هنا أو هناك هذه الأيام عن دهاليز الغرب, بقصدٍ أو غير قصد, من الترويج لفكرة العراق الفدرالي الإتحادي ذي الأقاليم الثلاث (الشيعي والسُنّي والكردي), والإهمال المتعمّد لبقيّة المكوّنات العراقية وتركهم بحالهم للمصير المجهول.

    أمّا تلكم المكوّنات المُهمَلة أنفسهم, فقد تحوّلوا إلى مراقب ومُتابِع للأحداث فقط, متمنّين لأنفسهم السلام والخير والهدوء وسط هذا البركان البشري والمالي الهائل, الذي يعصف بوجود دولة العراق أصلاً. وهذا يذكّرنا والقُرّاء والمطّلعين على كيفية صيرورة العراق المعاصر, بالإهمال بل التنكّر الصارخ لحقوق الآشوريين في بلدهم بعد مؤتمر القاهرة الذي عقده تشرشل مع رجالاته في الشرق الأوسط في 12/آذار/1921, رغم كل الذي كان الآشوريون قد قدّموه من أجل وحدة العراق, سواء للجانب العربي في العراق أو البريطاني على حَدٍّ سواء إبّان ولادته العسيرة وتخطيط حدوده مع دولة تركيا. وتأهيله لأن يكون بلدًا ذا سيادة بين المجتمع الدولي.

      فاليوم كما في الأمس تمامًا, الكل يخطّط ويعمل ويُتابع نتائج أعماله إلا الآشوريين فهُم (أقصد ساستهم من السياسيين ورجال الدين) في أحسن الأحوال يُمنّون أنفسهم في ان يذكرهم الراعي والمُخطِّط الأكبر (امريكا/بريطانيا) لمُستقبل العراق, ويشملهم بعطفه, ويوفّر لهم شيء من الأمان.

       لا ... وألف لا أيها الاخوة, أيها الشباب المسيحي الآشوري والإيزيدي بكل مكوّناتكم المذهبية والمناطقية, قد إنتظرتم مائة عامٍ, كفاكم إنتظارًا وعيونكم تتحملَق شبّاك الرحمة. ان هذا الشبّاك لا يرحم. ارحموا أنفسكم بأنفسكم وإرفعوا صوتكم عاليًا وزمجروا في آذان الغرب الأصم. ان الله والحق والضمير الإنساني (الحي) معكم. فكما للشيعة والكُرد والسنّة في هذا البلد حقٌ في إقامة أقاليم قائمة على أساس طائفي ومذهبي وقومي, إذًا يتحتّم عليهم ان يقرّوا هُم قبل المجتمع الدولي وأُممه المتّحدة بمثلِ هذا الحق لكم, لأنكم أصحاب حقّ وأحوج إليه من غيركم.

        أيها الآشوريون والإيزيدية وإستنادًا على هذا الواقع الأليم فلابد من قول الحق الآن وبصراحة دون تردّد. انه إذا لم تتيسّر للمكوّن الإيزيدي والآشوري بكل أطيافهم حياة طبيعية بالحد الأدنى طوال القرن الماضي في العراق المعاصر, فإن ذلك سوف لا يتحقّق إطلاقًا في العراق الجديد (عراق الأقاليم القومية والمذهبية) دون حشد صفوفكم والوقوف بوجه كل من ينكر لكم حقكم.

       من هنا يجب على الآشوريين والإيزيدية لكونهم مختلفين عن الآخرين حضاريًا ودينيًا وإجتماعيًا ان يعملوا معًا وبجدية وقوّة, ويطالبوا العراقيين أولاً, وامريكا المُهَيمِن الرئيسي على مقدرات الشرق الأوسط حالياً, ومِنْ ثمَّ الغرب كلّه والأُمم المتّحدة ثانيًا. بضرورة إقامة منطقة آمنة ومَحمية دوليًّا على كافة مناطق وجود الآشورييين والإيزيدية المُمتدة من غرب مدينة سنجار إلى بلدة عنكاوا بأربيل. ومن دير الأمير الشهيد مار بهنام بن الملك سنحاريب في نمرود إلى قُرى دَشتَتاخ ومايي ودوري المحاذية للحدود العراقية التركية, وديانا وهَوديان. إن تحقيق ذلك ليس بعسير بل ممكنٌ جدًا بالاعتماد على خبرات الامم المتحدة في هذا المجال. بالإضافة إلى انْ مثل هذه المنطقة الآمنة ستكون مفيدة لكل الأطراف وللأسباب التالية:

1. لأنَّ المطالبة بتطبيق الحماية الدولية لا تعني على كامل مساحة الأرض المذكورة أعلاه, بل على المناطق (القُرى والبلدات والمدن) التي يملكها ويسكنها الإيزيدية والمسيحيين حاليًا في تلك المساحة.

2. لأنَّ تحقيق الإدارة الذاتية لبضعة مئات من القرى والمدن والبلدات ذات الخصوصية المعروفة, سوف لا يؤثّر على كيان وخصوصيّة الإقليم الكُردي والسنّي المجاورين لهذه الإدارة بأي شكل من الأشكال.

3. لأنَّ إقامة هكذا منطقة آمنة أو حُكُم ذاتي أو حتّى إقليم سوف لا يكون مصدر قلق أو مشاكل لإقليم الكُرد وإقليم السنّة. بل على العكس تمامًا, إذ يمكن تطوير هذا الإقليم الآشوري/الإيزيدي وجعله حلقة وصل ووسيط خير للتواصل الطبيعي وصَون السِلم والأمان بين الإقليمين الكبيرين السنّي والكُردي معًا.

4. ولمّا كان من المعروفٌ عن الآشوريين والإيزيدية جيّدًا كونهم مع وحدة العراق دائمًا, فإن إقامة هكذا منطقة آمنة (إقليم) ومتداخلة الأراضي مع إقليم السنّة وإقليم الكُرد ستكّونُ آصرة شدٍ قوية لربط أجزاء العراق إلى بعضها من النواحي الجغرافية والثقافية والحضارية وحتّى الإقتصادية وهو الأهم للجميع في الوقت الحالي.

واخيراً, ومن اجل تحقيق هذا كلّه, والذي هو في صالح العراق وأهله, قبل أن يكون في صالح الآشوريين والإيزيدية (يضمن بقاءهم في وطنهم). أدعو جميع الأحزاب الآشورية والإيزيدية بكل توجّهاتها. وأدعو كافّة رجال الدين الموقّرين للشعبين على كل مذاهبهم. وأدعو المرأة المسيحية الآشورية والإيزيدية المكافحة, كما أدعو جميع المفكّرين والمثقفين والشباب الواعي للشعبين المتآخيين في الماضي والحاضر والمشتركين في المصير (المستقبل). أدعوهم جميعًا إلى العمل معًا لتحقيق ما يمكن تحقيقه مما ورد اعلاه من خلال الضغط على امريكا وأعوانها وعلى هيئة الأُمَم المتّحدة بكافة الوسائل السلمية, قبل فوات الأوان. وإلا سوف لا ينفع لا الكلام ولا الندم بعد ذلك.



 

الإشكالية الدينية والقومية لمنطقة آمنة في سهل نينوى 

                                                                              د. عوديشو ملكو آشيثا

      كَثُر الكلام هذه الايام بين الأوساط الدولية والأُممية وحتّى المحلية عن إقامة منطقة محمية دوليًا للمسيحيين تارة, وللآشوريين المسيحيين والإيزيدية تارة أُخرى. وللأقليات الدينية والعِرقية في شمال العراق وهكذا. كل ذلك من دون الإفصاح عن مضمون أو ما سَوف تنطوي عليه هذه المصطلحات على أرض الواقع مستقبلاً. كأَن تكون منطقة واحدة تجمع الشبكي والعربي والكردي المسلم مع المسيحي الآشوري وغير الآشوري بمذاهبه المتعددة مع الإيزيدي, أو ان تُقام  لكل مجموعة منطقتهم الخاصة أو ان لا يكون اي شيء من هذا كلّه (وهو وارد). وإنه مجرّد كلام إستهلاكي لتسويق أُمور ومشاريع أكبر من هموم الأقليات ومعاناتها في السابق البعيد والقريب والآن وحتى في المستقبل. كما صار يتردد مصطلح سهل نينوى لدى الاوساط الدولية والجماعات المسيحية الآشورية المختلفة بقوّة, مُشخّصين إياه كأفضل مكان للمَحمية أو المنطقة الآمنة المُرتقبة!؟

  يا ترى ماذا يستوجب على الآشوريين المسيحيين بكل مكوناتهم الكنسية والمناطقية فعله ازاء كل هذا اللغط والغموض؟ في محاولة منّا للإجابة على هكذا سؤال, لابُدَ من تسليط بعض الضوء على جوانب متعددة لهذه الخطة (الخلطة) غير المتجانسة والإشكاليات التي سوف تترتّب عنها:

1.                بسبب كون المعنيين (الأقليات) يعيشون على مساحات من الأرض متداخلة بشِدّة, وَهُمْ شرقيون, وعلى اديان ومذاهب وطوائف عديدة كما مرّ أعلاه. وكما هو معلوم ان العواطف الدينية يمكن إثارتها وتأجَّيجها هنا بسُرعة فائقة منذ القِدم, كلّما تطلّبت الحاجة إليها. وعلى سبيل المثال نذكّركم بمؤتمر أصدقاء برطلي المنعقد في اواخر 2013 والذي كان صُلب موضوعه إنقاذ منطقة برطلي المسيحية في (سهل نينوى) من التجاوزات والزحف المُريب والسريع لمكوّن الشبك المسلم على تلك المنطقة. إذًا كيف يُراد اليوم ان يعيش المسيحي والشبكي والتركماني والعربي والكردي المسلم معًا في محمية مؤمّنة واحدة؟

2.      يتوجّب على مَنْ يريد إقامة منطقة آمنة في سهل نينوى والمسيحيون جزءً منها, ومن كان يروّج  قبل عهد داعش لإقامة محافظة بهذا الشكل هناك. بقصد حماية المسيحيين, عليه ان يتذكر ان نسبة الإيزيدية والعرب والشبك والكرد والتركمان في تلك المحافظة التي ذهبت مع الريح, وفي المنطقة الآمنة المنتظرة (القادمة) سوف تكون أكثر من ثمانين في المائة. فعَن أي منطقة آمنة للمسيحيين يتحدّث الساسة الداعين لها اليوم بقوّة.

3.      ان المسيحيين الساكنين في هذا السهل لازالوا سائرين وبشكلٍ شُبه مطلق حسب توجّهات كنائسهم. بمعنى لا يُفضلون اي رأي او موقف سياسي, إجتماعي, حضاري, اذا كانت الكنيسة لا تقبل به وتباركه. في هذه الحالة ليس من السهل إدارة الشؤون السياسية لشعب عريق وحضاري ما لم يؤمن بالحياة المدنية خارج أسوار كنيسته المذهبية.

4.      ان منطقة سهل نينوى هي منطقة تماس بين المكوّنين الكبيرين في العراق _ الكرد والعرب. بمعنى ان كل طرف منهما يتجاذب ضدَّ الآخر من اجل الإستحواذ عليها. ولا يتم ذلك طبعًا, إلا من خلال إستمالة سُكّانها. فتخيّل ايها الداعي إلى إقامة محافظة او محمية في سهل نينوى, كم من الذمم تُباع وتُشترى في أروقة الكنائس والمساجد ودور عبادة الإيزيدية في هذه البقعة من الأرض.

5.      صعوبة إدارة هذه المنطقة مع وجود عدّة أديان وعدّة لُغات, فإن تقاطع اللغات والخصوصيات والعطل والمناسبات الدينية مع بعضها سيصيب المنطقة بالشلل الإداري والإقتصادي ويُشكّل ذلك حاضنة جيّدة لنمو بذور التفرقة والتمييز الديني والعِرقي مرّة اخرى.

6.      ممّا لا شكَّ فيه ان الدول الغربية وصُنّاع القرار فيها لا يقفون عند معظم هذه الامور حتمًا, لأن خططهم وغاياتهم تتعلّق بأمور أكبر من مدى توفير الإنسجام والإستقرار للسكّان. وإيجاد سُبُل توحيد التوجّه بين أفراده نحو بناء وتطوير المنطقة. عليه فهم سيحققون ما في بالهم ويتركون الباقي لأهله, والتجارب لمثل هذا الحال كثيرة.

من هنا فإنَّ البديل الذي نراه مناسبًا والذي يتوجّب على كل سياسي آشوري العمل لتحقيقه من أجل الصالح العام هو:

1_ عدم القبول بجمع الإسلام مع المسيحية في منطقة واحدة قدر المستطاع.

2_ المطالبة بالمنطقة الآمنة المشتركة ومحمية دوليًا للآشوريين المسيحيين والإيزيدية فقط, كونهم مختلفون عن غيرهم دينيًا وقوميًا وحضاريًا. بالإضافة إلى كونهم جميعًا, قد عانوا ويعانون بسبب ذلك الكثير وكان آخرها ما يجرى لهما على يد التطرّف الداعشي الآن.

3_ عدم تقزيم وحصر المنطقة المؤمّنة بسهل نينوى (لكل الاسباب الواردة أعلاه), بل المطالبة ليس بكامل  الأراضي الآشورية والإيزيدية في الشمال. بل المطالبة بتوفير الأمن والأمان والحماية لهم جميعًا, حيثما هم الآن من سنجار وما يحيطها من القرى المسيحية والإيزيدية مرورًا بشمال مدينة الموصل وصولاً إلى سهل نينوى وما يجاوره نحو الشمال إلى أقصى بلدة أو قرية آشورية _ إيزيدية في شمال العراق.

4_ ان المطالبة بإقامة هكذا منطقة لا يعني تحديدها جغرافيًا وترحيل غير المسيحي والإيزيدي منها أبدًا. بل يعني تحديدها إداريًا وأمنيًا مع توفير الفُرَص اللازمة للنهوض بها (بشعبها) حضاريًا وثقافيًا وإقتصاديًا. وان للأُمم المتحدة خِبرة واسعة في مجال حماية الأقليات والحفاظ على خصوصية الحضارات الآيلة الى الزوال.

5_ إذا كانت الغاية من إقامة محمية دولية للمسيحيين في سهل نينوى هي لحمايتهم من الإضطهاد الديني والإثني. فإن مثل هذا الإضطهاد قد تعرض له الآشوريون والإيزيدية جميعهم وحيثما وُجدوا. منذ تأسيس الدولة العراقية المعاصرة وبإستمرار ولنفس الأسباب. وليس هناك من دليل بإنهم سوف لا يتعرضون له مستقبلاً. إذًا فإن كل الآشوريين وكل الإيزيدية بحاجة إلى حماية وأمن ولا يقتصر الأمر على من هم في سهل نينوى فقط.

6_ ان السعي المحموم لقيادات الاحزاب الآشورية بأنواعها في الداخل لحصر مسألة المنطقة الآمنة في سهل نينوى وحتّى جزء منه, انّما ينمُّ عن نقطتين لا ثالثة لهما.

أ‌.   إمّا ان الآشوريين خارج سهل نينوى وعلى مدى تاريخ العراق الحديث كانوا يعيشون في نعيمٍ الأُخوّة والمساواة والحرّية الكاملة, والحقيقة عكس ذلك تمامًا.

ب‌.  أو ان القيادات الحزبية الآشورية جرّاء موقفها هذا, يريدون التنازل ضمنيًا عن اخوتهم وأراضيهم خارج سهل نينوى للغير. في الوقت الذي يعرف الجميع بأن سهل نينوى لا يشكّل من حيث النفوس والمساحة (بالنسبة للآشوريين والمسيحيين طبعًا) أكثر من ثلث عددهم وثُلث مساحة أراضيهم الموجودة خارج هذا السهل.

 

عندما يصطدم تيار الهجرة بصخرة العودة

                                                                                              د. عوديشو ملكو آشيثا

      إن تهجير الآشوريين والارمن والمسيحيين عموماً عن مناطق اعالي دجلة والفرات قد بدأ مع مطلع 1900م ايام حكم بني عثمان. ان لم تكن قوافل التهجير قد شرعت قبل عقد او اكثر من ذلك التاريخ. بسبب اطلاق يد فصائل الفرسان الحميدية لمؤسسها وراعيها الامين السلطان عبدالحميد الثاني, لقتل المسيحيين وتدمير وسلب كل ما هو مسيحي في (الاناضول الشرقية والجنوبية الشرقية حسب تسميات آنذاك). مع اندلاع الحرب العالمية الاولى 1914 واصطفاف القوة البشرية حينئذ في صفين كبيرين معاديين, الحلفاء ضدّ المحور ومنْ معه, واستمرارها الى أواخر 1918. خلال تلك الحرب تحول القتل والسلب والسبي والتدمير الكامل بحق الآشوريين والارمن في هذه المناطق الى شبه سُنّة لا بدّ من احترامها وتطبيقها.

بعدها ظهرت الدول القومية/ الدينية في المنطقة, مثل العراق وسوريا ولبنان والاردن وفلسطين. كانت مشاكلها الداخلية/ الخارجية كثيرة. وكان نهجها والاصح فكرها في الادارة يتراوح بين منْ يريد إقامة دولة معاصرة تعتمد على طاقات الانسان وجذوة الاقتصاد بالدرجة الاولى. ومنْ يسعى لقومنة (تعريب واسلمة كل شيء) دون أي إعتبار آخر. فكان للمسيحيين والآشوريين منهم خصوصاً نصيبهم الكبير من المحاربة والقهر والإضطهاد والتهجير, لانهم ارادوا الحفاظ على خصوصيتهم الحضارية والاجتماعية. لذلك اصبح وجود الانسان المسيحي الآشوري في الغرب ظاهرة مألوفة من الارجنتين الى البرازيل والولايات المتحدة الامريكية, إضافة الى معظم بقاع اوربا ناهيك عن الالوف التي لجأت الى روسيا القيصرية وبعدها الاتحاد السوفيتي بحكم القرب الجغرافي.

بعد تلك الحقبة جاءت نكبة سميل السيئة الصيت, آب 1933 والتي بسببها قتل بين (5000 - 6000) إنسان مسيحي آشوري بالدم البارد. وأبعد ما لا يقل عن عشرين الف شخص الى سوريا دون ان تسقط الجنسية العراقية عنهم (لعدم وجود مسوغ قانوني لذلك). مع قيام الحكومة العراقية بدفع الى الجانب الفرنسي مبلغاً قدره عشرة آلاف جنيه استرليني لاسكانهم هناك (للتخلص من الآشوريين).

ومع إندلاع الثورة الكردية في شمال العراق في أيلول 1961, اصبح الآشوريون في وطنهم بين نارين, نار القوات العراقية التي لا ترحم الفلاحين المسالمين في قراهم بحجة التعاون مع المقاتلين الاكراد, ونار الحصار الاقتصادي الشديد الذي كانت تفرضه سلطة بغداد على المنطقة وبشكل كامل. ترك الآشوريون مرة اخرى قراهم وتشردوا في المدن العراقية الكبيرة, كركوك, بغداد, البصرة, الموصل, الرمادي..الخ. ولما كان هؤلاء المهاجرين الجدد بعيدين كل البعد عن اجواء المدينة من حيث اللغة والعادات الاجتماعية. ولا يملكون من العلم والمهنية والمدنية المعاصرة آنذاك شيء كونهم فلاحين بسطاء. اضطروا ازاء ذلك الى العمل في المجالات الخدمية البسيطة من اجل توفير لقمة العيش. لم يدم هذا الحال لهم طويلاً, ففي العقدين السابع والثامن من القرن العشرين هاجر مئات الآلاف منهم الى المجهول وتركوا الوطن (العراق) بسبب المذابح المقامة ضدهم على اساس ديني وقومي في الشمال. نذكر منها على سبيل المثال: مجزرة قرية صوريا الى الغرب من دهوك. قصف الطائرات العراقية كنسية دير مار عوديشو الأثرية في قرية ديري قرب العمادية وتدميرها بالكامل, والإعتداء الآثم على الراهبات المنذورات في آرادن (صبنا). والمعاناة الاجتماعية والإستغلال البشع الذي كانوا يتعرضون له في المدن العراقية, إضافة الى ممارسة سياسة التعريب من قبل السلطة ضدهم.

بعدها سرعان ما وجد نفسه منْ بقى من شبابهم في حرب مدمرة ضروس بين العراق وإيران. الدولتان المعاديتان لبعضهما تأريخياً لأسباب قومية وعقائدية معقدة وشائكة. فكان نصيب الآشوريين بكل فئاتهم ومذاهبهم من القتلى والجرحى والمفقودين كبير بل كبير جداً مقارنة بنسبتهم في الجيش والمجتمع العراقي. والسبب وراء ذلك كان واضحاً للمعنيين ـ المسيحي لا يخون الوطن ولا يتردد في إداء الواجب ولو كلفه ذلك حياته ـ ومع نهاية تلك الحرب, جاءت الانفال ضد الاكراد, وكان القتل والتشريد وحرق القرى وتفجير الكنائس والاديرة سمتها بالنسبة للآشوريين والمسيحيين عموماً.

اما بعد سقوط النظام واحتلال العراق من قبل امريكا وحلفائها عام 2003, والتصعيد الجهادي ضدهم في العراق, سرعان ما انتشرت بدعة جديدة قائمة على الكذب والتلفيق, مفادها: ان (المسيحيين العراقيين جميعهم عملاء للامريكان وقد تسببوا في سقوط النظام العربي الوطني في البلاد). من هنا صار المسيحي الذي يعمل لدى الامريكان خائن دمه مهدور, اما المسلم الذي يعمل لديهم فهو مجاهد صنديد لانه يراقب القوات الامريكية!!, هكذا بات المسيحيون الآشوريون مستهدفين بالجملة في كل بقعة من العراق من البصرة وبغداد الى كركوك والموصل والانبار. فكان القتل والإغتصاب والترهيب والطرد واخذ الجزية والاستيلاء على الممتلكات عنوان السنوات العشر الاخيرة بالنسبة للمسيحيين. بالاضافة الى محاربتهم العلنية في شتى مجالات العمل الفني والتجاري والصناعي. وحرمان الشباب والشابات من التعيينات الوظيفية لاسباب دينية تارة, وعرقية وقومية اخرى, وعدم إتقّان اللغة (الفلانية) ثالثة وهكذا. لكن الغاية الاساسية من وراء كل ذلك, كانت مضايقتهم لكي يهاجروا ويتركوا البلاد. وقد حصل ذلك فعلاً إذ إن مجموع الذين تركوا الوطن الى الغربة والمجهول خلال العقد الاخير يفوق المجموع الكلي للمهاجرين والمبعدين الآشوريين المسيحيين منذ تأسيس العراق المعاصر لغاية السقوط 2003. وما يلفت النظر إزاء هذه الحالة التعسفية التي عاشها شعب ما يقارب قرن من الزمن. شعب ذو ثقافة وحضارة ودين ولغة أقل ما يقال عنهم انهم لعلى جانب كبير من الاصالة والعراقة والنضوج في المنطقة (العراق ومحيطه). هو عدم إكتراث الساسة العراقيين بما كان يجري بحق شعب بأكمله والصمت المطبق عن ذلك.

إلا أن ما يلفت النظر اكثر هو إرتفاع الاصوات في السنوات الاخيرة هنا وهناك وبشكل ملحوظ, وانعقاد مؤتمرات وندوات. وإجراء حوارات في بلد او اكثر في المنطقة العربية كالاردن ولبنان, وفي المحافل الدولية في اوربا وحتى امريكا وعلى مستويات عالية بين المسؤولين في الحكومات والمنظمات الإنسانية والشعبية. وصدور دعوات عديدة تدعو الى العمل لإيقاف ما يسمى في الغالب بـ (نزيف الهجرة) أي هجرة المسيحيين عن العراق و "الشرق الاوسط".

مما لا شك فيه إن هذه الدعوات والكلام الجميل الذي صدر ويصدر عن شخصيات في الدولة العراقية وبعض الدول في المنطقة. كدولة رئيس الوزراء العراقي, وفخامة رئيس الاقليم ورئيس البرلمان ومحافظي نينوى وكركوك وغيرهم, لا يخلوان من المقاصد والنوايا الصادقة في معظمها. كما صدرت قبلها وبعدها دعوات ونداءات مماثلة عن العشرات من رجال الدين المسيحيين والمسلمين بكل طوائفهم. كل ذلك كان خلال السنوات القليلة الماضية وخصوصاً خلال (2013), والتي كان آخرها ما نسب الى السيد علي السيستاني في 9/1/2014 عند لقائه وفد منظمة السلام الإيطالية الكاثوليكية. حيث (أكد تعاطفه مع أوضاع المسيحيين في العراق, وإن عمليات استهدافهم وتهديدهم ليست جيدة للعراق ككل).

ولكن وكما هو معلوم: ان مسألة إيقاف امر ما عن الحدوث, او إزالة ظاهرة محددة, لابدّ من العودة الى مسبباتها والعمل الجاد لإبطال او معالجة تلك المسببات اولاً, ليصبح الطريق ممهداً لإيقاف الامر غير المرغوب به. هكذا هي الامور في ناموس الطبيعة, ودونها لا يستقيم الامر رغم المحاولات المتكررة, ورغم تنوع الجهات الساعية لتحقيق ذلك.

إضافة الى هذا كله فقد صدرت في النصف الثاني من عام 2013 ايضاً, دعوات ليس لإيقاف الهجرة فقط كما اسلفنا. بل صدرت دعوات قوية ومتعددة تدعو الى عودة المسيحيين, أي لإطلاق الهجرة المعاكسة عن عالم الاغتراب الى الوطن. وكانت اقواها بهذا الخصوص, واكثرها صدى من حيث الدراسة والتحليل والمناقشة, دعوة مار لويس ساكو بطريرك بابل على الكلدان. في إعتقادنا إنها دعوة صادقة صادرة عن رجل يعي ما يقول. وهي اكثر واقعية ومنطقية ومناسبة لتحقيق الغاية المرجوة, أي إيقاف هجرة الآشوريين والمسيحيين عن العراق ومنطقة الشرق الاوسط برمتها. لان مثل هذه العودة الى الوطن عند تحققها:

1. ستعود بنفع عميم للعراق وشعوبه وسلطاته دون ادنى شكّ.

2. ستعجّل من دوران عجلة تطور وتقدم العراق بخطوات ثابتة نحو التعددية الدينية والقومية والحضارية. وهي صمام الامان لتقدمه في المجال الصناعي والمهني وحتى الاجتماعي والثقافي والفني. لما يوجد بين الآشوريين والمسيحيين اللاجئين ومنذ عشرات السنين من خبرات في تخصص الطب والهندسة والاقتصاد والبنوك والمال وتكنولوجيا الصناعة, والدراسات الاكاديمية واللغوية وحتى الفنية كالرسم والموسيقى والغناء والتمثيل... الخ.

3. ستعطي للعراق في المحافل الدولية سمعة طيبة وثقلاً إنسانياً وحضارياً متميزاً, في مجال صون الحريات الفردية والتمسك بأبجديات الديمقراطية. وهي المقياس المعاصر لمدى التمدن والتطور الاجتماعي لبلد ما.  

       ولكي تتحقق دعوات إيقاف موجات الهجرة, وتنطلق بشائر العودة, عودة المسيحيين العراقيين المرجوة الى الوطن. هناك خطوات وإجراءات هامة لابدّ من إتخاذها. تحتاج الى مصداقية كبيرة ونظرة علمية ودراسة معمقة وقرارات جريئة من قبل المسؤليين والقادة العراقيين القائمين على رأس السلطتين في بغداد (المركز) واربيل (الاقليم). ومن ثم تشريع حزمة من القوانين وإتخاذ القرارات الجريئة اللازمة وعلى الصعيدين الخارجي والداخلي.

اما على الصعيد الخارجي والدولي, فالامر يحتاج الى:

1. إطلاق مشروع دولي (كبير) يرمي الى إعادة كافة العراقيين المهجّرين والمبعدين والمهاجرين من مسيحيين وغير مسيحيين. منذ تأسيس العراق الحديث والى الوقت الحاضر.

2. تكليف السفارات العراقية بالعمل الجدي لتحقيق هذه الغاية, من خلال الإتصال بالجاليات العراقية المعنية (المسيحية) وبثّ الوعي بين صفوفها بأهمية العودة الى الوطن ومنافعها على الصعيد القومي والوطني والفردي.

3. الإتصال بالجهات الدولية والمنظمات الانسانية لتوفير الدعم المالي والخبرات والمشورة اللازمة في هذا الخصوص. 

وعلى الصعيد الداخلي لابدّ من العمل الجدي والصادق في مجال:

1. خلق الاستعداد النفسي والإجتماعي لدى الشعب العراقي ومؤسساته وتنظيماته السياسية للقبول بإخوتهم العائدين, والتعامل معهم دون تحفظ ديني او قومي او ثقافي او لغوي او سياسي.

2. توفير البيئة الملائمة لإيواء هذا التجمع البشري الجديد والمختلف في العديد من الظواهر والتصورات والانطباعات عن اخوته العراقيين.

3. إستعداد الدولة لتعويض جميع العائدين لما فقدوه مادياً ومعنوياً خلال فترة الإغتراب وبسببه.

4. خلق وإقرار نوع من الإدارة الذاتية او الحكم الذاتي الخاص بالمسيحيين الآشوريين على ارض الواقع. من خلال تشريع القوانين وإصدار التعليمات وتخصيص الاموال اللازمة, ليتمكن العائدون من الحفاظ على خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وتطويرها خدمة للجميع.

5. على ان يقترن هذا كله بمسألتين جوهريتين لإنجاح مشروع العودة والحكم الذاتي, وهما توفير الامن والاستقرار الحقيقي لهم, مع توفير فرص عمل مناسبة للجميع وحسب الاختصاص والكفاءة.   

عندها, وعندها فقط سوف تنطلق الارتال البشرية في رحلة العودة الى الوطن الاصلي العراق (بلاد الرافدين). وستتوقف وتتكسر موجات هجرة المسيحيين والآشوريين عن العراق وحتى عن الشرق الاوسط. بسبب حتمية إرتطام هواجز ومشاعر تلك الموجات المغادرة والمهاجرة والمهجرّة, بعاصفة العودة القائمة على مجموعة قوانين وتشريعات وتعليمات نابعة عن نفوس مخلصة مؤمنة بقيمة الإنسان الاصيل في هذا الوطن الاصيل. وإلا فلا! لان الكلام والتصريحات والاقوال دون الافعال لا تعني شيء في المقاييس والاعراف الاجتماعية والنفسية, ومن ثم بالنسبة للتطلعات الحضارية والاقتصادية للمجاميع الشعبية والجماهيرية الآشورية المسيحية بكل مكوناتها التي عاشت مرارة الغربة وويلات التهجير المبرمج وعلى مدى قرن كامل من الآن.                   

 


الميثاق القومي الآشوري 1932
سابقة متقدمة للنظام الفدرالي في العراق

الدكتور: عوديشو ملكو آشيثا

 

      بعد ان اصبحت مسألة استخراج النفط العراقي تجارياً حقيقة واقعة, وبعد ان قزّمت بريطانيا قضية الآشوريين في العراق تدريجياً من وعود بإقامة دولة قومية آشورية في وطنهم العراق، الى مشروع الحكم الذاتي، وبعدها الى مشروع الاسكان الجماعي لهم في مناطق من لواء الموصل. ومن ثم الى محاولة اقناعهم بالقبول بحالة الإسكان المتفرق, ومنه الى النكبة القتل والطرد والتشتيت في سميل. في تلك الاثناء قدم الآشوريون وحتى الاكراد طلبات كثيرة الى اللجنة الدائمة في عصبة الامم معربين عن قلقهم الكبير حول المصير الذي ينتظرهم في عراق إذا تخلص من الانتداب البريطاني. وكانت النتيجة دائماً اهمال تلك الطلبات والاعتراضات حتى دون النظر اليها. وكرّد فعل آشوري على ذلك، قدم ضابط الارتباط الآشوري داود بيت مار شمعون، الى السيد براون القائد البريطاني لقوات الليفي، مذكرة موقعة من قبل جميع ضباط الليفي الآشوريين في العراق معلنين فيها استقالتهم الجماعية عن تشكيلات ذلك الجيش. مما جعل البريطانيين في وضع صعب فلجأوا الى البطريريك مار ايشاي مرّة اخرى طالبين تدخله الشخصي لسحب الاستقالات لقاء وعود جديدة للآشوريين. فكان لهم ما ارادوه، إذ عاد الضباط الآشوريين إلى وحداتهم العسكرية، إلا (250) شخصاً في معسكر هنيدي الذين كذبّوا وعود بريطانيا المستمرة للآشوريين.

بسبب تلك الاجواء المشحونة بالتوتر وخيبة الامل الكبيرة داخل البيت الآشوري، وقبل رفع الانتداب رسمياً تم عقد اجتماع موسع برئاسة مار شمعون ايشاي في سَرّْ عمادية بتاريخ 16/6/1932. حضر ذلك الإجتماع جميع الزعماء الآشوريين الروحانيين والمدنيين دون استثناء. وبعد مداولات في اكثر من جلسة تم الاتفاق بالاجتماع، والقَسَم الغليظ وتلاوة الصلاة الربانية، ومن ثم التوقيع على ما صار يعرف في المصادر التاريخية بـ (الميثاق القومي الآشوري) والذي ضمّ تسعة مطاليب، كان من اهمها:-

1-        الاعتراف بالآشوريين شعباً ساكناً بصورة دائمة في العراق، وليس اقلية عنصرية او طائفة دينية.

2-        وجوب إعادة مقاطعة هكاري الى العراق ليسكنها الآشوريون اصحابها الشرعيين.

3-   إذا كانت الفقرة (2) اعلاه صعبة التحقيق، فليكن البديل إيجاد موطن للآشوريين لجميع الآشوريين في العراق وخارجه في المناطق دهوك وزاخو وعمادية وعقرة من خلال اقامة لواء مصغر (sub liwa) لهم. على ان يكون مركزه دهوك، ويديره متصرف عربي ويعاونه مستشار البريطاني.

4-        الاعتراف الرسمي بالسلطات الدينية والدنيوية لمار شمعون.

5-        ان يمثل الآشوريين نائب في البرلمان العراقي يختاره الآشوريون والبطريرك.

6- وجوب تدريس اللغة الآشورية الى جانب العربية في مناطق وجود الآشوريين (اللواء المصغر).

7- الدعم المادي للجنة إيجاد الاراضي المناسبة لإسكان الآشوريين وتسجيلها باسمائهم رسمياً. مع فتح مستشفى، وتعيين موظفين واداريين آشوريين في هذا اللواء المصغر بعد موافقة المتصرف والجهات الفنية على ذلك.

وذيّل القادة الآشوريون ذلك الميثاق (قائمة المطاليب) بالإعلان الصريح عن الولاء التام للملك فيصل والحكومة العراقية. مع عرض خدمة كحسن نيّة للملك والبلاد ووفق النقطتين التاليتين:-

أ‌-   إنشاء قوة دفاعية آشورية لحماية مطارات القوة الجوية البريطانية، على ان لا تمارس مهامها في كل من الشعيبة والبصرة لاسباب صحية.

ب‌-     تشكيل فوج واحد من الآشوريين يلحق بالجيش العراقي.

وكان الكولونيل رونالد سيمثل ستافورد خير منْ علق على هذه الخاتمة للميثاق القومي الآشوري, بقوله "يبدو انهم (الآشوريين) مدركون تماماً بأن بقائهم في العراق هو نهائي وحتمي". والذي معناه رغبتهم الصادقة في الاندماج مع العراقيين ـ كافة العراقيين ـ لانهم عراقيون.

 

عند العودة الى بنود (مطاليب) هذا الميثاق، يلاحظ  المرء ولاول وهلة نقطتين اساسيتين كانتا تجولان في عقل كل من صاغ ووقّع عليه.

الاولى: التأكيد على الخصوصية القومية الشاملة للآشوريين، ورفضهم لصفة الاقلية العنصرية او الطائفية. وكذلك على وحدتهم الاجتماعية والحضارية والثقافية رغم كونهم يقيمون ويعيشون في اكثر من بلاد في تلك المرحلة. ورغم تعدد مذاهبهم وفرقهم الدينية والمناطقية.

الثانية: انتمائهم الوطني المطلق الى العراق المعاصر، وليس الى اية بقعة او بلاد اخرى رغم ايمانهم بأن اجزاء مهمة قد استقطعت من وطنهم (العراق المعاصر) كمنطقة هكاري مثلاً ولذلك كانوا تواقين للعودة والسكن في هكاري. لكنهم وبسبب الظروف الدولية المعقدة فضلوا السكن في الاقضية: دهوك، زاخو، العمادية، عقرة في اللواء الثانوي, ضمن وحدة ادارية سموّها (المصغرة) نسبة الى لواء الموصل الذي كانت تلك الاقضية تابعة اليه. ولكونها (تلك الاقضية) ارض آشورية في الاصل، ولكون قسم كبير منهم يسكنها اصلاً ومنذ اجيال بعيدة في عمق التاريخ. كل هذا من جانب التكوين او التعريف القومي والوطني والحضاري الذي كان الآشوريون يشعرون به ويعيشونه ويعتبرونه من المسلمات.

اما من الجانب السياسي والاداري للآشوريين وفي تلك المرحلة المتقدمة من تاريخ العراق الحديث، فإن ما جاء في الميثاق القومي الآشوري ملفت للنظر حقاً، ومهم لرسم الخارطة السياسية والاجتماعية لبلد متعدد الاثنيات كالعراق المعاصر. إذ نجد في نصّ الميثاق.

1-    التركيز على الخصوصية الاجتماعية للآشوريين من خلال المطالبة بالاقرار الرسمي لسلطة دينية ودنيوية خاصة بهم ضمن تنوع متجانس. وللنهوض بهذه المهمة وانضاجها على ارض الواقع كان لا بدّ من تعين موظفين واداريين من الآشوريين الكفوئين بالإضافة الى اخوتهم من العراقيين الآخرين في المناطق المخصصة للآشوريين ادارياً (اللواء المصغر).

2-    ضمان وحدة العراق وولائهم للسلطة المركزية، من خلال رغبتهم بل اصرارهم على وجود ومشاركة منْ يمثلهم في البرلمان العراقي الموحد.

3-    مع التأكيد والمحافظة على خصوصيتهم القومية، طالب الآشوريون بتدريس العربية في جميع مدارس الآشورية لكي يتمكنوا من استيعاب الثقافة والمدنية العراقية الى جانب ثقافتهم ولغتهم وآدابهم الخاصة... الخ.

4-    تنظيم طبيعة السكن وتملك الاراضي الزراعية والسكنية والمراعي بشكل قانوني، من خلال لجنة مختصة ومدعومة مالياً وادارياً من قبل السلطة المركزية في بغداد.

هذه كانت خلاصة وجوهر المطاليب الآشورية في العراق منذ منتصف عام 1932، والتي وحسب كل المفاهيم الدولية والانسانية المعاصرة لا تعد إلا كونها من المسلمات لكل مواطن ولكل مجموعة (اثنية حضارية) تعيش في دولة ذات سيادة وتحترم النواميس الدولية، وتهتم بأمن وسلامة شعبها, وبالنمو الطبيعي والصحي والاجتماعي لمكوناته على اختلاف تلك المكونات. هذا الميثاق او الوثيقة التي قال عنها عبد الغني الملاح بإنها " تتصف بالبساطة في المطاليب وقلة الخبرة السياسية" وقد صدق في ذلك, وصفه السيد عبد الرزاق الحسني ومقلدوه بأنه كان "خطير يؤدي الى تقسيم العراق".

 

        وامعاناً في مشروع البريطاني ـ العراقي حول تشتيت الآشوريين بعد ان دخل العراق عصبة الامم، اجتمع مجلس عصبة الامم في كانون الاول من  1932 للنظر في مشكلة الآشوريين مرّة اخرى، ودعا الى تأسيس منطقة يسكنها مجتمع متجانس من الآشوريين. واقرّ الجانب العراقي تلك الدعوة، ولكن على اساس تأسيس تجمعات متجانسة اي بصيغة (الجمع) وليس بصيغة المجمّع الواحد وكان هذا ما أثار حفيظة الآشوريين مجدداً، ودفع البطريرك مار شمعون ايشاي الى التصريح بكل حزن ومرارة: "ان تغير صيغة القرار من تجمع واحد كبير الى تجمعات عديدة صغيرة، يعني السماح للسلطة العراقية بتفتيت كتلة الآشوريين الكبيرة الموحدة وجعلها كتل صغيرة". ان تصريح البطريرك المعبر عن اسفه على عدم امكانية اسكان الآشوريين في تجمع واحد متجانس كان حصيلة المعاناة وترسبات الماضي الاليم لهذا الشعب. بالاضافة الى علمه اليقين بما تبيته بريطانيا ضد شعبه, وسوف تقدم على تنفيذه بواسطة الحكومة العراقية. إن لم يكن الامر كذلك؟ فكيف يعقل ان يعجز مجلس عصبة الامم عن اقناع العراق بقبول بقراره، وهو (العراق) الذي لم تمض على قبوله في الجمع الدولي اكثر من شهرين! إذ كان قد تم في 3/10/1932 رفع نظام الانتداب عن العراق ودخل عصبة الامم رسمياً بصفته دولة مستقلة ذات سيادة كاملة. دون الاهتمام بالقضية الآشورية في العراق من لدن بريطانيا الدولة المنتدبة لهذا البلد، ودون ابداء اي تفهم الجانب السياسي والاجتماعي من مشكلة الآشوريين، في عصبة الامم اثناء مناقشة رفع الانتداب.

 

وعلى ضوء ذلك شخصّ ار. سي. كمبرلاند مكمن المعاناة والمشكلة الآشورية في العراق، عندما قال " العنصر الرئيسي في المشكلة (الاسكان) يكمن في الشعور الغريزي بالمحافظة على انفسهم في تجمع متماسك متين. من الصعب إقناع تجمع عشرة او اثنتي عشر عائلة للعمل على تكوين انفسهم في قرية على مبعدة من القرى الآشورية الاخرى". وهذا بعينه كان الدافع الرئيسي وراء مطاليبهم وليس الانفصال او القضاء على الملكية في العراق او الاستحواذ على حقوق وممتلكات الآخرين، كما يحلو للبعض إتهام الآشوريين بمثل الامور التي لم تخطر ببالهم اصلاً.

بعد هذه الوقفة القصيرة عند (الميثاق القومي الآشوري) ومحتوياته ومدلولاته الداعية في محصلتها الى اقامة نوع من الفدرالية او الحكم الذاتي للآشوريين في مناطق وجودهم في العراق, كل ذلك قبل نكبة سميل باكثر من سنة. ومن اجل الوقوف على جوهر دعوة هذا الميثاق الى إقامة نوع من الفدرالية او الحكم الذاتي والانتقال من دولة موحدة شديدة المركزية الى دولة اتحادية يشارك فيها كل مكونات الشعب، اي "التحول من مجتمع فيه التنوع اللامتجانس الى مجتمع متجانس القوام". لا بد من تقديم تعريف عام ومقتضب لكل من الفدرالية والحكم الذاتي.

-  الحكم الذاتي عبارة عن (صيغة متطورة من اللامركزية الادارية تقوم الدولة بموجبها بالاقرار ببعض السلطات التشريعية والادارية لقومية او جماعة دينية او لغوية معينة. ولكن تحت رقابة الدولة واشرافها).

-   لقد عني العديد من فقهاء القانون وعلماء السياسة بتعريف وتحديد مفاهيم وخصائص مصطلح الفدرالية ( Federalism). وان ملخص ما توصلوا اليه هو: انه يقوم على اساس التوفيق بين تطلعات كل من الجماعات المتحدة والتي تريد البقاء سيدة لنفسها في قضاياها الخاصة مع إعتماد سياسة مشتركة حول المسائل الكبرى المتعلقة بوضع الدولة ووجودها وسلامة اراضيها ووحدتها التي لا تقبل التجزءة، وكذلك وحدة شعبها، كل ذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهناك العشرات من التعريفات للفدرالية او الدولة الفدرالية، لكننا سنقتصر على ذكر اثنين منها، وهما: تعريف العلامة (Jillinek) عندما قال في الدولة الفدرالية: "هي دولة سيدة تتألف من عدة دول غير سيدة، وتنبثق سلطتها عن الدول التي تتركب منها، والتي تترابط فيما بينها بصورة تجعل منها وحدة سياسية". اما التعريف الثاني: فهو للدكتور محمد الهماوندي عندما قال، بأن الدولة الفيدرالية " تتكون من مجموعة من الدول او الولايات، تخضع بمقتضى الدستور الاتحادي لحكومة عليا واحدة هي الحكومة الفدرالية والتي تمارس في النظام المرسوم لها اختصاصاتها على الحكومات الدول الاعضاء في هذا الاتحاد". ومن اجل اقامة فدرالية ما او حكم ذاتي لمجموعة بشرية داخل دولة اتحادية لا بدّ وان يتوفر:

اولاً: بقعة جغرافية محددة تكون من الاتساع بحيث يسمح بإدارتها بصورة مستقلة.

ثانيا: يجب ان تكون تلك المساحة (البقعة) كافية لاشباع الحاجات الغذائية لسكانها (الاستقلال الاقتصادي).

ثالثاً: نوع من الاستقلال السياسي (وهذا ما كان ينقص الآشوريين وكانوا يطالبون به ولكن بأبسط صوره الممكنة).

ومن اهم اوجه التشابه بين النظام الفدرالي والحكم الذاتي الداخلي خصوصاً عندما يكونان على صورهما المبسطة هي:

1-    النظامان يشكلان وسيلة ناجحة لحل مشكلة عدم التكامل في الدول المتعددة القوميات والاديان واللغات والثقافات والاصول الحضارية.

2-           ان النظامين لا يتحققان إلا بدستور يشرّع لهذا الغرض ويستمدان شرعيتهما من ذلك الدستور.

3-    اهم العناصر التي يقوم عليها النظامين هي: الاستقلال الذاتي، اي إيجاد مؤسسات دستورية في الاقليم الفدرالي او الولاية (البقعة) المتمتعة بادارة شؤونها ذاتياً.

4-    وكلا النظامين يقوم على اساس اللامركزية الادارية، إذ يكون للاقليم الفدرالي ونظام الحكم الذاتي حكومة ذاتية تستمد سلطاتها من شعب الاقليم او منطقة الحكم الذاتي ولهذه الحكومة هيئات دستورية وتشريعية وتنفيذية وقضائية داخل حدود الاقليم او منطقة الحكم الذاتي.

ومع كل هذا هناك فرق جوهري بين النظامين (الفدرالي والحكم الذاتي)، وهو: ان الاقليم الفدرالي يتمتع باللامركزية السياسية. اما الحكم الذاتي الداخلي فهو يدخل ضمن حالة اللامركزية الادارية المتطورة منها احياناً. وهذا الاخير كان ما طالب به الآشوريون في ميثاقهم الشهير. ليس لانه لقى الاهتمام والدراسة من لدن الجهات المعنية الثلاث (حكومة بغداد, سلطة الانتداب البريطاني, مجلس عصبة الامم). وليس لانه ـ وان كان قد جاء من جهة مهملة وغير مرغوب بها في العراق آنذاك ـ يتضمن فكرة ومنهج متطور لحل الكثير من مشاكل العراق الداخلية. لو كان قد تم اعتماده بجدية بعد تطويره ودراسته بثقة ودقة. بل ان شهرته جاءت عندما جعلته سلطات بغداد (العراقية البرطانية) حجة قائمة للتخلص من الآشوريين من خلال نكبة مؤلمة انزلت بهم. وبذلك دشنت اول مقبرة جماعية في العراق من جثث ضحاياهم. وسجلت اول ابادة جماعية لصالح العراق المعاصر بسبب ارتكابه المجزرة بحقهم, كل ذلك في مثل هذه الايام من عام 1933.  

والآن وبعد مضي احدى وثمانون سنة على هذا الميثاق ما زال ساسة العراق في بغداد غير مستعدين للاقرار بأصالة الشعب والأمة الآشورية في العراق. اذ أعلن مسؤول عراقي في مؤتمر للامم المتحدة حول دراسة احوال الشعوب الاصيلة في العالم, والمنعقد قبل بضع اشهر من هذا العام (2013): "بأن لا وجود لشعب آشوري اصيل في العراق لان جميع العراقيين اصلاء"!!.

 

 
هل تعتبر نكبة سميل إبادة جماعية
؟

                                                                                      الدكتور عوديشو ملكو آشيثا

 

         لما كانت نكبة سميل السوداء على جبين التاريخ العراقي المعاصر, قد باتت على مقربة من توديع عقدها الثامن (1933 ـ 2013) بعد بضعة اشهر. وضحاياها وذويهم من ابنائهم واحفادهم ما زالوا يتحملون وزرها, دون أية إلتفاتة إنسانية او مبادرة وطنية صادقة من لدن القائمين على امر البلاد منذ ذلك التاريخ ولحد الساعة, كإصدار عفو عام عنهم او الاعتذار لهم مثلاً, مع ردّ الاعتبار إليهم من خلال إعادة جنسيتهم العراقية وحق المواطنة التام. وما الى ذلك من الامور التي تضمنها القوانين والشرائع الدولية والانسانية في مثل هذه الحالات.

    لذلك بادرنا الى طرح هذا السؤال على الملأ (هل تعتبر نكبة سميل إبادة جماعية؟) للاستذكار بالنكبة وضحاياها, ومن ثم المساهمة الجادة في إعادة الحق الى اصحابه.

    مع ان مجزرة الآشوريين في العراق في صيف عام 1933 وما بعده, بدت صغيرة الحجم عند مقارنتها بما أعقبها من الكوارث والويلات بحق شرائح واسعة من الشعب العراقي في الجنوب والشمال "إلا أنها بظروفها وتفاصيلها ولأنها كانت الوحيدة من نوعها ولا يوجد لها معاصر ينافسها اعلامياً, فقد تفجرت انبائها وأثارت استنكاراً وضجة واشمئزازاً في ضمير الرأي العالمي" وبشكل واسع.

    ومن بين الشخصيات الدولية الرسمية التي اقرت بها كمذبحة او إبادة جماعية (Genocide) للآشوريين, كان حاكم ولاية نيويورك جورج باتاكي "فهو قد يكون الشخصية الرسمية الاولى التي اقرت بالمذبحة الجماعية للآشوريين". وإنه لمن المفيد الذكر هنا بأن "الغرب يتحمل مسؤلية كبيرة, فبعد مذابح الحميدية وخلال الحرب العالمية الاولى لعب الالمان دور الحليف المسيحي للعثمانيين. وفي حقيقة الامر قاموا بتشجيع السلطات لإعلان الجهاد ضد المسيحيين حلفاء بريطانيا والذين  صاروا اعداء الاتراك" في المحصلة السياسية آنذاك. ومن هنا توارث حكام بغداد النظرة ذاتها على الآشوريين المسيحيين الحليف البريطاني المفترض.

    ومع ان مفهوم المذبحة الجماعية لم يكن قد تبلور بعد لدى عصبة الامم والاوساط الدولية والهيئات والمنظمات الاجتماعية والسياسية في العموم, يوم حصلت نكبة سميل. ولكن بالنظر لتأثر العديد من الكتاّب والباحثين في مجال حقوق الإنسان, بعد إطلاعهم على المأزق الآشوري وما ترتب عليه من إنتهاك لحرمة الانسان الاعزل. صار بعضهم يكافح لمعالجة الحالة لانها اصبحت اكثر من مألوفة, وقابلة للتكرار والتطبيق وفي اكثر من بلاد. بدءاً بتلك الإنتهاكات (المذابح) التي حدثت ايام الحرب العالمية الاولى وصولاً الى نكبة سميل. وكان ابرز الكتّاب نشاطاً في هذا المجال المحامي اليهودي البولوني الشاب رافائيل ليمكين الذي عمل بثقة وإيمان وضع إطاراً ودراسة مفصلة بشأن "المفاهيم القانونية لعمليات القتل الجماعي". بسبب تأثره الكبير بالمأساة الآشورية في العراق حيث ان ليمكين كان "بدأ العمل في الثلاثينيات القرن الماضي وبنشاط ملحوظ حول مسألة القتل الجماعي وبوحشية" في اعقاب المذبحة في سميل مباشرة.

    ومن ثم ودون تأخير قدم رافائيل عشية إنتهاء نكبة الآشوريين, عريضة الى المجلس القانوني في عصبة الامم في ايلول 1933, وطلب في عريضته تلك, وجوب "تحريم القتل الجماعي وتدمير الحضارة واعتبارهما اعمال بربرية أو التخريب المتعمد".

    وقد استند رافائيل ليمكين في طرحه لهذه القضية امام المجلس القانوني لعصبة الامم على حدثين كانا قد حصلا في تلك الفترة, يمثلان "الإبادة الجماعية قبل ان يستولى النازيون على السلطة (في المانيا) ويقومون بغزو بولونيا. الاول: كان المذابح العثمانية ضدّ الارمن خلال الحرب العالمية الاولى. والثاني: كان عندما تم القتل الوحشي للمسيحيين الآشوريين خلال الثلاثينيات القرن الماضي من قبل العراق المستقل حديثاً". وأصبح طلب ذلك المحامي الشاب لاحقاً "حجر اساسي لظهور إتفاقية منع ومعاقبة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية والتي صادقت عليها الامم المتحدة في 9/12/1948".  

    وكنتيجة لعمل البروفيسور ليمكين (لاحقاً) المستمر في مجال الدراسة وتحليل تاريخ المذابح الجماعية في العالم القديم والمعاصر. فقد استطاع  في أواخر حياته, أن يجمع ويصنف اكثر من (15) مذبحة جماعية حصلت في كل من امريكا الشمالية والجنوبية وافريقيا واوربا والدولة العثمانية. وكان من بينها مذابح الارمن والآشوريين والاقباط والبلغار واليونان في عهد الدولة العثمانية. ومن قبلها كانت الحروب الصليبية, وبعدها مذبحة الآشوريين في سميل ومذابح الاقليات العرقية في الاتحاد السوفيتي...الخ. جاء كل ذلك في اوراق (مسودات) كتاب كان ليمكين ينوي تأليفه ونشره بعنوان (تأريخ الابادة الجماعية: History of Genocide) لكن القدر لم يمهله ليتمم ذلك العمل الإنساني الكبير.

    بعدها اهتم بتلك المسودات التي تركها ليمكين, وقام بنشرها كل من (Dominik J.Schaller و Jurgen Timmerer). وبالنظر لقيمتها الكبيرة في مجال حقوق الانسان, تم اعتبار ليمكن "مكتشف ميثاق الإبادة الجماعية في الامم المتحدة", لانها (الامم المتحدة) إعتمدت لاحقاً وثيقة تحريم الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها إستناداً الى النقاط التي قدمها ليمكين الى عصبة الامم, والتي تضّمنت بالتفصيل, الحالات والافعال التي يمكن (بل يجب إعتبارها) إبادة جماعية يعاقب عليها القانون, وهي كما يلي:

    "1ـ قتل افراد مجموعة محددة.

     2ـ تسبب في ضرر جسماني او عقلي لافراد من المجموعة المحددة.

     3ـ توجيه ضربة متعمدة على مسببات الحياة للمجموعة والتي تؤدي الى تدمير هيكل المجموعة كلياً أو جزئياً.

     4ـ فرض ضوابط يقصد بها منع الولادات داخل المجموعة.

     5ـ النقل القسري لابناء المجموعة الى مجموعة اخرى".

    كانت هذه من بين اهم النقاط او الممارسات التي (إذا) اعتمدها ونفذها شخص أو مجموعة أشخاص أو حكومة بحق الآخرين, تعتبر الإبادة الجماعية قد حصلت فعلاً. ويفترض أن يحاسب عليها منفذها بغض النظر عن الظروف والحيثيات والاسباب التي كانت وراء إقترافه جريمة تلك الإبادة الجماعية.

    بالإستناد الى نقاط ليمكين اعلاه, وإتفاقية منع وتحريم الإبادة الجماعية المصدقة من قبل الامم المتحدة, وبالنظر لكونها ذات طابع وتأثير رجعي, وبناءً على ما حصل في سميل ومحيطها من القرى والاقضية والنواحي من حيث القتل الجماعي وعلى اساس العرق والهوية والدين. والإضرار صحياً ونفسياً وجسدياً بمنْ لم يقتل. والسلب والنهب وإحراق البيوت. والإتيان على المقومات الاساسية لقوام حياة إنسانية مقبولة. بالإضافة الى قتل الشباب وسبي الفتيات, والذي تسبب في إيقاف الزواج والإنجاب في المجتمع الآشوري بصورة ملحوظة. وآخرها كان التهجير المفبرك وتفتيت وحدة الشعب, وتشتيت كيان المجموعة.

    وإمعاناً في مشروع محو وطمس الهوية القومية الآشورية حتى بعد مرور أكثر من اربعة عقود على المذبحة, أي الاصرار على الإستمرار في نهج الابادة الجماعية للآشوريين. كان النظام السابق يصرّ على إعتبار الآشوريين عرباً او كرداً مسيحيين, ولاسباب سياسية وعرقية طبعاً. مستنداً في ذلك التصنيف او التقسيم على العامل الجغرافي لسكانهم في العراق فقط.

    ومن بين المفارقات الغريبة في هذه القضية تحديداً, يجد الباحث إن ذلك القسم من الآشوريين الذين اعتبرهم النظام اكراداً, وواجهوا الاضطهاد والقتل إسوة بالاكراد, واصبحوا هدفاً للقضاء كما كان الحال مع جيرانهم الاكراد, قد تم إستثنائهم من العفو العام للاكراد في 1988 ومن قبل نفس النظام, بحجة ان العفو العام يشمل الاكراد فقط, وليس الآشوريين الذين سبق واعتبرهم ذات النظام اكراداً. من هذه النقطة وغيرها "كان واضحاً ان النظام العراقي ميّز الآشوريين وعاملهم بقساوة وشدّة اكثر من تعامله مع الاكراد". ولاسباب عرقية ودينية (سياسية) مرة اخرى.

    بينما يلاحظ عكس ذلك تماماً, عندما كان الامر يتعلق بأحوال المعيشة (الوجود), إذ إلتجأ النظام ذاته الى حرمان الموظفين الآشوريين من الإنتفاع والتمتع بـكرديتهم وعروبيتهم المفروضتين عليهم قسراً بين عامي 1992 و1993. عندما تمت "إحالة جميع المعلمين والمدرسين واساتذة الجامعات الآشوريين الذين كانت اصول عائلاتهم تنحدر من مناطق وقعت ضمن تركيا أو ايران الحاليتين (هكاري واورمي وما جاورهما) الى التقاعد. وقسم من العوائل الآشورية واجه الإبعاد الى اسطنبول وايران بسبب ذلك". كل ذلك والدساتير العراقية المؤقتة والدائمة وعلى الدوام, كانت تتضمن فقرات صريحة في إقرار حق المواطنة وحرية الفرد للجميع بغض النظر عن الإنتماء العرقي والديني... الخ. نظرياً على الاقل.

    وبما أن كل هذه الصنوف وغيرها من الإعتداء على الفرد والجماعة تم ممارستها ايام نكبة سميل وما بعدها من قبل السلطات المتعاقبة في بغداد, ضدّ الآشوريين وبالفعل الملموس. فإن مذبحة سميل تكون اول إبادة جماعية حقيقية في تأريخ العراق الحديث لا محالة. وانها جريمة متكاملة الاركان وفق القانون الدولي, وهي تكفي لإدانة سلطة الدولة العراقية لما ارتكبته بحق الآشوريين والمسيحيين عموماً في العراق. ويقصد هنا بـ"الدولة كشخصية معنوية ولا أعني الحكومة الحالية أو التي سبقتها او غيرها لان مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم بل يبقى مرتكبوها عرضة للتعقيب والمتابعة والاعتقال والمحاكمة مهما تقادم الزمن على تاريخ إرتكابهم لتلك الجرائم".

من هنا فإن السيد رشيد عالي الكيلاني يتحمل مسؤولية هذه الإبادة الجماعية للآشوريين لكونه رئيساً للحكومة آنذاك, "بل ان المسؤولية تقع على الملك فيصل الاول ايضاً وبشكل مباشر لانه أرسل ولي عهده غازي ووزع أوسمة الشجاعة على الضباط والجنود الذين ارتكبوا تلك المذبحة". تقديراً لبطولاتهم المزعومة.

    وأخيراً فإن جميع العراقيين (شعباً وحكومة) مدعوون اليوم للقيام بما هو حق وعدل بحق ضحايا نكبة سميل وأحفادهم, حفاظاً على القيم الإنسانية حسب النواميس الدولية المعتمدة في هذا الخصوص. وعلى الآشوريين ـ كنسياً وشعبياً وثقافياً ومن ثم سياسياً ـ متابعة هذا الامر بجدية ودون كلل من اجل إنقاذ وتصحيح مسار العراق الديمقراطي, مساهمة منهم في الحفاظ على صورة وسمعة العراق الدولية اولاً, وإزالة او رفع الغبن عن الذين زهقت ارواحهم دون وجه حق وشردت اقرانهم وذريتهم خارج الوطن في جميع انحاء المعمورة ثانياً.

 

  
 
الجيرة وما تحت الوعي

                                                                              عوديشو ملكو اشيثا

          ـ الجيرة: هي مجاورة شخص لآخر او عائلة لآخرى في السكن, أو شعب لشعب ووطن لوطن, وحتى امة وثقافتها لامة وثقافة اجتماعية اخرى...وهكذا. والجيرة تتعلق بالانسان بالدرجة الاولى, والذي وصفته معظم النظريات الاجتماعية المعاصرة بأنه كائن اجتماعي بطبعه, بمعنى انه يميل الى التجاور ولا يستطيع العيش لوحده لمدة طويلة ـ إلا إذا كان مجبراً ـ. وكتب الديانات السماوية والوضعية واحاديث انبيائها ومؤسسيها زاخرة بفضائل الجيرة واهميتها لقيام مجتمع سليم معافٍ من الامراض الاجتماعية, وخال من وباء المكائد والاحقاد, وعلى الشعوب والقبائل ان تتعارف ..!!

ـ  الوعي: نعني بالوعي هنا تحديداً وباختصار, ما لدى الانسان في المجتمع, وبالنتيجة المجتمع نفسه من الثقافة العصرية والحضارة الانسانية في مجال التسامح والقبول بالآخر بأعتباره شريك في المساحة المحيطة وفي الشمس والماء والهواء, ونسمة الحياة التي هي هبة الله وحده لجميع الكائنات. وانه شريك مفيد رغم كل شيء! ولا يمكن الاستغناء عنه لانه إنسان! وان خالقه, وواقعه (وجوده) ومصيره مشترك مع الاخرين.

اما ما تحت الوعي: فهو العنصر المهم (الخطر) في هذه الثلاثية الانسانية الكبيرة (الجيرة ـ الوعي ـ ما تحت الوعي). كونه كالاسد الجائع الرابض في عرينه, او البركان الخامد تحت اطنان من الصخور في مأمن وامان. كما أن كلاهما لا يؤتمنان ابداً, لانهما قد يثوران في اية لحظة. وان ثورانهما والله لهو شرّ مدمرّ وساحق لكل ما يحيط او يوجد في ساحة الحدث ودون إستثناء! هكذا هو حال ما تحت الوعي عندما ينفلت زمامه فجأةً!

للقضاء على هذا الشرّ القابع في دهاليز ما تحت الوعي وتأمين جانبه. والذي قلمّا يتحسسه حتى الاذكياء والحذرون جداً من بين القائمين على أمر المجتمع ـ دولة او نظام اجتماعي ـ لابد من اليقضة والتحسب والعمل المثابر الجاد. ولكن هذه المرّة من خلال توعية عقول الاجيال الجديدة في المجتمع بكل ما هو انساني, اجتماعي وثقافي. وبكل ما يتعلق بجمال الحياة وشيوعيتها (بمعنى الحياة هبة سماوية للجميع). وعدم التطرق ـ قدر الامكان ـ الى كل ما يعكر صفوة الحياة المشتركة ويشوش الذهن ويزرع الحقد وبذرة الثأر في تلك الصدور النظيفة التي عليها ان تستقبل الطويل من قادم الايام. وتتعامل معها بالمنطق وسمو النفس والروح لتستطيع ان تعمر الارض ـ الوطن ـ حسب مشيئة الخالق!!

ان الذي حصل مؤخراً في مدينة زاخو وسميل الشهيدة ومحيطها بين مكونات الشعب الواحد, وتحديداً بين الجيران من الآشوريين والاكراد, ذوي ثقافتين إنسانيتين جارتين ـ الثقافة الآشورية المسيحية, والثقافة الكردية الاسلامية ـ لهو بحق ناتج استنفار ذلك العملاق الجامح, الاسد الجائع أو البركان الخامد في خفايا عقل الشباب الكردي المحرّض على ذلك.

فالجار عندما يدير المجنّ على جاره وشريكه القديم, إنما يقدم على ذلك نتيجة افرازات ركام ما تحت الوعي, المترسب في العقول والضمائر بسبب الافعال المؤسفة التي شوهت والى درجة كبيرة جمال الماضي وصورته بين الشعبين الجارين, الكردي والآشوري. الشعبان المترابطان في شتى المجالات, والشريكان الوحيدان في هذه الارض الطيبة وخيراتها الوفيرة.

فالجيل المعاصر من الشباب الكردي المسلم في الاقليم عندما يهبّ كالسيل العرمرم ـ خارج رغبة قادته ومرشديه قطعاً ـ ويحرق كل ما هو من حقّ جاره الآشوري المسيحي, وبطريقة انتقائية. يحرقه لانه مصدر معيشة الجار (المسيحي الآشوري او الايزيدي). وعندما تخرج جموع طلبة المدارس للمرحلة الاساسية, بعد تلقي العلوم والتربية في الصف, وتزحف على اقرب كنيسة وترجم زجاجها بالحجارة ساعية الى تدنيسها وحرقها! انه الفلتان الفجائي, والشرّ الاسود بعينه!.

أليس هذا التصرف الدمار الشامل لذلك الجيل وجيرانه سوية!. دمار للشعبين الآشوري والكردي معاً. انه ضعف, بل ضعف خطير ينذر بالاستسلام للحقد نتيجة استلهام البعض (المحرِض) للصفحات المظلمة من تاريخ العلاقات بين الشعبين, وخصوصيات الحضارتين. انه الكارثة بعينها والوبال الذي ما بعده وبال على جميع الاطراف وعلى المنطقة بأسرها.

ان تجربة الاقليم الرائدة في خلق جو من التوافق والقبول بالآخر, واعتبار مقياس المواطنة فوق جميع المقاييس, والصدى الكبير لها في الاوساط الدولية. إنما جاء نتيجة ستراتيجية قادته والقائمون عليه, ونتيجة جهودهم المخلصة وليس نتيجة اي شيء آخر. ويستطيع العاقل ان يجزم, بأن تلك القيادة ليست مستعدة للتفريط بما  شيدته وانجزته خلال عقدين من الزمن, تماشياً مع رغبات نفر طغت على عقولهم عواطف الاثنية العرقية والدينية وترسبات ما تحت الوعي, سواء كانوا اكراداً أم آشوريين وإيزيدية..

قلنا اكراداً وآشوريين وايزيدية, مع كون المهاجمون اكراداً فقط. نعم الثلاثة شركاء مشتركون في كل شيء في الاقليم, وحتى في تحمل تبعات الاتيان بما لا يرضي قيادة الاقليم,  ولا ينسجم مع مصلحة الجميع. بل يجلب الاذية والضرر الشامل (العام) للاقليم وشعوبه. بمعنى آخر إن الذي إنساق وراء العواطف الدينية والعرقية, بعد ان تم حشو عقله برواسب ما تحت الوعي, واحرق وعبث بالمال العام والخاص, وبسمعة الكيان السياسي والوجود الاجتماعي في الاقليم ككل, هذا المعتدي لا يختلف كثيراً عن المعتدى عليه الذي بدوره يستفز عنده (ما تحت الوعي) ايضاً. ويستذكر ايام الظلم والمذابح والقهر...الخ. ويبشرّ نفسه ومحيطه بأن صورة الماضي المؤلم قادمة لا محالة ـ اول المطر غيث ـ. ومن ثم يبادر الى لملمة شعوره واهله وما يملك, ويرمي بنفسه وبهم في مجاهيل الاغتراب خارج الوطن.

إنها النتيجة ذاتها إيها الاخوة, من حيث الاساءة الى الوطن وكيانه الاجتماعي والحضاري بالكامل. نعم في هذه النقطة يتساوى الطرفان الظالم والمظلوم بحق الوطن. فالذي يتصرف بطريقة جنونية ويحرق ويدمر, والذي يكوي جراحه, ويترك وطنه ساحة رحبة للشرّ القادم, ويذهب الى المجهول القادم!, كلاهما متساويان في إلحاق الضرر بالاقليم ومجتمعه التعددي.  

هنا تكمن الخطورة القصوى لتلك الافعال غير المسؤولة التي اتى بها ذلك الشباب المغرر به حتماً. وهنا يأتي الدور الاستراتيجي للقيادات السياسية والتربوية والشبابية  والدينية في توعية الشباب ليبتعد عن كل اشكال الدعايات والافكار الهدامة والتي تؤدي الى سفك الدماء, وتفكيك النسيج الاجتماعي للشعوب المتأخية في الوطن. وعلى تلك القيادات ان تذكرّ الشباب والطلبة بأن اول شهيد لثورة ايلول الكردستانية سقط امام سور مدينة العمادية, كان آشورياً. وإن الابطال الذين رافقوا رمز التحرر الكردي (مصطفى البرزاني) الى الاتحاد السوفيتي كان بينهم العديد من الآشوريين المؤمنين بحق الكرد في تقرير المصير. وعليهم ان يذّكروا هذا الجيل المخدوع بأبواق الاعداء وبنظريات الغرباء, بأن من بين شهداء جمهورية مهاباد الكردية, كان عدد غير قليل من الآشوريين الذين اعدمهم شاه ايران انذاك. ومثل هذه الصور والشواهد والامثال كثيرة والتي تؤكد الترابط المصيري في هذه المنطقة وعلى مدى قرون. فما بني منذ عقود وقرون لا يجوز أن يهدم بلحظة طيش يليها اجراء عقيم ينم عن فكر متخلف وروحية متعصبة.

وحرصاً على عدم تكرار ما حصل وقطع دابر الفوضى بحق جميع الاطراف في محافظة دهوك وبقية محافظات الاقليم بل وعلى نطاق العراق الفدرالي كله. كلنا امل ورجاء أن تبادر القيادة الراشدة في الاقليم وتقرّ بالحكم الذاتي الكامل للآشوريين وعلى اراضيهم التأريخية, وحسب ما جاء في دستور الاقليم. وذلك لا منّة ولا هبة بل:

1ـ وفاء للدم والمال والجهد الآشوري الذي كان سباقاً في كافة المجالات لتحقيق آمال

    الشعب الكردي في الحرية والعيش الكريم.        

2ـ حفاضاً للصورة المشرقة والسمعة الطيبة التي حققها الاقليم في الاوساط

    الاجتماعية والسياسية الدولية والاقليمية.             

3ـ تحقيقاً لما هو الحق المشروع للآخرين في الاقليم وارضه وخيراته. وحفاضاً

    لوحدة الاقليم ومستقبله الزاهر.              

 

الحكم الذاتي الآشوري من التحقيق الى التسويّف...!!

بقلم: عوديشو ملكو اشيثا

أ ـ خلفية تاريخية:

          قبل مائة عام من الآن يوم كان الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة, وبمعاونة بل بإدارة واموال الماسونية العالمية ينخران في جسم السلطنة العثمانية (الخلافة الاسلامية) بلا رحمة ولا هوادة. يومها كانت جموع الشعوب والامم الرازحة تحت النير العثماني تلملم جراحها وتتنفس نسيم الحرية القائمة على الاسس القومية والحضارية, لكل منها وعلى ارضها التأريخية الخاصة بها... نعم هذا كان حال العرب في شمال افريقيا والشام والعراق, ومثله كان حال الكرد والارمن والاذريين والاغريق والآشوريين... الخ.

وبعد مائة عام لم يبق من تلك الخارطة الجغرافية شيء, وظهرت على إثرها أوطان ـ  جمهوريات وممالك ودول ـ  ونالت شعوب في المنطقة استقلالها, وناظلت اخرى من الاجل الاستقلال الناجز وهي في طريقها اليه.. وظلت ثالثة تراوح مكانها إن لم نقل تقهقرت الى الدرك الاسفل من سلم تطورها الطبيعي. وخير منْ يمثل هذه الفئة الاخيرة هم الآشوريون الذين توزع وطنهم القومي بين العراق الشمالي وبين الدول المحيطة به, اي تركيا وسوريا وايران.

          إنتهت الصفحة الدموية للحرب العالمية الاولى في آواخر صيف (1918) وبدأت صفحاتها التامرية الطويلة بين الكبار. الصفحات التي  اقترنت بصفقات سياسية واقتصادية كبيرة بل كبيرة جداً وعلى  حساب مصير وحرية شعوب المنطقة.

وها هو مؤتمر السلام يجتمع في سان ريمو الايطالية في نيسان (1920) وفيه يتقرر الانتداب الانكليزي والفرنسي على معظم مساحة الشرق الاوسط. بإستثناء شمال العراق وبعض المناطق المحيطة والتي تقرر في العاشر من آب (1920) في مؤتمر سيفر، أن تكون خارج الانتداب البريطاني, اولاً. وأن يقام فيها الحكم الذاتي للأكراد, ثانياً. ولما كان الوطن الآشوري وتواجدهم الكثيف على الارض حينها, يقع في معظمه ضمن هذه المنطقة, لذا تقرر أن يتمتع الآشوريون بنوع من الحكم الذاتي والحماية والرعاية الخاصة ضمن المنطقة ذاتها, ثالثاً. وقد أيدت سورما خانم بيت مار شمعون عميدة السياسة الآشورية آنذاك هذه الفكرة بقوة, أي " تأييد إستقلال كردستان الذي يشمل اراضي الوطن الاصلي للآشوريين، املها من ذلك التمكن من إقامة منطقة بحكم ذاتي خاصة بالآشوريين"

هكذا فإن مسألة الحكم الذاتي للآشوريين مسألة تأريخية قديمة ليس فيها نقاش، إذ إنها تعود بحيثياتها اصلاً, الى ما قبل نشوء العراق المعاصر. كما ان مسألة إيجاد نوع من التعايش والتوافق السلمي البنّاء بين الآشوريين وجيرانهم, هي الاخرى قديمة وحتمية. ومن دون خلق نوع من الارتقاء الحضاري والسياسي واعتناق نظرية القبول بالآخر، فإن الامر لا يستيقم في العراق ليس الآشوريين وحدهم! بل لجميع مكونات هذا البلد المتعدد الاعراق والثقافات والميول. والحال سواءُ بالنسبة المكوناته الكبيرة والصغيرة. والامر كذلك, حتى داخل المكون الواحد، إن كان كردياً او عربياً او آشورياً...الخ. فلجميع مكونات العراق المعاصر مشاكل ذاتية وحالات عدم الوفاق. بعض هذه المشاكل  خارجية ـ بين المكون المحدد والمكونات الاخرى ـ وبعضها الاخر داخلية ـ الاختلافات القائمة بين عناصر المكون الواحد ـ .

ولاجل عدم الخوض في التفاصيل المتعلقة بتقرير مصير العراق في تلك الفترة، اولاً. ومصير الاكراد والآشوريين بالاضافة الى مجاميع دينية صغيرة اخرى من خلال المؤتمرات المتعددة بين فرنسا وبريطانيا وتركيا ...الخ. ثانياً. نكتفي بالقول: بأن دور الآشوريين وخصوصاً أبناء العشائر المستقلة ، والتي كانت مواطنها في هكاري الى الشمال من الحدود المقترحة في التشرين الاول عام (1924) بين العراق وتركيا الحاليين، والتي اصطلح على تسميتها بخط حدود بروكسيل. هذا الدور كان عظيماً في حسم مسألة ضمّ لواء الموصل الى العراق في 16/12/1925 ومن الناحيتين العسكرية والسياسية معاً. فمن الناحية العسكرية  قدم الآشوريون المئات من خيرة شبابهم شهداء من اجل وحدة تراب الوطن, بالاضافة الى فقدان كامل ممتلكاتهم ومساكنهم واراضيهم الشخصية لصالح تركيا. لانهم كانوا آنذاك القوة الوحيدة المدافعة عن الحدود الشمالية للعراق بوجه العساكر التركية الغازية والمشحونة بالعقيدة الكمالية (الطورانية) الرافضة لكل ما يعتقدونه سيقف في طريق إنشاء الدولة التركية الحديثة. اما من الناحية السياسية، فقد ظلوا يطالبون بضم ليس لواء الموصل وحده  بل كل منطقة هكاري الى العراق املاً في التخلص من النير العثماني والتركي الغاشم ـ أرضاً وبشراً ـ ! وتوخياً للحقيقة العلمية لابد من الذكر هنا, بأن بعض العشائر العربية الكبيرة في لواء الموصل كانت ترفض ألانتماء الى العراق آنذاك، وقد صوتت لصالح الانظمام الى تركيا. هي العشائر ذاتها التي انكرت على الآشوريين فضلهم واخلاصهم للعراق الفتي وتمادت في القتل والسلب والنهب. حين كافأت الحكومة العراقية الآشوريين بأراقة دمائهم ومن دون وجه حقّ في صفحة سميل المشؤومة عام (1933) والتي صارت تصنّفها أحدث الدراسات الاكاديمية المعنية بحقوق الانسان بأنها الابادة الجماعية الاولى في العراق في العصر  الحديث. وما تبعها من صفحات الغدر والظلم والاضطهاد للآشوريين لحد الان.

وكانت المكافئة الاكبر للآشوريين, عندما اتبع الاعلام العراقي الرسمي والشعبي سياسة الترهيب والترغيب معهم, واستغل الفروقات المذهبية بينهم, حيث تمكن من جرّ الكثير من الآشوريين الى زاوية النكران للآشوريتهم. واستطاع هذا الاعلام الموجه أن يبث بين الصفوف الآشورية عقيدة الانتماء الى المذهب والكنيسة وليس الى الامة والوطن. فصار الاشوري الكاثوليكي ومن خلال كنيسته ينأى بنفسه عن آشوريته القومية ويتمسك بمسيحيته الكلدانية. وكما يقول الدكتور سرجون دونابيد " صار ببساطة يعرّف نفسه من خلال جماعته الدينية، او أنه عراقي، او عراقي مسيحي، او عربي مسيحي، اكثر من تقديم نفسه كآشوري بالمعنى الشمولي. وهذا ينطبق على السرياني الأرثودكسي والكاثوليكي "[1].

ومن هنا تكرست الصفة الطائفية ومنذ العشرينات من القرن الماضي بين الآشوريين المسيحيين. وهي الاخرى تعتبر إبادة جماعية حضارية بحقهم وفي ظل جميع الحكومات العراقية المتعاقبة تقريباً. وانحسر مدلول الآشورية كحضارة, وثقافة قومية واجتماعية ضمن حدود المذهب النسطوري (الكنيسة المشرقية الآشورية) فقط! وابتعدت الكلدان والسريان عن هويتها القومية وصارت تعيش كمجموعات كنسية متنافرة كلياً واحدة عن الاخرى. وانطلاقاً من هذا الواقع المفتعل, تمت إزاحة المكون الآشوري كقومية وحضارة وخصوصية اجتماعية، ووجود أثني متميز من بين مكونات العراق! ونعني هنا على الصعيد الرسمي للدولة العراقية الحديثة ومنذ 1936. عندما صدر الدليل العراقي (44ـ45 ) وهو ينصّ على وجود اربعة أثنيات فقط في المجتمع العراقي, وقد حددها، بالعرب والكرد والتركمان والفرس.

وبناء على هذا الموقف العراقي الرسمي غير الانساني والقائم على مبدأ الغاء الاخر، والذي يطابق مع الكمالية التركية, لان قادة العراق آنذاك كانوا يعيشون هوس انشاء دولة او أمة بعد انتهاء الانتداب البريطاني. وكانت أرواح الناس والهوية الحضارية ترخص امام هذا الهوس. وتولدت الرغبة في نبذ الهوية القومية كلياً, لدى ساسة الكنائس الآشورية الثلاث ـ الكاثوليكية/ الكلدانية، والسريانية بشقيها الكاثوليكي والارثودكسي ـ وربما إنطلاقاً من نظرية " الوقاية قبل العلاج " فكانت بداية انعدام (تلاشي) الهوية الآشورية لدى قاعدة عريضة من اتباع هذه الكنائس في العراق.

ب ـ الواقع المهبط:

واليوم وبعد مرور اكثر من تسعين سنة على انطلاق العراق الحديث في مسيرة التاريخ البشري وقيام الحكومات المتعاقبة في بغداد،. تلك الحكومات التي ما برحت تمارس المحاربة المستمرة للآشوريين وعلى جميع الاصعدة. لقد أصبح بالامكان وصف حال الآشوريين ومشهدهم الفعلي, كما يلي:

 اولاً: آشورياً, لقد تحولوا من أمة ذات خصوصيات محددة تسعى لتقرير المصير, الى عدة كنائس (طوائف) مسيحية متنافسة فيما بينها على كسب واستمالة الشعب الآشوري الفاقد لهويته وخصوصيته الحضارية في العموم, بالاضافة الى فقدانه الشعور القومي, وحتى غريزة إنتمائه الى العراق المعاصر ـ وطن آشور في السابق.

ثانياً: عراقياً (رسمياً), ينظر اليهم بأنهم عبارة عن طوائف مسيحية متعددة, ذات رئاسات دينية ضعيفة ومتناحرة في الخفاء. تجنح للطاعة والخضوع لقاء ثمن وحتى دون ثمن. سهلة الاختراق. مشوشة الرأي والقرار فيما يتعلق بهويتها القومية ومستقبلها. ولهذه الطوائف العديد من الاحزاب والمجموعات العاملة في السياسة داخل العراق وخارجه، بالاضافة الى بعض الاحزاب والجماعات المذهبية اوالطائفية المشكلة حديثاً. وهي مخترقة ايضاً, تعمل من دون افكار او اهداف واضحة ومحددة!

ثالثاً: وعلى الصعيد الدولي: يمكن القول بأن المجتمع الدولي عموماً ينظر الى الآشوريين، بأنهم عبارة عن مجموعات مسيحية مبعثرة في الشرق الاوسط، ذات اصول آشورية وعراقية عريقة. مزقتها المذاهب والارساليات التبشيرية في القرنين الاخيرين. وهي ضعيفة خاضعة بشكل مذهل الى السلطات المحلية. وإن هذه المجموعات لا تحترم وجودها كشعب واحد وحضارة وأمة. ولا تهتم لمصيرها ومقوماتها الحضارية, ليس في العراق بل حتى في المهجر. وعدد افرادها في تناقص مستمر بسبب الهجرة, نتيجة المحاربة الاقتصادية والاجتماعية المنظمة ضدهم في العراق والتي وصلت بعد 2003 الى درجة الابادة الجماعية.

 من خلال الدراسة الدقيقة لهذا المشهد المؤسف الذي آلت اليه أحفاد امة آشور, والذي اوجزناه في اعلاه, تتضح لدى الباحث والسياسي والمفكر, مجموعة من الحقائق المهمة بهذا الخصوص, ومنها:

 1- سرّ معاناة الآشوريين الانسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العراق وعلى مدى القرن المنصرم ولحد الساعة.

2- السبب الحقيقي الكامن وراء عدم الاهتمام بهذه المعاناة, وإيجاد الحلول المناسبة لها. او حتى المحاولة الجاّدة في هذا المجال من لدن الساسة العراقيين, منذ تنصيب فيصل الاول ملكاً على العراق ولحدّ الساعة.

3- عدم الاهتمام بالمسألة الآشورية والاهمال المتعمد لها, بعد مؤتمر السلام في سان ريمو (1919) وانفجار اول بئر نفط في كركوك، والى زمن خرائط الطريق المتعددة المعلنة والمخفية ذات العلاقة بواقع ومستقبل المنطقة والعراق وشعوبه واثنياته المتعددة تحديداً.

ج ـ التسويّف وهدر الجهود:

          كل هذه الحقائق وغيرها كانت السبب المباشر والرئيسي وراء تسويف مشروع الحكم الذاتي وهدر جهود الداعين اليه خلال القرن الماضي. وهي ذاتها التي جعلت من الساسة والسياسيين الآشوريين الحاليين, مترددين في الاصرار على وجوب نيل كامل حقوقهم المشروعة في وطنهم العراق. ومن ثم تبلورْ شعور الاستعداد لدى الكثير منهم لتقديم التنازلات الجوهرية المتتالية وعلى حساب القضية الآشورية. إرضاء للساسة الكبار المستحوذين على زمام الامور في العراق الاتحادي الفدرالي الحالي! فبعد ان كان المطلب الآشوري وحسب استحقاقهم التأريخي, والحضاري والقومي والوطني يتجاوز سقف الحكم الذاتي الكامل والناجز في جميع الاراضي الآشورية التأريخية والمقيمون فيها آنذاك, سواء ضمن محافظات المركز او الاقليم الحاليين. اصبح الحديث يجري في الاعلام الدولي عن محاولة خلق محمية (حبيسة) آشورية آمنة. ومن ثم عن منح حقوق إدارية للاقلية المسيحية. نزولاً الى مطلب استحداث محافظة في سهل نينوى لحماية المسيحيين من بطش الارهاب الذي لستهدفهم بعلم الجميع وامام اعيون الجميع. وبعدها (ربما) هُمس في آذان الساسة المسيحيين (الآشوريين) بما مفاده, ان المحافظة المرتقبة يجب ان تكون لجميع السكان القاطنين في الرقعة الجغرافية التي ستقام عليها! وإلا فكيف تحول الحديث الرسمي في الاعلام المسيحي هذه الايام من الحكم الذاتي الكامل الى (...استحداث محافظة في مناطق من اقضية ونواحي الحمدانية وتلكيف وبعشيقة والقوش وبرطلة لشعبنا بالمشاركة مع بقية المكونات القومية والدينية الاصيلة التي تتعايش فيها..).

          في نصّ الكلام المحصور بين هلالين ورد: { في مناطق من اقضية ...} وليس الاقضية بالكامل! وكأنها لم تكن مهداً للآشوريين منذ الازل وحتى اواسط القرن الماضي. ثم ورد: { بالمشاركة مع بقية المكونات القومية والدينية الاصيلة... }: عن اية أصالة يجري الحديث هنا؟ منْ هو الاصيل اكثر من الآشوريين في جميع سهول وجبال آشور؟. وبعد هذا ثمة سؤال لا بدّ وان تواجه به يوماً اصحاب هذه الطروحات: (منْ خول المسيحيين من بين تلك المكونات القومية والدينية الاصيلة؟ بالمطالبة بالمحافظة عوضاً عنهم!).

          أليس كل هذا ـ على الصعيد الآشوري والعراقي ـ مبرر, ليأتي الاخوين النجيفيين وينكران على الآشوريين حّق الحكم الذاتي, ومن ثم الوجود الحضاري والثقافي لهؤلاء الناس!! عندما صرح الاستاذ اسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي للدورة الحالية بعدم وجود مطالبة رسمية بخصوص استحداث (محافظة للاقليات في سهل نينوى!). مع اننا نعتقد بأن الاستاذ النجيفي توخى الحقيقة في تصريحه اعلاه، لان الاقليات مجتمعة في سهل نينوى لم تطالب بالمحافظة! إنما الذي طالب بها ومازال, هم (تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية ) وليس للاخرين من الاقليات كالشبك والايزيدية والتركمان, بالاضافة الى العرب والكرد في المنطقة شأن في ذالك!!

          اما الاستاذ أثيل النجيفي محافظ نينوى, فقد تناول المسألة ليس من رأسها بل من مؤخرتها, أي أنه تبنى النتأئج وتمسك بها وليس الاسباب والظروف التي افرزت تلك النتائج! عندما صرّح قائلاً بأن (نسبة المسيحيين في اطراف نينوى لا تصل الى 30% ومن هنا فإن إقامة محافظة خاصة بهم مشروع ميتْ..!!). متناسياً بأن لائحة حقوق الانسان المقرة في الامم المتحدة لا تتعامل مع العدد او النسبة, بل مع الانسان (الفرد او المجموعة) وحقوقه في العيش الآمن, والتمتع بحرية الرأي والانتماء...الخ. بالاضافة الى وجود عشرات الحالات في الشرق والغرب, من شعوب اقل عدداً من الآشوريين, وادنى منهم في مجال الرقي الحضاري والانساني, إلا انهم يتمتعون بنوع من الادارة الذاتية او الحكم الذاتي كل في وطنه. بل أن بعضهم اصبحت دولاً عضوة في الامم المتحدة ومنذ عقود خلتْ.    

          وابدى الاخوين النجيفيين في تصريحيهما بخصوص الآشوريين (المسيحيين), تخوفاً من فكرة استحداث محافظة للاقليات, واصفين إياها بتمهيد لتقسيم محافظة نينوى. وكأن لواء الموصل العثماني لم يقسّم الى خمس محافظات خلال خمسون سنة من عمر العراق الحديث، ولاسباب اقتصادية وإدارية وعرقية وحتى السياسية. واوضحا بأن المسألة (مسألة الآشوريين) ليست متعلقة بأضطهاد وطرد وسلب وقتل المسيحيين في عموم العراق المركزي, بقدر تعلقها بالصراع أو النزاع على الاراضي في تلك المنطقة...الخ. وقال الاستاذ اسامة حرفياً (ممكن تغير الامور بالمعالجة السياسية للازمة, ومكافحة الارهاب الذي يضرب المسيحيين..!!).

حسن, إذا كان الامر كذلك فأين هي المعالجة؟ وما طبيعتها؟ ولماذا كل هذه المماطلة؟ أليس من اولويات العراق الفدرالي التعددي تحقيق الحريات لجميع العراقين وحسب رغبتهم, ليكونوا ساسة انفسهم من خلال الاداراة الذاتية او الحكم الذاتي او الاقاليم, أليس بذلك فقط تتحقق الفدرالية الصحيحة المرجوة. أم ان وراء الاكمة ما ورائها؟. وان من بين صنّاع القرار العراقي الان منْ لا يسمعون عن, ولا يشاهدون, ولا يشتمون رائحة الدم البارد لمشروع الإبادة الجماعية الذي تعرض ويتعرض له الآشوريون في العراق الفدرالي التعددي الموحد!؟. ام أنهم بأنتظار اليوم الذي يعلنون فيه بفخر للعالم اجمع: (لا وجود للآشوريين، للمسيحيين، لذلك القوم التليد في العراق بعد الان..!!؟), ولكن لمجرى الامور في الغالب انعطافات اخرى ومفاجئة دائماً..!!.      

1. Sargon George donabed. Iraq and the Assyrian Unimagining

            Illuminating scaled suffering and a Hierarchy of Genocide from Simele to Anfal.

                      Canada 2009 p. 13

   


الرحيل بصمت: يوسف سعيد قديس القصيدة

إصغاء الي الأعماق وسفر داخل المنافـي

شاكر مجيد سيفو


ولد الأب الشاعر يوسف سعيد في عام 1932م، في مدينة الموصل ـ العراق، اتم دراسته الاولية في دير شهير قريب من المدينة ثم التحق بالكلية اللاهوتية الموجودة في المدينة ايضاً. عيّن رئيساً روحياً لطائفة السريان في كركوك وفيها التقي جماعة شعراء كركوك، شعراء قصيدة النثر امثال: فاضل العزاوي، ومؤيد الراوي، وجان دمو، وسركون بولص، ويوسف الحيدري وغيرهم، كان لهؤلاء تأثيرات واضحة في تجربة الشعر العراقي بأكمله، وتأثر بهذا المشهد الأب يوسف سعيد، نُشِرت اشعاره وكتاباته ابتداءاً من العام 1953 في المجلات والصحف العراقية والعربية، غادر العراق في العام 1963 متوجهاً الي بيروت التي مكث فيها حتي العام 1970 قبل ان يتوجه الي منفاه الثلجي ـالسويد ـ التي مازال يعيش فيها حتي الان. ترجم اكثر من خمسين قصيدة لمار افرام السرياني، نشرتها مجلة (شعر) التي كان يُشرف علي تحريرها الشاعران يوسف الخال وأدونيس في بيروت. صدرت له المجموعات الشعرية التالية: (الموت واللغة) قصائد، بيروت عام 1968، و(يأتي صاحب الزمان) أسوج 1986، و(طبعة ثانية للتاريخ) عام 1987، منشورات دار الشباب بيروت، و(الشموع ذات الاشتعال المتأخر ـ بيروت) عام 1988، وبالاضافة الي (المجزرة الأولي) مسرحية عام 1967 وكتب نثرية أخري، وصدرت له مجموعته الأخيرة (السفر داخل المنافي البعيدة) منشورات دار الجمل ـ المانيا عام 1993.

شهادة فاضل العزاوي
تعرّفتُ علي الاب الشاعر يوسف سعيد في العام 1956 عندما كنت لاأزال تلميذاً في المدرسة المتوسطة، أعتقد انني ذهبتُ لزيارته في كنيسة في طريق المحطة في كركوك بصحبة يوسف الحيدري أو ربما جليل القيسي كانت تلك أول مرة ادخل فيها كنيسة في حياتي، كان الأب يوسف سعيد قد سال عني بعد أن قرأ لي قصيدة طويلة بعنوان (رماد العودة) نُشرت علي صحيفتين في مجلة (المجلة) اللبنانية التي كان يشرف علي القسم الثقافي فيها الشاعران يوسف الخال وأدونيس الذي كان ينشر قصائده باسم (شاعر الأرض) ربما استغرب الأب يوسف الذي استقبلنا بكامل قيافته الكهنوتية ان يجد امامه صبياً لم تنبت لحيته بعد، ولكنه لم يشعرني بذلك ابداً. وأذكر اننا تحدثنا طويلاً حول الشعر، كنت معجباً حينذاك، بصورة، خاصة بشعر ت.س.اليوت الذي استعرت اعماله الكاملة ودراسات طويلة عنه من مكتبة الاستعلامات الامريكية التي كان يوجد مقرها في شارع الأوقاف.
بعد هذا اللقاء حصلت علي نسخة من التوراة باللغة العربية، اثارتني لغتها وصياغتها الشعرية، لست متأكداً ان كنت قد حصلت علي تلك النسخة من الأب يوسف سعيد ولكنني جعلت برهان عبد الله احد ابطال روايتي (اخر الملائكة) يحصل علي نسخة من قس كان يكتب الشعر ويقيم في طريق المحطة، ثم عدلت عن الاشارة الي القس في آخر لحظة، لان ذلك القس كان الاب يوسف سعيد الذي يعرفه الجميع، وما كنت اريد ان اضحي بالسرية الداخلية للرواية لصالح الوثائقية...
كانت جماعة كركوك وهي حلقة اصدقاء في الحقيقة تشكل حينذاك بالاضافة الي قحطان الهرمزي الذي شاءت الأقدار ان ينسلخ عنّا بعد 14 تموز 1958 متنقلامن الشيوعية الي الحركة القومية التركمانية، ويوسف الحيدري، وانور الغساني، ومؤيد الراوي، وزهدي الراوي، الذي كان قد جاء من طوز خورماتو، ليواصل الدراسة في دار المعلمين الابتدائية، اما سركون بولص، وصلاح فائق، وجان دمو، فلم نتعرف عليهم الا بين العامين 1958 و1959، وكان هناك جماعة تقابل هذه الجماعة في بغداد تكتب قصيدة النثر ومنهم: حميد المطبعي، وفوزي كريم، وموسي كريدي، ونبيل ياسين، واشتهر كل هؤلاء عبر المنبر الثقافي العراقي، في مجلة (الكلمة).. ويضيف فاضل العزاوي ويقول: لقد لقد تعرف الاب يوسف سعيد علي معظم هؤلاء الاصدقاء الفتيان الذين اثاروا مخيلته بعمق وعيهم الادبي وجنونهم وشجاعتهم في مواجهة العالم الذي يعيشون فيه، وهو يعترف بكل وفاء ان هؤلاء الشبان تركوا اثراً مهماً في المسيرة الشعرية وانه بدونهم ما كان يمكن لحياته ان تتخذ مجراها الذي اتخذته، وفاء نادر لا يمكن ان يصدر الا من رجل عشق الشعر حتي النهاية. وما بين العام 1956 و1959 التقيت الاب يوسف سعيد مرات كثيرة ربما لم يعد يتذكرها الآن، في المقاهي وفي المظاهرات الاحتفالية والمهرجانات الخطابية التي غالباً ما كنا نشارك فيها نحن الاثنين هو باعتباره رئيساً للطائفة السريانية وانا كممثل للطلبة واحياناً كشاعر، فجرت الثورة كل جنون العالم في رأسه، في خريف العام 1959 انتقلت الي بغداد للدراسة في الجامعة وبذلك فقدت الصلة به.
مثلنا جميعاً عاش الأب يوسف سعيد كل جنون الحياة السياسية في العراق واضطراباتها حتي بدون ان يكون طرفاً فيها. فقد اقتيد في العام 1956 الي مركز الامن في كركوك واستجوب في التحقيقات واعدت له صحيفة اعمال واخذت طبعات اصابعه لانه نشر قصيدة لفتت نظر شرطة الامن التي اعتبرتها قصيدة شيوعية ثورية، انها حادثة تكاد تكون متطابقة مع حادثة روايتها في (اخر املائكة) فقد اقتادت الشرطة ذات يوم الملا زين العابدين القدري الي مركز الامن بتهمة الشيوعية، لانه هاجم الانكليز الذين كانوا قد فصلوا حميد نايلون من عمله في شركة النفط. ولكن هذه الفكاهة التي تحولت الي كابوس في العام 1963 جعلت الاب يوسف سعيد يقرر مغادرة العراق الي لبنان حيث امضي سبعة أعوام هناك قبل ان ينتقل الي منفاه في السويد، مثل معظم اصدقاء جماعة كركوك الذين اختاروا المنفي، دفاعاً عن حقهم في حرية الابداع، تلك هي المجازفة الكبري؛ التي اشار اليها الشاعر يوسف سعيد في قصيدة "الطفولة" المجازفة بالحياة باكملها من اجل الحقيقة، في مشهده الشعري طيلة كل هذه الاعوام الطويلة لم يتوقف الاب يوسف سعيد عن كتابة الشعر باعتباره قوة روحية مضادة لكل الاغتراب الذي يمثله المنفي، في ديوانه الجديد، "السفر داخل المنافي البعيدة"، يتألق الأب يوسف سعيد من جديد ليقدم لنا ، ذهب الجنة، ذلك الذهب الذي تشير اليه قصيدته عن طفولته والذي اعتبره العنوان الاكثر قدرة علي كشف روح الديوان كله، ولكن اذا كان الشاعر قد اختار لديوانه عنواناً آخر غير (ذهب الجنة) فانه لم يبخل علينا بهذا الذهب الذي سوف يجعلنا اكثر غني بالتأكيد.. ان قصيدة الطفولة نشيد اشبه بالحلم يشبه الديوان، ينبثق من مخيلته تستعيد اشباحاً تطعم المسافات البعيدة بـ (ذهب الجنة) هذه القصيدة التي تختصر نصف قرن من حياة الشاعر، تمزج المكان كله وتُطْلِعهُ مثل نهرٍ هادر في قصيدة تقوم علي هذيان الذاكرة حيث قصائد الديوان ـ الهذيان الاكبر حتماً تنزف مليون فكرة ـ حسب الشاعر يوسف سعيد، والهذيان هذا، هو ان ترفع الرقابة عن العقل وتدع الروح تجول او تبقي تغني كما تشاء خارج الاقفاص الكثيرة التي يقيمها العالم باستمرار، هذا هو مناخ يوسف سعيد الشعري في كل مشاهده وانتقالاته وارتحالاته، انه قائم علي عفوية القول والذي تتوالي فيه الصور في غرائبية منتظمة، وهذه الغرابة في الوقت ذاته سُلم الشاعر الي الحقيقة الاعمق في الكون والحياة، ها هنا تلتقي العفوية السريالية، الشطحات الصوفية، ضمن نسيج خاص، يوحِّد بين اللغة الدينية برموزها الميثولوجية ولغة الحياة اليومية.( خميرة واحدة ويتحول خبز عشيرتنا/ الي جرار معبأة بدم الحياة/ هذا المزج بين السريالية والصوفية يتداخل عند الشاعر يوسف سعيد بقوة اخري، تتمثل في شهوانية عميقة للحياة، تقوم علي رموز تشير وتوميء وتوحي من بعيد،/هل ستأتي امرأة الحي الي ديارنا؟ / هل سترقص عارية قرب سرير من الجوز؟/ ان معظم القصائد مليئة بقلق وجودي يفتك بقلب الشاعر، هاهو يجلس وحيداً في منفاه مراقباً ولادة الضوء في هياكل الممرات البعيدة وماذا يمكن للشاعر ان يفعل سوي ان يطرح اسئلة لا يعرف اجوبتها: لماذا رحلاتي داخل المنافي البعيدة؟/ او: لماذا تلبس شيخوخة عمي سروال الغروب؟ / او: هل اسفار الله نقاط حبر، كالسكين. بعد ثلاثين عام من السفر في المنافي البعيدة عن الشمس ما زال الشاعر مرتبطاً بتلك البلاد التي خلّفها وراءه كما لو انه تركها البارحة فقط. يومياً دجلة مع سرادقه البيضاء/ ينام في سفوحي/ هذا الوفاء العميق لتاريخه ونفسه هو الذي جعله يقول: اني استيقظ في ظهيرة النخل / ابحث عن مدن متعرجة القلب/ في سهوب الملح).

تعاسة الناس
في كل شعر الاب يوسف سعيد حب للعالم وانسانية عالية، بعيدة في جذورها الروحية، وبراءة رؤياها، إنّ الشاعر هنا لا يضفي علي موضوعاته أي طابع ايديولوجي، ولكنه في الوقت ذاته يري تعاسة الناس، يري الفقر الذي طارده في طفولته ويدين كل من يُرغم الشاعر علي الصمت.(من يقتل شعراءنا/ يحذف مليون حكمة/ من دفتر الشرائع/ ولكن الشعراء يقتلون كل يوم وفي كل مكان. تماماً كما قتل الجلادون ذات مرة ذاك الذي جاء لينقذ العالم من شرورهم، إذا كان الشاعر صورة عصرية للنبي القديم ولأنّ الجلاد هو نفسه، الان وفي الماضي: وعندما تتم عملية الصلب بحذاقة/ يعرف الجلاد جيداً / كيف ينز حزن الدموع/ من عقل الجسد./ وعندما يكون الخيار بين الشاعر والجلاد فليس ثمة بّدّ من القبول بحمل الصليب حتي النهاية. والمعاناة هنا هي الضوء الذي يقود الشاعر في ضياعه، المعاناة هي الحياة كلها في الحقيقة. / ادخل بعد جهد جهيد المغارة/ وارجع حاملاً صلبي/ هذه العودة هي العودة الي الشعر الذي يتحول في فم الرجل الحامل صليبه الي نشيد من هذيان الروح، من الذكريات التي تنقد من الماضي ومن مخيلة تحررت من كل القيود:
تتصل مجاميع الشاعر معظمها بخيط سري يدفن سريته في روحية العبارة ورموزها الكونية التي تمنحها مخيلته دينامية فائقة ويترشح الهذيان المنتظم من ذاكرة ملتهبة لا تحدها حدود زمانية ومكانية، فهو يقول في احدي مقابلاته، انا رامبوي، جرثومة الشعر والغربة ما تزال تفتك بي، والعراق في بؤبؤي اقحوانة، يومياً أتخيل طريق النمرود واطلاله، وبطولات الجند الآشوري في هذه العاصمة العسكرية لأبيهم، البطل آشور بانيبال، ويقول في مكان آخر:
انا قصيدة مشطورة بسياط البحر اعاني من موجتين متصارعتين وطني وغربتي. أنا شاعر شرس، وانا رامبوي.
وعن رأيه في القصيدة العربية الحديثة: يقول الأب يوسف سعيد انها اروع ما تكون بدل الشعر العربي المعاصر الذي نمارس طقوسه علي مذبج القصيدة الحديثة، باننا نواكب الحضارة العربية الجديدة، والقصيدة الحديثة هي الشهد الطالع من القفيرة، يندلق ليأكل منه رعاة الاغنام، وتتوقف قوة القصيدة علي اصالة الشاعر. اكتب بصمت لاني اعيش في خاصرة الغربة بعيداً عن عاطفة الشعر ومقوماته، وكل يوم اتجدد وانزف من جديد، انزف اوجاعاً إلهية واتناول حباتٍ من حندقوق الموصل، هذا ما نراه في قصيدته اوجاع الالهة / من مجموعة (طبعة ثانية للتاريخ).
فلهذه الالهة، اوجاع/ تدخل مستشفي الصمت،/وتتناول حبتين من رحيق مجفف، من زهرة حندقوق الموصل / ثم تاتي آلهة الشفاء مغسولة ثيابه بماء الزوفي/ وبكاغد يمسح شهوة من جبين الملك الضرير حاملاً أشواقه/ الي قفيرة حنانه، بالصمت وذبذبات الشعر،، / نعالج قروح الهة الجسد.
ان نصوص الاب الشاعر يوسف سعيد محتشدمة بالكهربة وبالاحساس الذي يمتص كل حركة من حواليه، خيالاته ملتهبة بلذة نادرة تدفعه لانتاج الشعر في لحظة ولادته وقيامه، وتراه غير هياب بالازمنة الماضية او تلك التي لم تأت بعد، فالشعر ميزان ضامن لامتداداته علي المسافة الكلية للوجود، يتمني ان يكتب ويستمر دون ان يعرفه احد، انه يتلذذ بهذا المجهول والصمت بعيداً عن الاضواء، ويقول: بأن شهوة اكتشاف الشعراء والمجهولين فيما بعد تظل هي الاقوي، انه مستدق الذكاء في تشخيصه لتجارب شعراء آخرين، فمثلاً يقول عن ادونيس: انه شاعر تطور اكثر من جدوده، انه شاعر يعرف كيف ينسج نصه بذكاء مذهل، وعن أُنسي الحاج: انه صاحب وجه قاسي النظرات، إذا كان ما كتبه غير مطعم بتجارب الآخرين فطوبي له، وعن مشهد عبد الوهاب البياتي: انه قروي جميل الطلعة في روائع كتاباته الشعرية الأولي، وعن مشهد يوسف الخال: يوسف الخال -رحمه الله- لم يكن شاعراً، كان انساناً عشق الشعر والشعراء حتي الثمالة، اما عن مشهد محمود درويش فيقول الأب يوسف عنه: محمود شاعر برجوازي طيب، تمنيته ان يبتعد عن التطويل والهذيان في قصائده الأخيرة، وعن بدر شاكر السياب، شعرياً الحنين التاريخي الدفين الي السياب يطغي علي ما عداه والي حدود تنسينا احيانا الضوابط النقدية، بدر اسير مسألتين، قبح صورته ومرضه، وهو لم يستطع ان يجنح خارج حسّية هاتين المسألتين، كان عليه ان يتخلي عن كثير مما كتبه. وعلي غير عادة الكتابات الادبية سأعود الي الماضي، الي بدايات الشاعر الأب يوسف سعيد الذي يقول عنها: منذ نعومة اظفاري، وأنا احس أن هناك نداءات سرية، لا نداءاً سرياً واحداً تشدني الي دواعيها وتدفعني لأن اكون صاحباً في مشاعري وافكاري كلها، تماماً مثل استاذ مسؤول عن صف عدد طلبته اكبر من عدد كراسي الغرفة وضجيجهم اوسع مما خلف شبابيكها وكواها الصغيرة وعليه ان يجيب علي اسئلة جميع هؤلاء الطلبة دفعة واحدة وبحسب ما يتمني كل واحد منهم، هذا التصادم الداخلي الذي بدا عنيفاً فيّ ولم استطع إلا أن البي نداءاته الغريبة الغامضة، فكان الشعر حالة مترعة به، كان عدة أجوبة في جواب واحد محدد، من هنا جاءت رمزيتي في البداية وكأنها تشبه الضجيج أو بالأحري تصطرع بنار هذه النداءات المتوالية. هذه الرمزية والسريالية وتجمعت مناخات تأويلاته وبالنسبة اليّ ظللت أميناً لضجيج هذا الروح داخل جسدي، ولم يعد بعد يهمني أن اضحك هذا العالم عليّ حين قال: "جيل يطلب آية ولا تعطي له إلا آيات العبثية" انا مع القصيدة المصغاة، اللقطة او الوسعنة تلك التي لا تضيء لتكشف عن سريتها وكموناتها، بل تلك التي توميء، رغم انني لم اتوصل الي اختزال طقسها حتي الان.
(
العالم دبيب شعري واتمني ان يتحول كله الي قصيدة). يستعد الشاعر الأب يوسف سعيد لاصدار مجموعة شعرية جديدة في السويد، وفي هذا العام زار الولايات المتحدة الأمريكية، ونشر نصاً شعرياً مهماً في مجلة (الجسور) يقول الأب يوسف، هذا حرض الكثير علي الالتفات اليه ومن هؤلاء الشاعر العربي الكبير محمود درويش، يسأل ويبحث عن الأب يوسف، اين هو ويطلب من احد اصدقائه هاتفه، ليتصل به، ويهنئهُ علي هذا النص الشعري العالي..
يقيناً ـ اننا بهذه الكتابة سوف نوفي بها ديناً علينا للاب الشاعر يوسف سعيد، ان مشهده الشعري لذيذ وكثير وكبير، ويحتمل قراءات عديدة.

Azzaman International Newspaper
 

مناجاة روح الأب الراحل يوسف سعيد
بقلم: ميخائيل ممو

mammoo20@hotmail.com


أيها الأب الفاضل ، ويا أيها الشاعر الراحل
بين الحين والحين كان الهام الشعر يراودك بشوق وحنين ، لتباغتني في كل وقفة تأملية بنداءاتك الهاتفية بغية أن تبعد وتدفع عنك الملل بإسترجاعك لذكريات الماضي الكركوكلية ، وصدى الشوق يدغدغ مخيلتك لتقف على المستجدات من أخبار الشاعرين سركون بولص وجان دمو.
وبعد رحيلهما كان يشدك الحنين والأنين لسرد مآثرهما وطيبتهما بلوعة وحسرة ، كونهما كانا من أعمدة من زاملوك في نشأة وتبني جماعة كركوك الأدبية. وكنتَ حقاً في كل مَرّة تنأى وتبتلع الحشرجة المُرّة لتعزف على أوتار عواطف قلبك الحان الحزن الدفين لذكريات الماضي من السنين. وها أنت اليوم ترفرف روحك وأياهم في جنات الخلد لتفاجئهم بقدومك حاملاً ذات الرسالة التي آمنتم بها جميعاَ.

أيها الأب الفاضل ، ويا أيها الشاعر الراحل
دعني هنا أخاطب روحك الطاهرة الزكية لأذكرك بأنه قبل رحيلك الأبدي بإيام قليلة تهاتفنا بالرغم من بحة الإجهاد التي انتابتك في يومها، فتحسستُ وتحسستَ أنت بأنك لا تقوى على اتمام حديثنا مثل ما كنتَ قد اعتدتَ عليه، لترجوني في هذه المَرّة بتنهيدة مُرّة وقاسية إثرَ حديث قصير شاكراً بطيبتك وصراحتك المألوفة على تأجيل الحديث لحين أن تتماثل بالشفاء العاجل. فهل كنتَ يا أبانا الفاضل على علم ودراية بأنك راحل عنا بهذه السرعة الخاطفة التي لم تمهلك طويلاً ؟! وهل كانت أصداء النواقيس التي الفتها تجلجل في أعماق ذاتك لتلبي مشيئة الرب على الإستسلام؟! يبدو أن الأمر كان كذلك ، لتكون كلماتك الأخيرة شارة وداع أبدي لا تغيب عن بالنا.

أيها الأب الفاضل ، ويا أيها الشاعر الراحل
نعم ، هكذا حكم الدهر. حكم الدهر بمشيئة الأحداث أن نلتحف ديار الغربة ، نتأسى رغماً عنا ، وفي الوقت ذاته يراودنا الحنين للماضي الأليم رغم مرارته ، ولتطأ أقدام كل واحد من عناصر حلقة الحداثة الأدبية مرافئ ومحطات متفاوتة ، حالها حال خرزات السُبْحَة المتقطعة والمتناثرة من خيطها هنا وهناك.
نعم ، وبالتالي هكذا شاء القدر ، أن تختطف يد المنون كل واحد في بقعة من أرض الإغتراب نائية عن بعضها وعلى التوالي ، بدءاً برحيل جان دمو في استراليا ، سركون بولص في امريكا ، أنور الغساني في كوستريكا ، وجليل القيسي في ارض ما بين النهرين وغيرهم... واليوم ها أنت يا أبانا الكريم تثويك ارض السويد، لتجمعكم آصرة الروح في عالم الخلود السرمدي.
نعم ، رحلت عنا لتترك لنا مآثرك وآمالك وآثارك من ابداعاتك الشعرية ولقاءاتك السمعية والمرئية لتنطبع في ذاكرتنا ولنحيي ذكراك دوماً كقديس للشعر مثلما قلت ذات مرة في لقاء اذاعي " احياناً احلم ان اكون مع الملائكة ، واحيانا أن اكون انساناً آخر". فها أنت اليوم مع اولئك الملائكة الذين تأملتهم وتمنيت ملاقاتهم. ومنذ أن شَهَرَ يراعك بتألقك في مهرجان المربد الشعري وأنت تلفظ عبارات الموت في مطلع قصيدتك التي تقول فيها:
"
ظلي يتكور فوق ضفاف الانهار
وموتي البطئ
لا يعرف اسرار مادة التحنيط
ولا جفاف المومياء "
وليس أكثر دلالة على مناجاتك للموت البطئ من تلك ايحاءات باكورة نتاجك الشعري الذي وسمته متوجاً بعنوان " الموت واللغة " متجاوزاً العقد الثالث من العمر لتعني بذلك بعد الرحيل لا نترك لأولادنا سوى اللغة.
حقاً لقد صدقت في قولك ، وقد وفيت بوعدك ، بما تركته لنا من درر المعاني كأب روحاني وشاعر رباني.
وهنا تحضرني تلك كلماتك التي صغتها من نفثات يراعتك الحزينة المُسَوّرة بالمجد يوم شاركتنا بتأبين سركون بمقولة : " وبموت سركون تدفن عبقرية انسان جاء ضيفاً ورحل له اجنحة مضيافة عبر سماوات جديدة ". لنستنتج منها حدسك الذهني بأنك مصدر عبقريته منذ تبنيك لنشأته الشعرية وتنبؤك بمستقبله الإبداعي.
يا أبانا الفاضل ، وهل لي أن انسى فضلك وتبجيلك يوم خاطبتني بتقدمة كلمتك التي قلت فيها : ( اهدي هذه الكلمة لزميلي الأديب ميخائيل ممو الذي حظي بحفل تكريمي من قبل اتحاد الأندية الآثورية في السويد ، تثمينا لجهوده في حقل الأدب والصحافة والعمل القومي وبشكل خاص في مجلة حويودو الغراء ). لتردد اسمي في كل فقرة في كلمتك بصفات متفاوتة ، اخترت منها هذا الجزء اليسير الذي تخاطبني فيه بقولك:
)ميخائيل ممو .. أكتبْ .. فالكتابة وسيفها البتار الوحيد الذي يفتح لنا أوداجها لندخل حاملين طيوباً لعذارى متكأءات على جدائل العريس القادم من جبال آثور ، حيث هناك بقايا نكهة مطعمة بالبيلسان والبخور ، وبقايا من روائح النرجس العراقي في سفوح جبال معطرة برياح ذات هلهلات رشيقة وسعيدة ، تكتب فاتحة لنفحة في خاصرة الكتابة ، وتروي قصصاً عن لوحات آثورية تفقس بهجة روعه روحها من القلم الأسيل. عد الينا حاملاً على صدرك نبراس سيف الكتابة الآشورية ، وأكتب لنا عن أشباح الروح ، تحيطها أرض الرعب المحنطة ، تجاور صحراء أرواحنا المشردة(.
أجل يا أبانا.. ها أني أوعدك ، ومثلما يُقال وعد الحر دين ، ملبياً طلبك بالكتابة التي لم اكن أحبذها أن تكون على شكل مرثية حزينة مؤلمة تعصر الألباب وتبكي الأحباب.
وها أني أعود ثانية لأحمل على صدري الوسام الذي اهديته لي بالسريانية لأدبجه على صفحات فكري بقولك:
ܕܪܰܫ ܘܰܦܪܰܫ ܐܝܕ̈ܝܟ. ܘܠܐ ܬܐܚܘܪ ܥܠ ܣܪܝ݂ܩܘܬܐ ܕܐܪܝܐ. ܘܠܐ ܚܙܘܐ ܕܢܦܩ ܐܝܟ ܟܘܟܒܐ ܘܗܘ݂ ܘܒܓܘܢܗ ܐܘܟܡܐ ܗܘܐ. ܡܫܰܚ ܙܰܠܓܗ ܒܥܰܪܦܶܠܐ ܕܛܘ݂ܪܐ. ܘܣܕܪ ܬܫܥܝ݂ܬ݂ܗ ܥܠ ܩܪܩܦܬܐ ܕܝܠܗ ܕܗܘ݂ ܡܪܐ ܕܡܪ̈ܘܬ݂ܐ. ܕܰܫܚܰܛ ܕܓ̈ܠܬ݂ܐ ܡܢ ܟܶܪܟܶܗ. ܘܠܐ ܢܳܚܬܐ ܒܚܰܕ ܡܢ ܐܫܛܪ̈ܐ ܕܟܬ݂ܝܒ̈ܬ݂ܗ.ܘܝܳܩܶܕ ܘܩܳܡܶܨ ܠܕܓܠܘܬ݂ܐ ܕܢܳܦܚܐ ܘܢܒܗܐ. ܒܟܬܒ̈ܐ ܕܒܝܬ݂ ܐܝܣܪܐܝܠ. ܗܘ ܟܪܘ݂ܟ݂ܝܐ ܕܢܫܪ̈ܐ ܕܕܳܥܪܝ݂ܢ ܠܒܝܬܐ ܕܦܳܬܰܚ ܟܘ̈ܐ ܒܫܩܝ̈ܦܬ݂ܐ ܕܛܘܪ̈ܐ. ܘܦܬܚ ܡܢ ܚܕܝܐ ܕܛܘܪ̈ܐ ܢܗܪ̈ܘܬ݂ܐ ܕܚܠܡ̈ܐ. ܝܘܣܦ ܣܥܝ݂ܕ

لم يبق لنا في نهاية مرثيتنا سوى مناجاتنا لروحك إلا أن نقول: إن رَزْأنا برحيلك الأبدي جسيم ، وما علينا إلا أن نتضرع الى الباري العليم أن يتغمد روحك الطاهرة شآبيب رحمته ويلهم ذويك الصبر والسلوان.


 

 

HOME