الشاعر آدم هومه ـ  
ܡܵܚܘܪܵܐ ܐܵܕܵܡ ܗܘܡܐ

 

 


صهيل الحروف

                                              آدم دانيال هومه. 

يعاتبني الأقحوانُ الجريحُ لأني مللتُ ظروفَ الحياةِ على شاطئ النهرِ بينَ نباحِ كلابِ البراري وبينَ عواءِ ذئابِ البوادي، وغادرتُ مهدَ الطفولةِ قسراً لأني أريدُ لأطفاليَ عشاً يقيهم شرور الضواري

وغزو الجراد

سمومَ أحاديثِ مُسلمَ والبخاري.

إذا كان إله الكون فاشلا لا يتقن فن الخلق

وديكتاتوراً لا يستشير أحدا

فمنذ البدء

وهو يندم ويستشاط غيظاً بعد كل قرار يتخذه

لتتحمل البشرية جرائر أخطائه

وملائكته لا تحفظ الصلوات عن ظهر قلب

ويتمرد بعضها على خالقه

وأنبياؤه ينزّلون الأحكام والشرائع على مزاجهم

لتتخبط الإنسانية بين الآيات المحكمات

والآيات المتشابهات

فما على الإنسان إلا أن ينتخب إلهه ديمقراطيا

ويرغمه على أن يستمد جميع صلاحياته من قبل الشعب

شريطة أن يستقيل لدى بلوغه الثامنة عشرة من عمره.

 

الله الذي رأيت وجهه لأول مرّة

وهو واقف على شاطئ الفجر يبتسم لي

وأنا أعبر برزخ الغيب إلى الوجود

لم ألتقِ به في هذا العالم قط

لا... بل التقيت بأولياء أموره

والناطقين باسمه

وهم يصومون علانية

ويفطرون في الخفاء

ويصلون على قارعة الطرقات

وفي الحدائق العامة والمنتزهات

ويخطبون من فوق المنابر عن معاناة الفقراء

مبشّرين إياهم بجنّات تجري من تحتها الأنهار

في السموات العلى

ولكنهم حين يتلقون الدعوات إلى موائد الأثرياء

لا يتحدثون إلا عن المال والبنين

زينة الحياة الدنيا.

بمدافع الحروف أدكّ مداميك السماء

وأفتح في الأرض باباً على السؤال الكبير

لتنبت للأجيال أجنحة مطرّزة بشِباك سحرية

يصطادون الآلهة الخارجة عن نواميس الطبيعة

ويكتبون للإنسانية ملحمة تكوين جديدة. 

 وطني...

أصوغ من صلصالك ثماثيل الشعر والحب والجنون

وأحط رحالي على رصيف أحزانك

أشرب نخب ذلك الهابط من الأرض إلى السماء

الذي سماه والده بكل فخر(سركون... بولص)

أول إنسان من المحيط إلى الخليج

استطاع أن يجسّد آلامك في كلمات مجنّحة

تشرئب بأعناقها من نوافذ السجون المظلمة.

 

يا وطني!...

في هذا الشرق المتخم بالأنبياء الذين يفترون على الله

ويصبغون شواربهم بدماء الملائكة

اسمك يوقظ القلب من رقدته من بين ركام الأمنيات

ويبعث الفكر من غفوته بين أطلال الذكريات.

 

أضفر جدائل البرق على إيقاع الرعد

لأضعه إكليلا على هامة الشعراء

الذين يقودون المظاهرات ضد هيمنة الأوهام السماوية

ويحطمون أصنام الأنبياء الكذبة والدجالين

الذين يشيدون بيوتاً للدعارة 

باسم الله.

 

أيها الأنتن من عشيق الخنفساء

أجل! النهر جفت مياهه

ولكنه لم يزل في مكانه لم... ولن يهاجر.

لم تزل أيام الطفولة بين ربوع قريتي السليبة

تتلألأ على جدران ذاكرتي

قريتي المطرّزة بقوس قزح ... وتغاريد الطيور

كانت أشبه بفراشة تتبرّج بمساحيق ندى الفجر

قبل أن يداهمها الهابطون من الجحيم

جلست أراقبها قبيل غروب الشمس

من خلف التلال... وأبكي

كانت محجّبة تُزف إلى عريس أشبه بقرد ملتحٍ

يشرب نخبها كأسا من بول البعير

ويتمزّز بالأبعار

وهي تبحث بعينيها الدامعتين من تحت النقاب

عن حبيبها الذي عصفت به رياح الصحراء.

 

عشتار!...

متى سيبزغ الفجر من بين نهديك؟

إننا بمسيس الحاجة إليك في هذا الظلام الدامس

لتعيدي للشمس رونقها

وللأرض عذريتها وجمالها وأناقتها

أين جلجامش الذي كان يقضي طفولته بمداعبة الأسود

وامتطاء صهوات النسور؟

أيقظي دوموزي الغافي بين ذراعي أريشكيكال

ليحلق لحية الفرات

ويمشّط شعر دجلة

ويعيد للخابور وسامته

ونضارته

وعنفوانه

وجلاله

وللملائكة ثياب عريها

وأجنحتها المكسورة.

 

مشردون على جليد الليل في جحيم الشرق

يتأجج في نظراتهم نار ودخان مدافئ الحطب القديمة

التي آنسوها في قراهم البسيطة الرافلة بالأمن والهناء.

 

رغم تحطيم كل تماثيل الآلهة

ونبش قبور الأموات الذين لا زالوا على قيد الحياة

سيطل آشور المعز والمذل من عليائه

ليمسّد جراح المعذبين والمشردين في الأرض

وسيصطاد الأشرار بشِباكه السحرية

وستلوح عشتار في الآفاق بأبهى تجلياتها

وهي تمخر عباب الأزمنة والعصور

في زورقها السماوي

تراقب أبناءها البررة وهم يؤخذون بحدّ السيف

فتومئ إلى دوموزي

أن يمزّق حجب الحوريات العاهرات الواقفات صفوفاً

بدون حياء

لاستقبال المجاهدين في سبيل الله.

 

غداً سينحدر آشور المهيمن القدّوس

ساطعاً من قرص الشمس

ليتجسّد ثانية في نينوى

ويحط رحاله في بابل

وفي غمرة نشوته الروحية

يفتح باب منجمه الإلهي أمام فقراء العالم قاطبة

ليدخل البشر أجمعين في رحاب رعايته

فيلهج لسانهم بإسمائه الخمسين

ويذكرون نعمته عليهم أبدا

حين يستأصل شأفة الأعداء

ويقطع دابرهم

ويعيد للأشياء اسمائها الأصلية

ويأمر غيمة جذلى

أن تسكب دموعها الطاهرة على الرمال المتحركة

آنذاك...

ستطير العصافير من كل الأقاليم

لتحط في ربوعنا الطافحة بأشعة الشمس

وأنسام الفجر المشعشعة بالحب والسلام

ولتحلق عاليا

وترفرف فوق زقورة أور باطمئنان وأمان.

 

قصائدي تلهج باسمك

تتفتح شقائق النعمان على شفتيك

وفوق أنقاض البيوت المدمّرة

وبين الحدائق والجنائن المستباحة

ومن سكون ذلك الصرح المقدس

ومع صمت رياح تحوم حول القرى الخاوية

يتراود لسمعي صوت خفي خافت بالكاد أسمعه

أو أنني أتخيل سماعه... قائلا:

(كانوا هنا... وقد رحّلوا).


 

                     
                         ملحمة السنونو

آدم دانيال هومه

العظماء رجال من زجاج شفّاف غير قابل للكسر.

 

سأظل حرّاً طليقا

أتنقل كالنسيم من أمل إلى أمل

ومن المحال أن أسقط في كمين اليأس.

 

 أعرف الطريق الذي أسير عليه جيدا

لذلك لا أتلفت يمينا أويسارا... أو إلى الوراء

لأنني أدرك يقيناً من أين انطلقت

وإلى أين سأمضي

 فالهدف الذي أسعى إليه واضح كعينيّ أمي المخضلتين بالدموع

وهي تروي لي مآسي شعبها عبر العصور.

 

عندما ودّعت أبي في المقبرة

سمعته يهمس لي قائلا: أنا لم أمت يا بنيّ

كلما أردت أن تراني

أنظر في المرآة فستجدني ماثلا أمامك.

 

في البدء...

وقبل اضطرام البرق في السحاب

وقبل اكتمال جنين الأرض في رحم الكون

وهو يرفرف مع الألق فوق سطوح الأمواج

يلملم حبّات الضوء المتناثرة في الآفاق

يتهجّى حروف الكواكب والمجرّات

يقاسم الله زاده النوراني

وينساب برفيف رهافته في مدار المحيطات

ويتضوع في رحاب الأبدية

ليطوي بجناحيه ضفاف الأزمنة والعصور.

 

حينما أعبر بوّابة الشمس إلى زقّورة آشور المقدّسة

أنفض ما تعلّق بقدميّ من نثارات الشهب والغيوم

وغبار النجوم

وأزيل ما التصق بذاكرتي من رذاذ الأوهام

وأضغاث الأحلام

وفحيح الأفاعي

ونعيق الغربان

وعواء الذئاب

ونقيق الضفادع

ونهيق الحمير

كي أدخل إلى هيكل الربّ متلألئاً كنجمةٍ في الظلام

وطاهراً مطهّراً كزنبق البراري. 

 

مهما حلّق السنونو في الآفاق القصيّة

وهُجّر... أو هاجر إلى البلدان والأمصار النائية

وتاه في أقاصي الأرض

وفي زحمة الاغتراب

سيعود، يوماً، إلى عشّه المخملي

وهو يلتاع شوقاً وحنينا

بينما العقبان

والحيتان

والعربان

ليس لهم أوطان 

لأن أوطانهم في بطونهم

وحيث يحطّون رحالهم

وهم يطاردون فرائسهم

ويلاحقونها حتى آخر قطرة دم.

 

لماذا تبثّ الرياحُ لواعجَها للبحارِ

تهزّ غصونَ الغيومِ

لينهمرَ الغيثُ فوق خيامِ الذين يطاردهم أفعوانُ الجحيم؟

                           

لماذا يجوع العراق وجنّة أرض الفراتين زاخرةٌ باللآلئ والماء والأقحوان؟

 

لا صديق للعصافير في بلاد الرافدين

شُرّد الكادحون من سهل نينوى الخصيب

فتهللت الأشواك والعوسج في أطراف الموصل

وأينعت أزاهير الدم في شعاب جبل سنجار.

 

لاعشب ينبت في بطاح العراق

لاشقائق تتفتّح في مروج الخابور

هبّت عاصفة الصحراء

واقتلعت زنابق الحضارات من جذورها

واستعصت على كل الأدعية والتعاويذ

أنثى مسلولة تنتهك ذكورية الوهاد والجبال

والبشر والحجر

ولا تلين عريكتها إلا للنجمة السداسية الزاهية

ومفتي الديار المقدّسة

يتلو آية الكرسي... ويستغفر الله

وينام آمناً مطمئنا في ظل محظيته الرابعة.

 

داعش الإبنة الشرعية لغزوات الرسول الأعظم

الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

 

بلاد الرافدين... الأرض العذراء المسبيّة

المكتظة برفوف الملائكة على أسوار الإيساگيلا

الزاخرة بأسرار الآلهة

وملاحم الأمجاد المشرئبة من باطن الأرض

كالأجنّة في الأرحام

ورفوف النوارس المتدلية من أفنان الغيوم

الطافحة بالنشوة والعذوبة

في الجزيرة المحاطة بأسماك القرش

والثعابين الكامنة بين حفيف الأشجار

عقد الله قرانها إلى السماء برباط مقدّس

وهاهي الآن تصرخ بألم كامرأة داهمها المخاض.

 

كلكامش يمدّ جسراُ فوق خلجان الحرائق والرياح

إلى الأصقاع المجهولة في مخيمات الله

تحت الأنوار الراشحة من مسامات الشمس المدلهمة

ليعبر النازحون من سهل نينوى... وقرى الخابور

وهم يحملون في أعناقهم أيقونات الحمائم

وأكفانهم على أكتافهم

وفي قلوبهم تذكارات وشهقات الأسرى الذين احترقوا في هشيم الكلمات

وفي مآقيهم جنازات شهدائهم الذين قضوا كمداً

على طرقات الرحيل... والإنكسار.

 

هُجّر الملائكة والقديسون من على ضفاف الخابور

نُضبت الجداول والسواقي

استحالت الجنائن يبابا

وذبلت زنابق وأقاحيالأفراح والمسرّات

وخبا أريج كلمات الغزل من شوارع العشاق

وانبرى البوم يؤذّن فوق شواهد القبور المهشّمة

وفوق قباب الكنائس المهجورة.

 

نبشوا المقابر في القرى الثكلى

وحطموا تماثيل الآلهة الكبار

ونحروا العصافير التي كانت تتبادل القبلات على شفاه الأنهار

وطمسوا معالم مراعي االغزلان على سفوح الجبال

وأصبحت كقصائد مهجورة في كثبان الرياح

وحلّت الفاجعة على بهاء التلال المبعثرة كذكريات الطفولة.

 

ما كادوا يحطون رحالهم بعد عناء المسير بين شعاب الجبال

وقد نزفت أقدامهم وقلوبهم على طرقات الشوك والعذاب

حتى داهمتهم عقارب الصحراء

فلم يجدوا من يسعفهم

ويبكي عليهم

ويرثيهم

ويواريهم الثرى سوى أنفسهم

وهم في طريقهم إلى المنافي

كانوا يحدّقون بالماء المخضّب بالدماء 

ويمرّون عطاشاً على طريق الموت

على إيقاع أنين الروح

صرير أرواحهم يتردّد في جنبات الكون

وأمامهم تلوح المدافن كشموع في سرداب الليل

والملائكة تتدلى بحبال السماء أمام أبصارهم

وهم يخرون شاخبين في أحلامهم ودمائهم

وقد أسدل ستار الأحزان على عيونهم

فتركوا حبق دموعهم على جسد الأرض

ورذاذ دمائهم على شقائق السماء

ولما حوّمت قلوبهم على النهر الكئيب

وفوق الحدائق والكروم المتوهجة خلف سياج الغبار

انهارت اللحظات الجذلى من سقف الذاكرة

وفقد الموت انبهاره ونضارته لهول المأساة.

 

(أسْلِم ... تَسْلَم)... عبارة شوهاء

يجترّها الهمج الرعاع

الأشد كفراً ونفاقا... عابدو الحجارة السوداء

على مسامع الفراشات العذراوات

والأفراخ الودعاء الذين تعمّدوا في جرنقدس أقداس السماء

وترعرعوا بظل الله

وعلى جباههم وشم الخلاص ناصعاً

كربّ المجد صاعداً إلى السماء

في غيمة السناء والبهاء.

 

أوغلوا في الرحيل

وتركوا آثار أقدامهم على الصخور

وفوق صفحات المياه

وعلقوا أمنياتهم على غصون الأشجار

وعلى مقابض الأبواب المغلقة

وقد يأتي يوم

يسدل العالم ستار النسيان

على مجازر الخراف والأنهار والأشجار والأقمار 

ويغطي غبار التاريخ ما خلفوه من روائع الصور والأحلام.

 

في أقاصي المنافي

ينزل المطرودون من الفردوس من فوق جلجلة الآلام

مستندين على عكاكيز السراب

بأنفسهم

ينزعون المسامير من أيديهم وأقدامهم

ويمشون حفاة فوق أشواك النار المقدّسة إلى محراب القيامة

فتضيء جنبات الكون بأنوار المزامير المنهمرة من السماء .

 

سأظل أروي لكل عابر سبيل إلى انقضاء الدهر

كيف مرّ غيلان الصحراء في قريتنا النائمة تحت دوحة القداسة

وهم يلوحون بآيات الظلمات

ويسبحون في خلجان النساء

فأرعبوا الغيوم والنجوم... والآلهة الأبرار

بسحناتهم الشيطانية

ولحاهم العنزية

وارتشفوا مياه الينابيع والأنهار والآبار

وقطعوا رؤوس الرجال

والتهموا أجساد النساء

وبدأت الدماء تشرشر من أفواههم في كل الطرقات

وهم ينزلقون إلى قيعان الجحيم تحت ظلال السيوف

سكارى بالخمر المشعشعة بالآيات المتشابهة

ولكن رغماً عنهم وعن سيوفهم المسلولة

سنظل نرفرف فوق أسوار التاريخ

وفوق بيارقهم المكفهرّة

لأن في أجسادنا بقايا أريج نبتة الخلود

وفي دمائنا نقاط ضوء من ألوهية أجدادنا الأولين.

 

شعبي مدمن على الجراح والآلام والنكبات.

 

منذ ألفي عام

والآشوري تحت الراية السوداء

يتنفّس من ثقب الباب.

 

الآشوري بَرَكة في الأرض

حيثما تطأ قدماه تتدفق الينابيع والأنهار

أنامله سنابل ضوء

متى لامست الصحارى تحيلها واحات غنّاء متعةً للناظرين

حدائق... كروم... وبساتين على مدّ النظر

ومتى أرغم على الهجرة منها

تعود قاعاً سبسبا مسكناً للذئاب وبنات آوى.

 

كيف لي أن أصف النور المنبثق من قدسية آشور يتلألأ في قرص الشمس؟

أو أصوّر صدى البرق المنهمر من سماوات آنو؟

كيف لي أن أرسم صورة ليليث وهي تجرجر الصحارى في لجج البحر؟

وحدهما الليل والنهار يبحثان عن مملكة الأقدار

ويذوبان في شحوب الشروق والغياب

ويبقى الثور المجنح يحرس بوابات الأرض والسماء

ويسقي جنائن االله.

 

الثور المجنّح

أسمى المخلوقات جميعا

هو فوق الخلائق كلها

إنه سيف اللهب يذود عن شجرة الحياة

ويحرس الذات الإلهيّة

إن حطموا رموزه على الأرض

سينحدر من السماء

أو سينبعث من باطن وادي الرافدين

وادي الآلهة المخضرمين.

 

على طريق الرحيل تعشوشب الذكريات على عتبات السنين

والأطفال الذين كانوا يهدهدون أحلامهم في أراجيح الياسمين

فقدوا شهواتهم للحياة بعد أن رأوا أفراحهم تتداعى بين الحرائق والأنقاض

ومرّ قطار الطفولة أمام أبصارهم كلمح البصر

ووخط الشيب نفوسهم قبل الأوان

وشعروا بالألم لأول مرّة حين وخز الشوك أقدامهم

وهم يسيرون حفاة على الطرقات المخضلة بالدموع والزفرات

وأنينهم يأخذه الصدى إلى وديان سحيقة وبعيدة

تميد الأرض تحت أقدامهم

وقد أنهكهم تلويح الطيور المهاجرة إلى مدائن الرمال

وهم يمضغون عشب البكاء على وقع صهيل نجوم المساء

ويمشون فوق السحاب

وهم يرتلون آيات الموسم والحصاد

تتشظى في رؤوسهم أحلام الملائكة

تحت شآبيب شمس الصحراء المحرقة

التي ألهبت أجساد الأحبة الذين طالتهم سيوف الجلاد.

 

من أيّ الأحقاب قدمت أيها المبوء بقاذورات عصور الديناصورات؟

من أيّ الأصقاع أتيت مدجّجاً بنتن وزناخة الجاهلية وأنبيائها الفاسقين؟

من أي أقاليم الجوع والذباب والظلام قدمت تبشّرنا بالخلاص

وأنت تمشي على الأرض بدون روح ولا إحساس ؟

أهلكت الزرع والضرع بهذيانك

وترديدك للسور الطافحة بالمشتهيات

والجنّات الزاخرة بالعاهرات

ونحن من رسم حدود الأرض والسموات

وسكب الزيت في قناديل الشموس

ونحن من جعل اليوم صباحا ومساء

وزيّن السماء بأيقونة قوس قزح

ونحن من أنبت السنابل في الحقول

ولقّح الشذى في عروق الأزهار والورود

ونحن من أنجب الله

وعمّدناه ... ودعوناه بإسمائه الخمسين

وبنينا له هيكلا به قدس الأقداس رمزاً لجلاله

وتربّى في حضن أمه الآشورية

لترضعه الرحمة والعطف والحنان

وتعلمه الأبجدية لينطق وهو في المهد صغيرا

وتمنحه القوة والجبروت والسيادة على العالمين

ليبرئ الأكمه والأبرصويحيي الموتى

وليقول لكل شيء كن فيكون

وليمحي بموته خطايا السائرين على نور تعاليمه.

 

يا ربّ

كم أنت كبير وعظيم لا تتسع لك الأكوان

وكم أنت صغير لا يراك الضالعون في التيه والضلال.
 

يعيشون في غابة من الجحيم

خالدون مخلّدون فيها

يتضورون جهلا

وأولادهم يتضورون جوعا

ولكنهم يحلمون بجناتٍ تجري من تحتها الأنهار

(وحورٌ عينٌ كَـأمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ

وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ).

 

إنه أغبى من حمار فقد أوراقه الثبوتية

يريد أن يصعد على كتفي

ليقطف عنقوداً متدليّاً من سدرة المنتهى.

،،،،،،،

adamhomeh@hotmail.com

 

 
 

من الشعر الآشوري المعاصر

(أغنية... وخبز محمّر). للشاعر عادل دنّو

ترجمة: آدم دانيال هومه.

 

من ذا الذي سيغنّي لي

لأرقص على إيقاع نغم أكادي... سبع رقصات سحريّة متتالية؟

من سيغنّي لي لأشبك يدي بيد فاتنتي المليحة الحسناء

وأذوب في العينين السومريتين المكحولتين بالكبرياء؟

من يا ترى سيشدّ أزري

لأكشف عن وجه حبيبتي المتلألئ بين الهياكل الشامخة؟

من سيعلمني السباحة في البحار المنصوبة بعضها فوق بعض

الحبلى بوهج الأصالة وأصداف الأريحية؟

من ذا الذي سيغني لي

لتتمكن يداي من التشبث بالضفائر المتلاطمة كالأمواج

والقرى النهمة للثغر القانئ

لتتأكدي أيتها السومرية التي يجري دمها في عروقي

بأن شفتيّ لن تترنّم من بعيد

في اليوبيل الذهبي لتذكار الشعراء

لأن بثّ لواعج الحب من وراء زجاج سديمي

يحزّ في نفسي... ويؤلمني

ولن يستطيع إخماد اللهيب االمتّقد على الأجنحة الذابلة

في أفق عينيك.

من ذا الذي سيغني لي

لأهرق أريج الآثار الخالدة تحت قدميك ... على الطرقات

وسأرصّع اليوم قبلاتي وذكرياتي على حزمة ضوء

تزركش جيدك المرمريّ الأخّاذ

من يا ترى سيصون تلك الآثار النفيسة

ويقوم على حراستها؟

ومن الذي سيخفيها في أثواب بالية

أو بين ثنايا الزيّ الفولكلوري الخلاّب؟

لتتوهّج في الأكؤس المترعة بالخمور المعتّقة

التي تُركت وديعة لديك منذ دهور

كأس إثر كأس ... ويحلّ السلام

في القرى السماوية وراء الغمام

والرعود تتوسل بالآلهة

ولا من سميع

ولا من مجيب

وأنا...

تفترش أمامي آلاف الآهات

وقلبي يشتهي الخبز المحمّر الآسر الجذّاب

ولكني حين رأيتك تخطرين قبيل الفجر

على بساط السندس

نسيت بأن هنالك آلهة لم تزل على قيد الحياة

لأني موقن بأن الآلهة أيضا متيّمة تسجد للحب

وللغرام

وكانت في طليعة من هبّ لاستقبالي

فتعالي أينما كنتِ أيتها المتوهّجة في الغمام

لا تخافي من جحيم العالم

ولو كان مؤجّجا بنار الغيرة والحسد

الذي التهم الأخضر واليابس

ولم يبقِ إلا على بضع جمرات خامدة

وكومة من رماد.

 

المحبّة... رايتنا الشمّاء

حيثما ننصبها ...

نرويها بأمواه السلام والألفة والإخاء

فكل جذع شجرة واحدة تنبثق عنه آلاف الأنامل

ومئات الشعراء أمثالي سيحترقون

وستضطرم القصائد في زوايا الصدور

وفي نياط القلوب

وسيحاولون عشرات المرات دفعي خلفهم

إلى الوراء

ولكنهم سيعودون يوماً ويتوسلون إليّ

وإن لم يكن في مقدور أيّ واحد منهم فك حرف واحد

لأن أشعاري منحوتة على جبينكِ الشامخ البهيج

ومنسوجة في أهداب جميع الحسناوات

ومرصّعة بالياقوت والزمرّد والمرجان

ومجبولة في كل أوردتي وشراييني

وتفوح عبقاً وشذا من مسامات جلدي.

 

من ذا الذي سيغني لي؟

وأنا

وهي

وعينيها

لم نزل نغني منذ أزمان سحيقة في القدم

ونلملم الحكايات من كل مكان وزمان

فهناك شعراء كثّر هم بمسيس الحاجة إلى كأس معتّقة

وعسل.. وخبز محمّر

وألحان منبثقة من أرواح نخطفها في غفلة من الزمن

وإذا افتقدنا الحكايات

والشعراء

والألحان

سنغزل بأيدينا

برهافة مشاعرنا

ليس قصيدة واحدة فحسب

وإنما أنهار زاخرة بالكلمات

يرد بعضها في كتب الأطفال

وبعضها غير وارد على الإطلاق

بعضها سهل الإدراك

 وبعضها الآخر عصيّ عن الفهم.

 

من ذا الذي سيغني لي

على قيثارة مقطوعة الأوتار... سواكِ؟

من سيغني لي

إذا لم تشدّي ضفائرك محل الأوتار الممزقة؟

أنا...

لم أهيّج الحزن الكامن في مقلتيك

ولم أمحو أثره

ولم أدع أهدابك تغفو على رموشي بدون ارتياع.

 

من ذا الذي سيغني لي

ويرسم على صدري تصاوير أحلامي... سواك؟

أما كنتِ تعلمين بأن كل شيء كان جلياّ قبل مجيئنا؟

أما كنتِ تعلمين بأنه لم يكن في القديم

ما يُسمى بالحبّ... أو الشهادة؟

ألم تكوني أنت وأنا من صاغ كلمة الحب

وزيّن بها قواميس العالم؟

ألم تكوني أنت وأنا من اخترع الأراجيح

وزحفت خلفنا رمال البحار؟

تعالي...

وانشدي لي أيتها الغانيات والفاتنات

وصبّي لي كؤوس الراح

وهاتِ لي رغيفاُ محمّراً ممزوجاً بالسوسن والجلّنار

ودعي شيطان شعري غافياً في مهاده.

 

إن لم تنشدوا لي

وإن لم تترنمي أنتِ لي

سيصعد الصوت المتوقّد في الآفاق

في مستهل كانون 

كالعصارة الملتهبة بأوار الاسماء

ووهج ألقاب بعض الشعراء

الذين سينشدون لي أغنية استحالت خبزاً محمّرا

ورؤيا ناصعة... تتجلى أمام أنظار الفقراء

والبؤساء.

******

سدني- استراليا

adamhomeh@hotmail.com

 


الحمار ... من العواء يفهم

                                
بقلم: آدم دانيال هومه.

قامت الدنيا ولم تقعد، وشبّت نيران النخوة والمروءة والأريحية في ضمير الإنسانية جمعاء لوفاة الطفل السوري(ايلان كردي)غرقاً قبالة سواحل تركيا.وأثار موته موجة عارمة من الغضب في الصحف والقنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي وخاصة لدى أبناء شعبنا الآشوري.ومع أننا نتعاطف، كلياً، مع محنة أبيه الثاكل (عبداله شنو) ولكننا، في الوقت ذاته، نحمّله مسؤولية القتل العمد، وعن سابق تصميم وإصرار لأنه كان بإمكانه، كونه كردياً، أن يلوذ بعائلته إلى مكان آمن كالجزيرة السورية التي تقع، حالياً، تحت سيطرة الأحزاب الكردية، أو إلى شمال العراق الذي يتفاخر الأكراد، في جميع أنحاء العالم، بأنها المنطقة الوحيدة في العالم العربيالتي يسود فيها الأمن والسلام، وتظللها راية الديمقراطية الحقّة.

إننا نتساءل، وبكل لوعة وأسى واستغراب، أين كان، يا تُرى، هذا الضمير العالمي نائماً حين اقتحممسلحو منظمة دولة العراق الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين في عصر 31 تشرين الأول 2010 كنيسة سيدة النجاة في بغداد أثناء أداء مراسيم القدّاس، واقترفوا مجزرة مروّعة بحق المصلين الآمنينحيث لقي أكثر من اثنين وخمسين شخصاً مصرعهم بما فيهم كاهنان في ريعان شبابهما، إضافة إلى الطفل اليانع(آدم) الذي كان يصيح بالقتلة السفّاحين: كفى...كفى. ولكن، كما يبدو،كان الشيطان، يومذاك، قد وضع قطنة في أذنيه.

   أين كان هذا الضمير العالمي متنزّهاً حينما غزت قوات داعش مدينة الموصل وكل قرى سهل نينوى في حزيران 2014، وهجرّت آلاف العائلات الآشورية من منازلها واستولت على جميع أملاكها وممتلكاتها، والتي لم يزل جميع أفرادها، بما فيهم الأطفال الرضّع، يفترشون العراء، وفي أحسن الأحواليفترشون أرض المخيمات إلى يومنا هذا؟. وأين كان هذا الضمير المثقوب سارحاً في 23 شباط 2015 حين شُرّد جميع السكان الآشوريين من خمسة وثلاثين قرية على ضفاف نهر الخابور في الجزيرة السورية، وسيق أكثر من مائتين وعشرين بين نساء وشيوخ وأطفال أسرى لدى تنظيم داعش الإرهابي، والذين لا زال قسم منهم مجهول المصير حتى يومنا هذا؟.

   إننا نتساءل، وذكرى المذابح الآشورية المرعبة لازالت ماثلة في أذهاننا وتنزّ ألماً حارقاً في قلوبنا، أين كان هذا الضمير العالمي والإسلامي منه بوجه خاص غافياً حينما اقترف أجداد هذا الطفل الكردي المنكود المذابح المروّعة بحق الآشوريين المسالمين الأبرياء أيام المجرم بدرخان والأمراء الأكراد الآخرين ما بين عامي 1843-1846 والتي راح ضحيتها أكثر من عشرين ألف آشوري، ناهيك عن التمثيل بجثث القتلى واغتصاب النساء وسبي الآلاف من الأطفال والصبايا الذين ضاع لهم كل أثر حتى يومنا هذا؟

أين كان هذا الضمير العالمي والإسلامي بوجه عام، يقضي إجازته حينما أعلنت تركيا الجهاد المقدّس ضد جميع مسيحيي الامبراطورية العثمانية عام 1915، وعلى وجه الخصوص الأرمن والآشوريين وراح ضحيتها أكثر من مليون ونصف أرمني، وأكثر من سبعمائة وخمسين ألف آشوري على يد القوات التركية النظامية، والعشائر الكردية الهمجيّة؟

   أين كان الضمير العالمي عامة، والعربي والإسلامي خاصة متقيّلا في أرجوحته الناعمة حينما اقترفت قوات الجيش العراقي بقيادة المجرم الكردي بكر صدقي مذبحة (سيميل) التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف آشوري حيث مثّل الجنود العراقيون بجثث رجال الدين، وأحرقوا النساء أحياء، واغتصبوا الفتيات العذارى، وبقروا بطون الحوامل، وكانوا يلقون بالأطفال في الهواء ويتلقفونهم على رؤوس الحراب على مرأى ومسمع العالم أجمعجمعأجمع؟.

      إننا نتعاطف، كلياً، مع مأساة السوريين، ونتألم لمصابهم ومعاناتهم، ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل باندهاش أين النخوة العربية والمروءة الإسلامية من المحنة السورية؟ ولماذا سُدّت جميع أبواب الدول العربية والإسلامية في وجوههم، وفتحت أمامهم أبواب الدول الصليبية الكافرة؟ وماذا بقي من القول الذي يجترّه العرب والمسلمون في كل بقاع الأرض:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)؟

   ألايحق لنا أن نتساءل بقلق شديد من المستقبل الأوربي المشوب بالرعب حين نرى هؤلاء اللأجئين يرفسون بأقدامهم قناني الماء وعلب الطعام والحليب الذي تقدّمه لهم هذه الدول، ويشتمون ويتهجون على رجال الأمن في أول خطوة لهم على أراضيها؟.

   ألا يحق لنا أن تتساءل بارتياب شديد لماذا يحمّل شيوخ الإسلام ومعظم كتّابهم ومثقفيهم أوروبا وأمريكا مسؤولية الصراع المذهبي داخل العالم الإسلامي في حين نرى أن منظمة المؤتمر الإسلامي والدول الإسلامية قاطبة وفي طليعتها إيران وتركيا والسعودية وقطر والإمارت هي التي تدعم الإرهاب في كل دول العالم؟

أتمنى لو تحقّق التبادل بين السكان بحيث ينتقل جميع المسلمين إلى الدول الأورية وأمريكا وكندا واستراليا وينتقل الأوربيون والأمريكان والكنديون والاستراليون إلى الدول العربية والإسلامية وننتظر ما ستؤول إليه النتيجة بعد عشر سنوات فقط.

   نقولها بالفم الملآن، وعلى مسمع العالم قاطبة بأنه ليس هناك لاجئون حقيقيون من كل الدول العربية والإسلامية غير المسيحيين وباقي اتباع الديانات كالإيزيديين والصابئة واليهود وباقي أتباع الديانات الأخرى غير الإسلامية عامة والآشوريين منهم بوجه خاص. أما هؤلاء الذين نراهم يتدفقون، الآن، على الدول الغربية من سورية فغالبيتهم العظمى إن لم نقل كلهم من المسلمين السنّة، وهم ليسوا ضد النظام السوري لأنه نظام دكتاتوري على الإطلاق وإنما لأنه نظام علوي شيعي لا أكثر ولا أقل. ومعظم هؤلاء اللاجئين إلى هذه الدول التي يعتبرونها كافرة إن لم نقل كلهم رؤوسهم محشوّة بآيات القتل والنكاح وأقوال وفتاوى شيوخهم التي تؤكد (أن نساء الكفّار وأموالهم حلال عليكم)،وخير دليل على ذلك أننا نراهم ونسمعهم فور وصولهم إلىهذه البلدان الكافرة، يحمدون ربهم على نعمة الإسلام، ويصلون على نبيّهم الذي أرسلهالله رحمة للعالمين.

   عندما نطالع سِيَر حيوات بعض الأنبياء نجد بأن بعضهم كانوا أشباه مجانين، والبعض الآخر مصابون بالصرع، وقد يكون الرئيس الليبي المخوزق معمر القذافي أحد هؤلاء الأنبياء حينما صرّح علانية: (بأننا، نحن المسمين، سنغزو أوربا.ولكن هذه المرّة ليس بالحرب والسيوف وإنما بتكثيف الهجرة إلى بلدانهم). والحمار... من العواء يفهم.

 


وحوش الجحيم

                                                              آدم دانيال هومه
 

ينهض من بين ركام ذاته معفّرا بغبار البروق

متطهرا من أدران أحزانه

يتقيّل في سرير الشفق

تظلله هالة من ألق الملكوت

وتحت قدميه سندس الغيم

منصهرا في بوتقة أحلامه الزمرّديّة

ينهل من النبع الإلهي المتدفق من أعماق روحه الساطعة

ويسير إلى جوار كلكامشالمدجّج بالألوهة

في رحلته الأزلية لسبر أغوار الموت بين نهدي عشتار

قبيل بزوغ الفجر

يتهجى زقزقات العصافيرترتعش تحت زخات غيمة وردية

وعند حلول المساء

ترفرف أطيار البهجة على أغصان قلبه  

وينظر إلى صورته تتلألأ على جدار الغيوم

مضمخة بنثار النجوم

ترتعش بين يديه نجمة الصبح

كارتعاش نهد كاعب بين مخالب نبي ينزّ الشبق من مسامات روحه

يركل بقدميهالأزمان والعصور

مثل حصان مجنّح يمتطي صهوة الريح إلى آفاق الغيب

والرمال تحت قدميه تسبّح في أعماق البحر

يستند إلى أريكة القيامة

ويرفل في نومه القدسي

ملبيا نداء ربه قبل فوات الأوان.

 

عشتار البتول المقدسة

العارفة بسرائر وأسرار الآلهة

مليكة السماء التي وهبها أنكي المبجّلالكهانة المقدسة

وتاج الألوهية

والصولجانالعجائبي المبارك

بعد أن تستحم بحليب اليمام

تعرض مفاتنها المتوهجة للشمس

لتكتسب الشمس لونها الأزلي الخلاّب

تغسل جدائلها بعطر الريحان النابت على ضفاف الزاب

تسير حافية القدمين على تراب أرض الفراتين

لتطهّره من رجس الأنبياء والمشعوذين

وتتجلى بالأبهة والكمال والإجلال

تتبارك بسرتها الحمائم وأيائل الجبال

ترمي قلادتها الفيروزية على سرير الأرض

وتمتطي زورق السماء وتمخر بين أسراب النجوم

لتخلد إلى ملكوتها السماوي

وتتألق في الآفاق نجمة الصباح

وتغدق على الكون بهاءها

فيلهج بمدحها أبناء سومر وبابل وآشور

وتهبّ في إثرها عاصفة من رحيق المطر

فتتفتق أكمام الربيع من بين سبات اليباس والجماد

ويتعالى تغريد الطيور لدى انبلاج الفجر

وتزدهر الحقول والمراعي

وتينع السنابل جذلى

وتتكلل الأشجار بالثمار الشهيّة.


وطني أيقونة كل الحضارات

يسّاقط المجد على قدميه ندى

الفرات يمد شرايينه في أعماق الأرض

يهدي الشعراء إلى ينابيع الغيم

ودجلة الرقراق دنان من الخمر

يمنح االأطفال النشوة والفرح

فيتسابقون إلى مراعي الحروف

وينتشون بأريج الشعر والبيان

يسرجون جياد الرياح

يحلقون على متنها إلى الآفاق اللامرئية

ليسبروا أغوار الغيب.

 

وطني...

منتزه الآلهة وملتقى العشاق والشعراء

واحة الجمال والجلال والبهاء

تقيّأ الجحيم وحوشه الضارية

فشمّروا عن أنيابهم

وبدأوا بتقطيع أوصاله وازدرادوا خيراته

شوّهوا معالمه الحضارية النضرة

واستباحوا مواطن الذكريات المزدانة بالقرنفل والجلّنار

نحروا رفوف الأفراح من عيون الآباء

أذبلوا زنابق البسمات على شفاه الأمهات

ووأدوا أحلام الأطفال وهم ينتظرون هدايا أعياد الميلاد

كفراشات تسطع أرواحها على ثغرالأقحوان قبيل بزوغ الفجر

وساقوا النساء سبايا إلى سوق النخاسة تحت أسوار نينوى

وحاولوا ترويض الشمس لتصبح محظية الخليفة المعتوه

وزينوا العذارى لتساق جواري إلى مخادع جند الله

يشرئب الجنون من عيون الحالمين بالصعود إلى السماء

على سلالم الأوهام

يبحرون في السراب إلى العالم الآخر

تفوح روائح الدم اليانع من زغاريد مجاهدات النكاح الحالمات بفحل

يرفعهن على رأس قضيبه إلى جنان الخلد.

 

قشعريرة تسري في مخيلتي

وأنا أسمع نشيج وطني في عروقي

كدبيب الأزمنة والعصور تحت ظلال زقّورة أور

وأنا أتأمل تلك الأطلال الحافلة بالشموخ والكبرياء

أتذكر جبروت الجيش الآشوري وهو يتأهب لخوض الحرب

وصخور الجبال تئن تحت وطأة أقدامه

فأذرف دمعة على قبر نبوخذ نصّر

وأسلم زمامي إلى طائر الريح.
 

قلبي طاعن في الحزن

وروحي مثقلة بالألم

وأنا أرى وطني الزاخر بالسنابل والأغنيات

تطئه أقدام كلاب الصحراء

وتطفئ في جنباته همسات النخيل

وتحطم قيثارة سومر

وتدنّس معبد الإيساكيلا المبجّل

وشيوخ القبائل منهمكون بتقديم التعازي للموتى الذين لا زالوا على قيد الحياة.
 

يا وطني!...

حين أراك تحتضر في سرير اليأس

تتفتق أكمام براعم الذكريات على أغصان مخيلتي المتكسّرة

وحين أراك مضرّجا بالويلات

وقد حولتك غزوات رسل ابن تيميةإلى بيدر من رماد

أترك وشم خلودي على جسد الأرض

أحمل مناديل الدمع

وأمعن في الشتات... على أمل

أن يصل كلكامش المخلّص قبل فوات الأوان

كما في كل حين

ليمتشق البرق ويتدرع بجلد السماء

ويبيد كل الوحوش الضارة

يعيد عشتار المسبية إلى زهوها

ويعيد بلاد الرافدين إلى مجدها

لتنعم البلابل والزهور والرياح والأنهار بالحرية والأمان.        

 

وطني جنة الفقراء والخالدين

حولته وحوش الجحيم إلى مقبرة

ولكن عشتار المقدسة الآمنة والأمينة

لازال العنقود يستحيل في يدها خمرا

ولازلت أسمع وقع خطوات أنفاسها على عتبة روحي

وأفهم كل ومضة ضوء في عينيها بلا ترجمان.

*****

adamhomeh@hotmail.com

سدني - استراليا


اللبوة الجريحة

  مهداة إلى الصوت الصارخ في البرية فيان دخيل النائب عن المكوّن الإيزيدي في البرلمان العراقي

                                   آدم دانيال هومه

 

يا امرأة من وهج النار المقدّسة

ورحيق الأقحوان

يا سليلة عشتار المبجّلة

من يكتب عنك

لابد أن تتملكه نوبة من البكاء والكبرياء

تجليت كاللبوة الجريحة

تزأرين تحت قبة البرلمان

تحاولين إثارة نخوة المخنثين وأشباه الرجال

فلا تُثار

استحالت حبيبات الدمع في عينيك سرب حمام

وشلال نجوم تحفّ به مروج الغمام

بوركتِ من بين نساء الأرض جميعا

وبوركت الأم التي أرضعتكِ

والأب الذي ربّاك ورعاك

وبوركت الأرض التي احتضنت خطواتك

أنت تمثلين الطاووس بكل عنفوانه وجماله وجلاله

ستظلين مفخرة كل العراقيين على مر العصور

غدا سيقام لك تمثال من نور

فوق أعلى قمة جبل سنجار

وتحت قدميك أوكار النسور.

 

يا شميرام القرن الواحد والعشرين

ولدتِ امرأة

ولكن موقفك فاق مواقف أشجع الرجال

فتبا لجميع الجبناء الرعاديد

الذين كانوا ينظرون مأساة شعبك في عينيك

ويسمعون صرخاته في نشيجك

وأنت تنهارين إلى السماء

وهم يغوصون في أعماق الأرض.

 

يا امرأة قدّت من الصوّان

حين تعرض شعبك للذبح والتنكيل

بدأت تقدحين شررا في كل الاتجاهات

فتعسا لممثلي القوميات الأخرى

الذين طمروا رؤوسهم في رمال الخزي والعار

وانكشفت عوراتهم أمام أنظار العالم

ليتهم يكحّلون أجفانهم بالغبار المتنائر من تحت قدميك

ليروا قامتك الشمّاء تطاول عنان السماء.

 

يا عروس لالش

أما زلت تثقين بيهوذا الذي أسلم أبناء شعبك للصلب

وولى الأدبار تحت جنح الظلام

مكتفيا بذر الملح على جراحهم

وفاسحا المجال أمام الوحوش الضارية

لتعبث بأرواحهم

وتستبيح سرائرهم

وتعربد في قراهم وبيوتهم

وتنتهك حرمات مقدساتهم

وتنهش لحوم نسائهم

وتتوضأ بدمائهن الطاهرة

وتركهم ينزفون على الطرقات بين شعاب الجبال

مشردين يحملون قبورهم فوق أكتافهم

ويستجيرون بالموت من طعنات الإخوة في ظهورهم

وقد انقسمت الأرض تحت أقدامهم إلى نصفين

بينهما هاوية من سجيل.

فكلما أزهرت في عيونهم الآمال

تقطف يد الشر أحلامهم

وكلما تقيأ ملتح أخرق فتواه

امتشق الرعاع سيوف أحقادهم

ليبدأوا طقوس الجاهلية الثانية.

فكيف ياترى ستعيش وتستقر الحملان الوديعة

بين الذئاب المفترسة

وكيف سيبني اليمام أعشاشه

بين مخالب الصقور الكاسرة؟

 

بشراك أختاه

لا بد سيولد من رحم أرض الفراتين نسر

عصيا على الموت

يهز عروش الطغاة

ويجتث تعاليم الأنبياء الكذبة

ويتغوط على مقابرهم

وينشر أجنحته البيضاء على السهول والجبال

ليتربع على عرشه الأبدي

في بهاء ممالك الأرض

وعلى هامته تاج الألوهية.

 

هل تعلمي

بان الآشوري والإيزيدي كانا ولازالا

فرعين من جذع شجرة واحدة مباركة

أزلية سرمدية

وكلما هبت عليهما رياح سموم الصحراء

التحما في عناق طويل... وجليل.

*****

adamhomeh@hotmail.com

 

سدني - استراليا


 

الهاربون من الصلب

                        آدم دانيال هومه

 

كانوا حراسا للشمس وذخائر القديسين

تركوا أحلامهم  قرابين للآلهة فوق المحاريب المتصدعة

وحثّوا السير مثقلين بالويلات

لايلوون على شيء

تنهمر عليهم الأحزان من السماء

وتنفجر الأرض من تحت أقدامهم ملائكة الموت

وأبالسة الرعب

عاجزين عن وصف آلامهم في خضم صهيل الذاكرة

يدفنون موتاهم على عجل في المغاور وشقوق الصخور

ميمّمين وجوههم شطر قمم الجبال الشاهقة

نلك الجبال المخضّبة بدماء آبائهم

تلاحقهم ذئاب الصحارى

وزوابع الغبار

تذبل عيونهم في مرايا النعاس والضنى

تتواطأ دموعهم مع لآلئ النجوم وفوهات البنادق

من أمامهم بوّابة مشرّعة للمنافي

ومن خلفهم باب مفتوح على المقابر

صلواتهم يضيع صداها بين هدير المدافع

وعويل النساء والأطفال

ولا تلامس مسامع السماء

وأنوار أرواح الأجداد تنير دروبهم إلى الجلجلة

على أمل أن يستنشقوا من فوق ذراها روائح الأبدية

ويطلوا على موانئ الخلاص

وهم موقنون

بأنه ليس ثمة شيء في هذا العالم أغلى من الحياة

وأشهى من نسمات الحرية.

وفيما كانوا يبتهلون إلى الله كي يبعد عنهم تلك الكأس

كانت الملائكة تطل من شرفات السموات العلى

تسترقّ السمع إلى خطوات الفارّين من الصلب

على بوّابات الجحيم

تلوّح مودّعة الأنبياء المثخنين بالجراح

وتكتفي بكتابة قصائد رثاء بمداد الدم على قراطيس الغيم

تختلط دموعها مع انهمار رذاذ الشمس على صفحات  مياه الأغوار

فتتكدّس جميع طيور السماء على قباب الكنائس

وتغفو على وسائد أحلامها

فرارا من قسوة الأرض التي ترغو بالدماء

في ملكوت الرحمن الرحيم.

 

الخليفة الأهوج

القادم على بعير أعرج من قلب الصحراء

حط رحاله، غير المرغوب فيه، في نينوى

عروس التاريخ

ومليكة الحضارات

أزكمته روائح الأزاهير والورود والرياحين

فأصدر فرمانا بإزالة كل الحدائق والرياض

واجتثات جذور النخيل

فقد اعتاد على استنشاق رحيق البعرات

وأوعز بتجفيف نهري دجلة والفرات

لأنه لايستسيغ إلا بول البعير

وأمر بتحطيم الصلبان من قباب الكنائس

ونصب مكانها خوازيق السماء.

 

رجال ملثمون

في سواد قاتم يرفلون

كأنهم من الجحيم قادمون

أو من كهوف الجاهلية يبعثون

رايات (الله أكبر) يرفعون

وهل إلههم هذا أكبر من الناقة أو من البزّون؟

هم أنفسهم لايعلمون

من كل فج آتون

كالجراد الجائع يهجمون

الأرزاق والأموال والأرض يسلبون

والدماء الذكية يستحلون

الرجال ينحرون

الأطفال الأبرياء والنساء يروّعون

والعذارى يسبون ويغتصبون

وأصحاب الأرض الأصليين يهجّرون

بعضهم يزعقون

والآخرون كالببغاوات يردّدون

الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر على الظالمين.

 

أهذا هو الطاعون؟

أجل هذا هو الطاعون

في القرن الواحد والعشرين

وهل في العالم أدهى من هذا الطاعون؟

 

نونْ...

وما أدراك ما النون

يا كلبَ الباديةِ المختونْ

يا أقبحَ من مسخٍ مأبون

و أقذرَ من خنزيرٍ مفتون

أبوكَ ديّوثٌ من الشيشان

وأمك مجاهدةُ نكاحٍ من باكستان

وخالتك ضرّةٌ من أفغانستان

وعمّك هجينٌ من طاجكستان

وخالك لوطي من السودان

نبيّك رسولُ الشيطان

وإلهك خيّاطُ النسوان

في ماخورٍ تدعوه جنّةَ الرحمن

يرتّقُ بكارةَ عاهراتِ السماءِ... الْحُورِ الْعِين

بعد كل نكاح ميمون

ويجود بغلمان كاللؤلؤ المكنون

على المجاهدين الميامين

الذين يمارسونَ القتلَ والذبحَ بالسيفِ المسنون

باسمِ إلههم الدمويّ الملعون

الذي يأمرُ في كتابه المأفون

بسفكِ دماءِ الأبرياء المساكين

المسالمين الآمنين

الذين سلاحهم الوحيد هو غصنُ الزيتون.

 

*****

 

ܐܵܬ݂ܘܿܪܵܝܵܐ ܝ݇ܘ݇ܢ
ܡܫܘܼܚܬܐܵ ܒܝܲܕ ܡܵܚܘܿܪܵܐ ܐܵܕܵܡ ܕܵܢܝܼܐܸܝܠ ܗܘܼܡܸܐ: ܣܝܼܕܢܝܼ ، ܐܘܿܣܬܪܵܠܝܼܵܐ
 (PDF-file)


 

اِةولأرِيِأ يْوْن

اِدِم دِنتاًيل ىولآمًأ: ستدنت, اولأسةرِلتِأ

 

اِةولأرِيِأ يْوْن بكل اتقِرِا, بكل شولآثىِرِا ورًشِأ رِمِأ
بَريِأ توَن اِةولأرِيِأ, وبَد مٍيةَن حلِف[1] اِىِأ شَمِأ
اِىِأ شَمِأ اٍلِىِيِأ, مشٍبحَنًى بلَليِأ واتمِمِأ
مزتغِأ[2] اتلًى بدَمت وكيِنت, متؤًّى يوَن عٍم حٍلثِأ ديَمِأ
ىولآيمِنِأ
[3] مسِفَنًى لبنولأنُّت, دنِطرت لًى ليِومِأ دنولآحِمِأ
كل طولآفةِأ ددَمِأ بشَريِنت,
[4] مٍقوولآحًأ يلِآ بقِلِإ رِمِأ
اِةولأرِيِأ يْوْن اِةولأرِيِأ, / شولآرِيِأ وىٍل شولآلِمِأ
شَذشت[5] مةتحًأ بعولآمقِأ دعولآمقُأ, داٍةرِا دبًية نٍىذتن قٍيِمِأ[6]
وفَذعت
[7] عٍل طولآذِنًأ داِشولأر, بٍلبولآؤًّأ ماٍيخ زَّلهُأ [8] ديِومِأ
نتنوًأ اتلِآ قدولأش قولأدشُأ,
[9] دكل اِةولأرِيِأ حًارِا ومطٍىمِأ[10]
وبِبًل ةٍرعِأ دمِريِأ فةتحِأ, لهٍنِةُأ دشولآثحِأ ورولآمرِمِأ
يٍةتر / ةرًين اٍلفُأ شَنُأ, مولآعبَرت لت بؤلولأةِأ وؤءومِأ
ومِنت دمِحًأ لولآخ ليٍمتنولآخ, مٍدعَر فِةولآخ ىوت ةٍمتمِأ[11]
شثتق لت لسٍيفِأ وشقتل لت ؤلتثِأ, اِةِأ دحولآبِأ وشٍينِأ وشلِمِأ
شثتق لت شولآثحِأ اٍرعِنِيِأ, مَطل شولآثحِأ دلٍية لًى ةيِمِأ
شثتق لت كلحٍد ىَدرِا[12] سرتقِأ, ومولآكرَز لت بٍطنِِِنِأ وؤرِمِأ[13]
مٍحزولآيًأ شثتلِإ دفولآرقِنِأ, بشَمِأ دتشولأع نولآىرِا دعِلمِأ
اتنِأ فلِطِأ داِىْاْ حولآفِطِأ,[14] ىْوًأ لًى فولآنِيِأ دحٍدْ عٍمِأ
ىوًا لت ماٍيخ اَمرِا
[15]ةٍمتمِأ, بٍينٍي نَشبُأ[16] ددًاثِأ معٍرمِأ[17]
حسَرت لاٍةرت واِف لاتةولآةت, فَشلت هِو عِلمِأ يِةولأمِأ
فَشلت نولآخرِيِأ هِو بٍيةت, ةحولأة ذٍحمًأ دبتشِأ طِلولأمِأ
فَشلت هًثِيِأ هِو دولآنيًًأ, بَطعِيِأ بِةْر طولآثحِأ دلٍحمِأ
ةِوةِثِأ / اٍةرِا لاٍةرِا, دٍعبٍر هنتزءأ[18] وقِاًم كولآمِأ
اتنِأ اتة لت سٍثرِا همترِا
,
[19] دكل لَليِأ اتة لًى حولآةِمِأ
اتنِأ اتة لت سٍثرِا ةٍقنِأ
,
[20] بىِو اٍلِىِأ اِشولأر برِومِأ
بَد دِعًر كل اِةولأرِيِأ, بكل اتقِرِا ورًشِأ رِمِأ
بَد دِعرت بنولأنُأ طٍنِنُأ, ومٍةثت لِآ شٍةاَسةِأ دحَلمِأ
بَد دِعرت يولآبِلٌإ[21] حٍدةُأ, ومٍرمت لِآ اِةِأ دقولآيِمِأ
ومدٍخت لًى اٍةرِا قٍدتشِأ, / كل مولآمِيِأ
[22] وكل مولآمِأ[23]
دِعرت دبِنت لاٍةرِا هثتحِأ,[24] وحِيت بحًارولآةِأ وبولآسِمِأ
دِعرت دحِيت بشٍينِأ وشلِمِأ, عٍم كل بٍرنِشِأ وكل عٍمِأ.

 


 

[1]      نَدرِا,    فداء عن،    redemption,  sacrifice .

[2]      حثتطِأ,   ممتزج،   mixed. mingled 

[3]     ىٍيمٍنةِأ, ةٍسفتةِأ,   أمانة،   وديعة، trust, consignment  .

[4]      وٍرتدِا,   الشريان،  artery .

[5]     عَقذت,  وٍذتدت,    جذوري،     my roots.

[6]     مةولأمِيِأ خالد، أزلي، immortal,  eternal .

[7]     فٍعوِنتُّ,    افرعي،   my branches .

[8]     زٍّىرتذًا,   الأشعة،   rays, beams .

[9]     بًية قولآدشِأ,    قدس الأقداس،   sanctum sanctorum.

[10]    يٍقترِا,   أصيل،   شريف، genuine, true    

[11]    مٍكتخِأ,   فشتطِأ,   وديع،   لطيف،   humble,   gentle.

[12]    شولآثحِأ, اتقِرِا,  المجد،  glory. honor .

[13]    بٍحفتطولآةِأ وٍلثتثولآةِأ,   بحمية،   وجرأة،   with enthusiasm and boldness.

[14]     يٍؤتفولآةِأ, كٍشترولآةِأ,   اهتمام،  عناية،   نشاط ،    .consideration,  activity   

[15]    فِرِا,  بٍرحِأ,    خروف،   lamb .

[16]    طَفرِا,  نَثرِا,    مخلب،   برثن،  claw,   talon .

[17]    بٍعرترِيِأ,  سوِدِاتة كًوت,    شرس،  همجي،  fierce, savage, .

[18]    طَشيِأ,  لِإ تدتعِأ,   مجهول،  unknown .

[19]    مشٍملِيِأ, مٍليِأ,   كامل،  تام،  entire, complete .

[20]    حٍةتةِأ, رستخِأ,    ثابت،  وطيد،   firm. solid .

[21]    شٍذبِةًأ, ةِولٌّدِةُأ,   أجيال، أنسال،  generations .

[22]     عِوِلِإ, رٍشتعِأ,   أثيم،  زنيم،  evil,  wicked.

[23]     رولآشعِأ, بتشةِأ,   إثم،   وصمة عار،   sin,  stigma .

[24]     ةلتحِأ,     مهدوم،   wrecked,   pulled down.

العرّافة والشاعر

                                 آدم دانيال هومه

 

قالت لي العرّافة الخرساء

قد شارفت أسطورة المنفى على النهاية

وآن لهذا الشاعر المدجّج بالأحلام، المثخن بالعبق

أن ينفض عن عينيه المغرورقتين بالألق رذاذ النعاس

وأن يتماهى مع شفيف الشفق

يمتطي صهوة البرق إلى عوالم ليس لها بدء ولا انتهاء

ويجلس بكل كبرياء

إلى مائدة الآلهة الكبار

يتمجّد باحتساء رحيق الخلود من كؤوسهم

ويوشَم بالضوء

ليصير شعاعا يخترق جدران الأكوان

ويتأله في رحاب الأبدية

يتكئ على وسادة السندس في أرجوحة معلقة بسقف السماء

على صدى خرير ذكريات الطفولة

وعنين نواعير ملاعب الصبا

تتأرجح النجوم على ضفافه

وتطوف حوله أشرعة المعذبين في الأرض

يناشده البحارة التائهون

يرصّعون أيقونته بالابتهالات

وفي أوج سطوعه

يتحول إلى ذخائر تتقدس بها الأجيال

تضيء في محرابه قصائد البكاء.

****

منذ البدء

وهو يستشرف الغيب

ويرفرف مع الأسماك على وجه الغمر

يلتقط حبّات الضوء المتناثرة من فقاعات الماء

يقاسم الله زاده النوراني

وينساب برفيف رهافته في مدارات الخلود

يطوي بجناحيه ضفاف الأزمنة والعصور

تتطاير من بين أنامله أسراب العنادل الوالهة

وهي تغزل الوجود ألحانا شجية

ويداعب عرائس الينابيع المتدفقة في مروج الآلهة

يلملم لآلئ الكلمات المشعّة من خلجان الأخيلة الجامحة

ينثرها في أحضان الأطفال

لتضيء لهم الدروب المظلمة

إلى منتزهات الإنسانية العابقة بألحان الشمس والمطر

في منأى عن خزعبلات الرسل والأنبياء التي تتناسل أحقادا ودماء

ينطلق من رنين سواقي الدهشة السادرة بين مروج الوحي

يتوغل في سراديب الأبجدية

بحثا عن الكلمات المجنّحة

التي تفوح منها روائح الشعر

ونرجس الألوهية

يهيل على جثث المومياءات غبار الطلع

لتتفتق أذهان الأموات على سطوع الملكوت

يلاحق فراشات الرؤيا نحو مناجم النار

حيث يثمر الثلج فوق أشجار الغابات نجوما

تهدي التائهين على دروب اليأس

وتغوي الطيور المهاجرة للعودة إلى أعشاشها التليدة

يعزف ومضات أناشيده على قيثارة روحه الجذلى

ينفض ذاكرته من طحالب الأمنيات تتشظى في دمه

يحمل نعشه ويحلق في صليل الآفاق

تاركا آثار أقدامه المضيئة على الصخور

وعلى صفحات المياه

يعبق رذاذ إلهامه على شفاه الأطفال

في أزقة وحارات القرى المنكوبة 

ليتحول إلى صفصافة في مرايا الربيع

برموشه المخضلة بالحبر الإلهي المقدس

ينحت على صخور الشواطئ المهجورة

قصائد لايفقهها إلا الضالعون في الآلام

يتوهج في ذاكرة الموانئ القصيّة

يغوص في الرمال المتحركة بحثا عن زنابق الماء

يعلم الأجيال التحليق في العلى

ويأخذ بيدهم إلى بيادر المستقبل

مفعمين بعطر تراب الوطن

تزقزق طيور الوحي على أغصان ذاكرته

فيهيم على وجهه في القفار

ويعود محمّلا بسلال من الياسمين

ينثرها في الهواء الطلق

ويركن في زاوية ذاته منتشيا كطفل اصطاد فراشة في الحلم.

 

تفوح كلماته مثل زهرة الكاردينيا

وتتدفق شلالا من العطر في مخادع العاشقين

كظبية شاردة في براري الخيال

يرتدي حلة الريح

يطارد الأموات الذين يقلقون راحة االأحياء في قبورهم

وينطلق من دهاليز أحزانه

يصبح قاب شعاعين من سجّادة الشمس

ليروي ظمأ الفيافي

ويضفي على الرمال بريقا يجعلها فاكهة كل الخلائق

يقف على عتبة بوابة الفجر

ليعزف على نايه الحزين ألحان المراعي

على إيقاع رقصةِ غجريةٍ

تستفز الشياطين وتستثير الملائكة

وعندما تكشف عن مفاتنها

تتدفق الأنوار من ثناياها

كالأمواج المتلاطمة على شطآن السحاب

لترتسم ملامحها في الآفاق

كعقد عشتار اللازوردي المتجمّد في عنان السماء.

 

عندما يجسّ نهود الجذور

ترتعش الأشجار

وتحبل الأغصان

فيصعد سلالم النور إلى شرفة يخفق فيها قلب الله

وينزف الحمام الزاجل هديله السحري على غصون الريح

فيردد الصدى

المجد للطيور التي تتزاوج في مهب الرياح

وتبني أعشاشها في سقوف الغيوم.

*****

 عصفورة النار

                              آدم دانيال هومه

 

ياسوسنة الأرض... ويا جلنار السماء  

ياعصفورة النار!...

حين لامست أناملي اختلاجات شعرك

زمجرت الرعود والبروق في دمي

تألقتِ كزهرة في غلالة الندى

وفاحت من أردانك رائحة خبز التنّور

وعبير الذكريات

ولما شممت رحيق قرنفل نهديك

نُزّلت عليّ الآيات البيّنات

وعندما ذقت ذوب الرمان من شفتيك

أدركت كيف... ولماذا تسكر الملائكة

ولكن حين انهمرت أنفاسك رذاذ نار على صقيع روحي

زلزلت الأرض زلزالها

فقدت ذاكرتي وتوازني

تناثرث أشلائي اللامرئية على جدران النجوم

وصرت أهيم على وجهي في غابات الغيوم

في مروج وجنائن لم تخطر على بال السحرة والمنجمين

وتأكدت حينها بأن الله لازال على قيد الحياة

وبأن أبواب السماء مفتوحة على مصاريعها أمام العصافير

وموصدة في وجه الرسل والأنبياء.

 

أيتها الزنبقة التي تكاد تضيء من فرط جمالها

الرشيقة كغزالة البلجة في ليل الصحراء

حلقي بي على جانح الحبّ فوق الجبال

وفوق البحار

وفوق السموات

نحو الغدير المجلجل بالشهد والخمر بين مروج النعيم

لنفلت من ربقة الموت ومن قبضة الزمن الهشّ

ندخل ذاكرة الضوء... قدسية الوهج المتلألئ في منتزهات السديم.

فيا امرأة من صداح البلابل فوق غصون الصباح

أحبك أكثر من أمنياتي الدفينة بين ربوع القرى المرملات

على حافة النهر في وطني المستباح

وأكثر من مهجة القلب

أكثر من خلجة الروح في رونق الحلم بين هبوب الرياح

أنفاسك أرقّ من نسيم الصبا فوق سفوح الجبال

وأشهى من هسيس النار في زمهرير الشتاء

شفاهك أشهى من اللوز والموز

أطيب من سلسبيل السماء المقطّر في خابيات السحاب

وعيناك أجمل من نجمتين تشعان في شرفة الليل

خلف ستار الضباب

وقدّك أرشق من أرشق سيف صقيل

وأنت مزيج من النار والنور... لؤلؤة المستحيل

وأجمل من زهرة الأقحوان

تعانق ثغر الندى في بداية فصل الربيع الجميل.

 

آدم دانيال هومه

سدني استراليا

adamhomeh@hotmail.com

 

هلوسات الأنبياء

                              آدم دانيال هومه

 رأيتهم يغربلون الريح في يوم ماطر

لم يكونوا مجانين   

ولكنهم فقدوا عقولهم

حين باغتهم الشيطان على طرف المقبرة

وهم يحملون على أكتافهم نعش الله.

****        

أنا المتيّم بخريدة السماء

الطاعن في عشق الأرض والماء وسنابل الضوء

وريث عرش الملكوت

وملحمة التكوين

وسفر الرؤيا

في دمي ومضات ضوء من إشعاعات آلهة سومر

وفي تلافيف دماغي سحر نبوي من كهنة بابل

وفي بؤبؤ عينيّ بقايا بروق ورعود من جبروت آشور

في كل إشراقة شمس

أسمع خطوات الله على رصيف الذاكرة

وعند حلول المساء

تنبثق من بين جوانحي يرقات خضراء

تتطهّر بمعمودية النار

لتحلق فراشات متوهجة بألق قطيع من الطواويس في ظهيرة صيف.

****      

أنا الذي صاغ جميع أساطير ماقبل الطوفان

ووضع النقاظ على الحروف المضيئة فيها

ثم اعتليت منصّة السماء

فتوهجت روحي على طوالع الآلهة

وتباركت الأرض

وضجّت في أعماقها كل بذرة ذي حياة.

 
وأنا الذي أمسك بيد عشتار

وهي تجر ذيول الألوهية فوق السحاب

تتناثر من ضفائرها عطور الشموع المحترقة   

على طريق المجرات المؤدية إلى مخدع دوموزي المقدس

في حين كانت أشجار الحنّاء تتمرّغ تحت قدميها

والطيور تحلق صادحة في هالة قدسيتها.

 

****      

أشجار الحنّاء تتمرغ تحت قدميها.أ

نهض من بين ركام ذاته... مفعما بالأمل

مزهوا بالجينات التي ورثها عن جده الأول

سيّد الفصول الذي أوقد شعلة الحضارات على ذرى الجبال المضمخة بالجلالة

وتبوأ عرش الحرف

مستمتعا بمنظر الحوريات وهن يخرجن عاريات من أعماق البحر

وممتعا ناظريه بقطعان الملائكة تنعكس ظلالها في مرايا الصباح

وقبيل الغروب

تصير ضفادع تلتهم أوراق الصفصاف من ضفاف الأنهار.

  ****      

كلما ضاقت بي سنوات العمر العجاف

أمصّ رحيق رؤوس أصابعي المخضلة برضاب شفاه العرّافات

وأعود إلى مرابع طفولتي المطرّزة بأغنيات عرائس الأنهار

ومواويل جنّيات الغابات المسحورة

أستلهم منها أحلامي وأوهامي وفراديسي المفقودة

لأعاود عزف ألحاني الأزلية على أوتار المطر

بشغف الشعراء الذين يتطوحون في عوالم لاماض لها

ولاحاضر... ولا مستقبل.

أذوب في العشق المتناغم بين الموجة المراهقة

والصخرة الدهرية الناعسة بين جفون الخلجان

وأتجدّد مع قطرات الشمس التي توزع أشواقها اللذيذة

على البشر والشجر والماء والحجر

ثم أستريح على حافة الأبدية

لأشم رحيق الأعشاب النابتة فوق قبور الأجداد

في محراب الوطن الذي يتضور أمنا وسلاما

بين مخالب وبراثن أبالسة الموت الذين انبثقوا من لهيب نار

والدماء تشخب من أفواههم. 
 

****     

سأعود يوما إلى رحم عذراء يصطفيها الضوء الأزلي الخلاق

لأولد فقيرا ملوثا برذاذ النبوءات

مضرجا برحيق الطفولة... مضمخا بخضاب الكبرياء.

****        

كيف لي أن أتلمس طريقي إلى الله

بين شعوذة االكهان وهلوسات الأنبياء؟

****       

في منتصف الحلم                                                                 

 أتسلق جبالاً أسطوريّة

وأغور في وديان ليس لها قرار

وأخوض في قلب المتاهات في الصحراء

بحثا عن ذكرى وجهي أمي العصي عن النسيان

والذي لازال يضيء ذلك البيت العتيق... وقلبي.

****          

كان وطني صغيرا على مقاسي

والأوطان الأخرى لم تستوعبني

لذلك بقيت على هامش التاريخ

خارج المقاييس والحدود

وشما على جبين الشمس

غيمة زاجلة فوق مرج ذابل

ترقص على سجادة الريح على إيقاع رعشات الرمال

وتفتح ذاكرتها الفوسفورية المتقدة

لتجليات الرؤى النبوية

لمجدها تنحني الغابات العطشى

وعصافير النار الجذلى

 

****

وأنا أسوق قطعاني إلى مراعي النجوم

لمحت من كوة الغيم شذّاذ آفاق يحطون رحالهم على مشارف الإيساگيلا

ينجّسون قدس أقداس الوطن بأنفاسهم الملوثة بجراثيم الجاهلية الأولى

يحرثون أرض سومر بمخالبهم التي تقطر من دماء الأمهات الثكالى

يلطخون جدران زقورة أور بصور أسلافهم الديناصورية

ثم يمتطون صهوات الجراد

يطاردون ظلال الأسود على سفوح الجبال

ويقضون ظمأ على ضفاف الأنهار

يؤبنونهم بدو رحل بأبيات من شعر تأبط شرا

ويهيلون عليهم التراب

ويمضون في طريقهم صوب الشام

ليقايضوا آلهتهم بأقمشة يسترون بها عوراتهم

وينامون في العراء تحت ضوء القمر

على نباح الكلاب وعواء بنات آوى

يستيقظون مع مطلع الفجر أمواتا من الرعب

على هدير الزلزال الكبير.


****

يأتي كصرير الموت

يتلو آياته الخرافية الممجوجة على مسامع القبور المسكونة بالأشباح

يلتهم أوراق شجيرات الغيم

وينتهك حرمات السنابل العذراء

يعربد في أعشاش العصافير الآمنة المستكينة

يقتحم محاريب الأنبياء

ليعبث بأيقونات الشهداء المنفيين من الفردوس الأزلي

إلى جحيم الغربة القاتلة

ويسرق أحلام الأطفال

ثم يمتطي متن العاصفة

بحثا عن الأصداف المتلألئة على شواطئ المدن المنكوبة.

****

في كل مساء ترفرف روح الله على قرى الخابور المهجورة

وتدخل عشتار بيتا بيتا

لترش الملح على العتبات

تمسّد صور القديسين المعلقة على الحيطان

تبارك جذوع الأشجار التي لم تزل تنبض بالحياة

ثم تنتظر على مفرق الطرق قدوم العاصقة

بينما يقف ديك الوعد في انتطار فجر جديد.

****

شعب تراوده الأحلام... لن يموت

وآثار الأقدام المطبوعة فوق الصخور

من المحال أن تنمحي أو تزول.

**** 

آدم دانيال هومه    ـ   سدني- استراليا

Adamhomeh@hotmail.com
 

جرح ينزف بروقا

 مهداة إلى الشاعر الآشوري الفذ (نينوس آحو) الذي أتشامخ بصدقه وصداقته.

 

على امتداد مايربو على أربعين عاما

 ظل يحفر الصخرة بإبرة

ليقيم تمثالا للآشوري الجديد يصعد فوق كتفيه إلى السماء

ليزرع في أخاديده بذور نجوم جديد.

 

ياحوذي عربة النار

أيها الجريح الذي ينزف على قارعة الشمس

جرحك يضيء بوّابة السماء

وينعكس على مرايا المساء

يتشظى وهج روحك في الآفاق كصدى البروق في السحاب

أربعون عاما وأنت تسقي الأطفال من معصرة الغيوم

وتقذفهم نحو النجوم

قدّوس هو يخضور الجمرالمجلجل في أغصان دمك

كأولياء الله يصقلك الألم المقدّس

في شرايينك تتلاطم أمواج الشعر

وعلى شفتيك تتناسل بلابل الكلمات

نبضك يبقي العاصفة على قيد الحياة

ليظل الوحي منهمرا على ذاكرة التاريخ.

رويداَ... رويدا تبني الأقمار أعشاشهاعلى كتفيك

وإلى عينيك تحج قوافل السنابل

يازارع بذور الفرح في مملكة أحزاننا

أتأمل حزنك في قبو الليل

يعلو كفقاعات الألق

وأنت... تتأرجح بين يديّ آشور

كعصفور مبلل برذاذ الضوء

مزنّر بالطلاسم المكتوبة بالحبر الإلهي

 بالألم تنسخ آية اليأس... وبالحب تكتب مزامير الأمل

ياأجمل العشاق

كيف الدنو من صمت الجلالة في مقلتيك؟.

أنت الذي يجيد العزف على شريان الشعب

علينا أن نغرق في نهر دموعك

كي تتطهر قمصان نفوسنا الملطخة بدماء القدّيسين.

 

أيها الذي يقدح الحروف جمرات

ستظل قصائدك تصدح كالنواعير في حدائق الآلهة

 وستسيل بتواصل عبر السنين

وتتجلّى في دفاتر أطفال الغد

حتى يزهر الشوك على ضفاف دجلة والفرات

وستتلألأ قدماك بقدسية وشموخ

فوق جماجم الذين تسرّب طحلب الزيف إلى مسامات ذاكراتهم المثقوبة

أولئك الذين تداعب عصافير الأكاذيب أحلام يقظتهم

وستنام هانئا في أفئدة الأزهار

وستنام سعيدا في أحلام البراعم

وستنام جليلا في صلوات الأجنّة

وستنام خالدا تحت ظلال النبوءة.

ياطائرا من الفوسفور ينتهك فضاء الظلمات

قبل أن نغمض أعيننا على أطياف الماضي وأحلام المستقبل

دعني أقدم لك سلالا من قرنفل نينوى وأقحوان بابل

وسنبلة قمح من ضفاف الخابور.

ياخليل الشمس والمطر

غداَ...

سنأتي من الأقاصي لنمسح آثامنا بحائط مبكااك

 ونتبارك بزيت مشكاتك.

****

 آدم دانيال هومه ـ حزيران 2008

 


زمهرير جمر الصحراء

                                              آدم دانيال هومه

لوكنت أملك مفتاح البحر

 لفتحت بوابات السموات على مصاريعها أمام أسماك القرش.   

*****

أضبط أنفاسي على وقع حوافر حصان نبوخذنصّر

وأعبر برزخ المنافي إلى شاطئ الوطن المطوّق بالمخالب والسكاكين

على هدي أنوار صلوات أمي المخضلة بالآهات والدموع

أبذر كلماتي في أثلام السديم

فتنمو زنابق على نواصي الجبال

وأنثر قصائدي في مهمه الريح

فتتوهج تغاريد على أفنان الأمطار.

أطلّ من شرفة الحلم على البركان الأزلي

أرتدي جلد الملاك الواقي

وأتزحلق على جليد الشفق

أشعر بكامل حريتي وأنا أنزلق من حافة جرف هار

وانحدر سريعا في منعرجات السماء

ألملم شمل الغزلان الشاردة في الآفاق

يتبعني ظلي وهو يعدو أمامي لاهثا

يجرجر أذياله في منزلقات الملكوت.

*****

متألقا كنجم يمتطي صهوة الغيم

أجوب الفضاء الرحب بحثا عن قطعة أرض مجهولة

تليق بشعب المنافي

أحاول سبر أغوار يراعات

ترفرف بين الخمائل التي تأوي إليها أرواح الشهداء

وبين حدائق أجداد تألقت جباههم على ساريات الأفق

والتمعت آثار أقدامهم على صفحات الأنهار

وعيونهم شاخصة إلى مروج الشمس.

أحوّم حول التمائم المعلقة فوق قبور الأولياء

لأشبّ في الحقول توهج المطر

وأعيد للمدن والقرى المسبية أسماءها الأصلية المباركة

وأمنح الزهور الذابلة حياة جديدة

رافلة بالشمس والندى.

*****

هذه االمدن والقرى المندثرة

تاريخها مكتوب بالحبر المقدس على مدافن الآلهة

وهذه رفات الجسور التي مرت عليها جحافل جيوش

لازالت تحتفظ بإسمائها وببريقها

ولم تتنصل يوما من عراقتها... وعراقيتها.

*****

عثرت على أيقونة االغيث بين مفارق نهديك

أوحت لي سنونوة الأساطير بآيات الفحولة

ومزامير الفتوحات

على باب منجمك السحري المفعم باليمامات

أرفع سارية النار

لتتنهد بين فخذيك خصوبة المراعي

وتفوح من أردانك أبخرة السموات.

أيتها الجليلة بين عرائس الأودية والروابي والأنهار

المنمّقة بسندس الأبجدية في هودج الشعر

في  زمهرير المساء

يتجمد دم الشمس على خديك

ويصطبغ شعرك برذاذ النجوم

المنفيون من جنائن الوطن

يقرفصون فوق أرصفة المنفى

يذرفون الدمع خارج أسوار المكان والزمان

يتذكرون عتبات هيكلك المقدس

الغارق في السبات

كملاك ميّت يتمطى على حافة الهاوية

وكحشرة تضيء فوق المقبرة.  

*****

أنا عاشق

أسكن بين الماء والضباب

أرتعش كسمكة وحيدة على حافة النهر

ترى صورتها تتألق على صفحة الغيوم

تتطاير الأشواق من قلبي كأسراب الفراشات الملونة

وتذيب أنفاسي الثلوج المخضرمة

أطعم الأطفال سنابل قصائدي

ليقشّروا وجه الأرض بأظافرهم

ويصبغوا جلد السماء بألوان طموحاتهم

وآخذ بيدهم إلى ينابيع الماضي الرقراقة

ليشعلوا قناديلهم النورانية أمام بوابات المستقبل.

تتهادى إلى سمعي أصوات رعاة يصعدون منحدرات الجبال

في طريفهم إلى كرنفال الآلهة

ضلوا طريقهم بين الأشواك وهم يجرجرون خلفهم عربة النار

يحاولون الوصول إلى صخرة ينبجس منها السلسبيل رقراقا

لينهلوا منه

ويمنحوا الحياة لكل العطاش الذين طحنتهم المآسي والويلات

على كل الطرقات المؤدية إلى بابل.

*****

أنا...

طائر يجدد أحلامه من بين رماد الذكريات

يحط على غصن يتأرجح فوق الهاوية

يسبّح باسم سوسنة نابتة على ذؤابة الجبل

يتوهج كمرآة في الصحراء

ينزف على أشواك الجحيم

ليتطهر برحيق المطر المنهمر على زجاج الروح

ويتمجّد بمعمودية الشعر

ليحل ضيفا على واحة العشق السحرية

الممتدة مابين تلال الشمس وعنابر الصقيع

ويتلألأ كالنورس على عرش الماء.

*****

تستحم الطيور المهاجرة في النهر المتجمّد على حافة الشمس

تتنشّف بزفير النجوم

ترتدي معطف الريح

تتمرّى في سقوف ظلالها

وتمشي بخيلاء على أرصفة الغيم

حاملة في جباهها مشاعل

تنعكس أنوارها على شواهد قبور أموات

لهم مناعة ضد الموت

يحبسون أنفاسهم في النهار

وينبعثون قبل حلول المساء

ويلقون بأكفانهم فوق أكتاف ملائكة حمقى

ويرسون بظلالهم أمام أبواب القديسين.

*****

مكتوب بالحبر الإلهي المقدس في ألواح القدر السبعة

وعلى قاعدة العرش

مكتوب أن نرث الأرض المطلة على أنهار الجنة

والقائمة فوق كنوز السماء

لننقل العالم إلى بقعة ضوء أكثر إشراقا وأمنا وعطاء

ونملأ قنديل الشمس بزيت أكثر طهرا وصفاء

ونجعل السحب تحبل بأمطار أكثر رونقا ونقاء

ونضيف لونا جديدا لأيقونة قوس قزح

لتعكس وجه الأرض في مرآة السماء

فيتخطى الإنسان عتبة الحلم

لتكتمل معمودية التراب.

*****

مذ ترجّل من صهوة حصانه السماوي المجنّح

عائدا من رحلته الأسطورية إلى منتزهات السموات

خيّم ظلام الكهوف على مشارق الشمس

وبدأ صليل السيوف يدوّي في الجهات الأربع

وبدأت أرواح المخلوقات ترفرف كأسراب الفراشات

مضمخة بالدماء

وطفقت رمال الربع الخالي تجتاح حقول ومدائن الحضارات.

مذاك...

بدأ الله يفقد ذاكرته رويدا رويدا

وصار يمحو شيئا فشيئا ماخطه منذ البدء في اللوح المحفوظ

ليأتي بأسوأ منه

أباح نكاح الزغاليل

وضرب رقاب البلابل والطواويس

وسفك دماء الحمام الزاجل والفراشات المضيئة

ففرت الطيور مذعورة في كل اتجاه

وبدأ أموات على قيد الحياة

يكرعون من الخمرة الإلهية

لتتفتح مسامات قرائحهم على طلاسم الغيب

فيعبثون بمقتنيات الله

ويخربشون على قاعدة العرش هلوسات المراهقين

يلتهمون في الآخرة كل المحرمات في هذه الدنيا

يضاجعون الحوريات اللواتي يتحجبن على الأرض

ويتعرين في منتجعات السماء

ينصتون بشبق الجرذان

إلى هسيس النشوة يسري في أوصالهن البلورية

فيصابون بالهذيان بعد كل عرس مهيب.

*****                                        

الناطقون الرسميون باسم الله

القادمون من مجاهل طقوس إرم ذات العماد

يسوقون أمامهم قطعان السكارى إلى أنهار الفردوس التي تفيض بالحماقات

ويجرجرون خلفهم توابيت مومياءات الأسلاف المقدسة

يستنبطون من تجاويف جماجمها لكل داء دواء

يدورون داخل ظلالهم في مباهج الصحراء

ويجتثون جذور العشب النابت في الواحات

يسلقون أدمغة الأطفال

ويروضونهم في حدائق الحيوانات المفترسة

يقطعون لهم تذاكر مجانية إلى جنات النعيم

ليتناولوا عشاء فاخرا بصحبة الأنبياء

يصنعون لهم أجنحة من الآيات البيّنات

ويقذفون بهم إلى فوهات البراكين

ليتناثروا أشلاء على شبابيك السماء

فيضلوا العنوان

ويصلوا بعد فوات الأوان

ليحلوا ضيوفا على حارس الجحيم.

*****

اولئك المشعوذون الموبؤون بالهذيان

المسكونون بالهوس الشيطاني

الأحياء المتفسخون ذوو الأحاسيس الصدئة

يجترون طحالب السماء... أساطير الأولين

ولايدعون الله يعرف طعم القيلولة

يحملون على أكتافهم نعش العالم

ويدحرجون الكرة الأرضية عكس اتجاه مسار الشمس

يتسترون وراء الآيات المتشابهات

ويمارسون طقوس الموت

ويشوهون كل جمال يتلألأ في هذا العالم

منظرهم يبعث الرعب في أوصال الإنسانية

لاتكتمل نشوتهم إلا في آلام الآخرين

يقفزون من كهوف الجاهلية إلى ناطحات السحاب

بفتوى واحدة

ويحلقون على صهوات الملائكة إلى فجر السلالات الأولى

شهواتهم تتناسل كالذباب المتراكم على تويجات نهود مطلية بالعسل

يعلقون سراويلهم على سياج القمر

يتوضأوون بالدموع التي ترشح من مآقي القوارير

ويدخلون جلود النساء عراة لأداء صلاة العصر

ولايخرجون إلا بعد انتهاء صلاة الفجر

لايقابلون النساء إلا مستلقيات

ليتمكنوا من حرثهن أنى شاؤوا

يتقاسمون عذاباتهن فوق سرر من زمهرير الجمر

وهم يشاطرون شبق خفافيش الليل

يرددون كالببغاوات ماألقاه الشيطان على ألسنة الأنبياء

ولايدركون بأن الطريق إلى المياه العذبة طويلة وشاقة

وسلوكها أصعب من ارتقاء النجوم.

*****

لاأدري ماذا يدور في خلد السكارى وهم يتسابقون إلى صعود سلالم الريح ليصلوا إلى مملكة الجنون.

*****

من خلال ألمي المقدس

أسمع رنين أجراس القيامة

تنبعث من نجمة حلت فيها روح الأبدية.

*****

نيسان 2013     :     adamhomeh@hotmail.com

 


يوخنا أوديشو وخالته خوشيبو يقصفان قرية تل نصري بطائرة الميغ

                                                       آدم دانيال هومه

   نشر الأخ يوخنا أوديشو دبرزانا في بعض المواقع الالكترونية  مقالا تحت عنوان (تل نصري وطائرة الميغ قذيفة  شاردة  أم رسالة  وافدة؟). تطرق فيها إلى مواضيع شتى ذكرني فيها بخالته (خوشيبو) التي كانت تبدأ قصصها دائما بسرد تفاصيل المذابح والمجازر التي تعرض لها الشعب الآشوري، وتنهيها بإلقاء اللوم في كل ذلك على كنتها االتعيسة التي عجزت عن إنجاب حفيد تكحلّ به عينيها.

   لذلك أود أن أصحح بعض الأخطاء التي وقعت فيها لأنك لم يعش الوقائع كما كانت ولكنك سمعت فلانا ينقل عن فلان عن علان عن شختان على طريقة المرحوم أبو هريرة.

1.    أظن يقينا بأن الأخ يوخنا أوديشو يعرفني معرفة تامة وشهادته بي ليست مطعونة على الاطلاق سلبا كانت أم ايجابا.

2.    تقول: قد  يكون  الجواب الشافي عند السياسيين اللبنانيين وعند بعض  من كهنتنا وربما بعض  من  مسؤولي تنظيماتنا ومؤسساتنا السياسية وشخصيا اعتبره  السبب ذاته الذي افشل ووأد مقررات مؤتمر بغداد عام 2003 للمؤسسات الاشورية  السريانية (الاجتماعية والسياسية)  والذي  كان بحق الانجح  والانجع لهذه  الامة.

       أقول: هذا رأيك ورأي الذين يشاطرونك ركوب القطار السرياني الكلداني الآشوري، أما رأيي فإن المؤتمر المذكور والمشؤوم كان المسمار الأخير في نعش القضية والأمة الآشورية.

3.    تقول: قانون الاحوال المدنية  اللبناني  ينص  صراحة : في  حال  تجنيس   أي مسلم  يجب ان يقابله  تجنيس  اربعة  مسيحيين  من هنا اجتاحت حمى التجنيس مسيحيي محافظة  الحسكة وخصوصا من  ابنائها  السريان  الاشوريين فترة  الحرب  اللبنانية.  وكان  يتراوح  سعر الجنسية من 5000-8000 ليرة سورية  حينما كان  سعر  صرف  الدولار لايتجاوز 4 ليرات  سورية, ومن لم يمتلك  المبلغ  استدان  او رهن او باع جزء من  مقتنياته ولقد لعبت  الرابطة السريانية والكنائس وبعض  قياديي المنظمة الاثورية في  لبنان دورا مهما في  تلك  العملية وتلافت  المنظمة ذلك الخطأ الفردي بفصل اثنين من أبرز كوادرها.

 

       أقول: لقد بالغت كثيرا في سعر الجنسية بحيث كان المبلغ الذي قررته الرابطة السريانية، يومذاك, برئاسة الدكتور جوزيف الأحمر (75) ليرة لبنانية فقظ. أما قرار التجنيس فلم يتخذه بعض قياديي المنظمة كما تدعي وإنما اتخذته اللجنة المركزية والمكتب السياسي بالاجماع.

4.    تقول: ابان  الحرب  اللبنانية قدم  الى  بيروت  موفدا  من  الاتحاد الاشوري  العالمي المرحوم  جان  يونان, احد قادة هذه  المؤسسة للتباحث مع الحكومة اللبنانية عبر القوات  اللبنانية حول توطين الاشوريين السريان في لبنان (من سوريا والعراق) وستقوم هذه المؤسسة بتامين مستلزمات هذا التوطين كالمساكن ومعامل وغيرها...شخصيا لم التق  المرحوم, فقد كنت غائبا عن  بيروت حين وجوده الا ان السيد  ادم  دانيال  هومة أفادني مشكورا  بكل  المعلومات واللقاءات حيث  كلف  بمتابعة الموضوع كممثل للاتحاد الاشوري العالمي في  لبنان.

       أقول: المرحوم جان يونان قدم إلى بيروت بدعوة رسمية من قبل الرئيس الراحل كميل شمعون بصفته رئيس الجبهة اللبنانية، وأنا الذي قمت بتأمين الدعوة عن طريق ابنه المرحوم داني شمعون. ولم أكن يومها ممثلا للاتحاد الآشوري العالمي وإنما ممثلا للمنظمة الآشورية الديمقراطية بناء على موافقة المؤتمر الثالث. ولم تكن مباحثاتنا مع القوات اللبنانية وإنما مع الجبهة اللبنانية التي كانت تضم كل من الكتائب اللبنانية برئاسة أمين الجميل ممثلا والده بيير الجميل، وحزب الوطنيين الأحرار برئاسة داني شمعون ممثلا والده كميل شممعون، والقوات اللبنانية بزعامة الرئيس المغدور بشير الجميل.

  أما عن فصل المنظمة اثنين من أبرز كوادرها فهذه خرافة سمعتها من خالتك خوشيبو التي كانت عضوا في قيادة منطقة الحسكة آنذاك.

5.    تقول: كان  للسيد آدم هومة لقاءات أخرى مع كل من الرئيس الشهيد  بشير الجميل وشقيقه  الرئيس امين  الجميل الذي رفض طلب التوطين في  الجنوب والكلام لآدم ((كون  الجنوب هو  البوابة لحل  مشكلة  الشرق الاوسط حسب  تعبيرالرئيس  الشيخ امين  الجميل. في  تلك الفترة فصلت  المنظمة الاثورية  الديمقراطية آدم دانيال  هومة  من صفوفها لكل الاسباب  السابقة وفي الوقت  ذاته  عادت  من  اميركا الانسة  ماري  جوارو عضوة الاتحاد  الاشوري  العالمي فتم الاستغناء  عن آدم دانيال  هومة .

 

       أقول: الشيخ أمين الجميل رفض توطين الآشوريين في لبنان قائلا بكل صراحة: المسلم اللبناني أفضل عندي من أي مسيحي في العالم. ولكنني قلت له: ولكن لاتنس بأن الآشوري هو الذي يقف معك في خندق واحد ضد المسلم اللبناني والفلسطيني لأن لديه القناعة المطلقة بأننا شعب واحد فرقتنا غوائل الأزمان، والمذاهب المشؤومة لاطمعا بهوية مزورة. ولاتنسَ بأن الرئيس شمعون قال لي بالحرف الواحد: (كنت ولازلت مصرا ومقتنعا بأنه لو اتحدت العقلية المارونية والعسكرية الآشورية لسيطرنا على الشرق برمته وأعدنا أمجاد الأمبراطورية الآشورية. وأضاف: أقسم لك بأني لن أموت قبل أن أحقق طموحات الشعب الآشوري، وسيكون لبنان المحطة الانتقالية للآشوريين إلى موطنهم الأصلي بلاد آشور). أما الذي قال: (بأن الجنوب هو البوابة الرئيسة لحل مشكلة الشرق الأوسط) فقد كان السفير الأميركي في لبنان، يومذاك، ريتشارد باركر. أما عن فصلي من المنظمة فلم يكن في تلك الفترة كما تدعي ولكن حدث عندما حيكت المؤامرة الكبيرة ونصب لي الكمين بحجة لدينا اجتماع طارئ ومصيري في الحسكة وعلى مستوى اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وينبغي علي الحضور مهما كانت الأسباب مع أنهم كانوا يعلمون جيدا بأن المخابرات السورية تترصد تحركاتي عن طريق عملائها المندسين في الرابطة السريانية، وقد اعتقل ابن أخي الفنان جان هومه بسببي بحيث لم يكن منظما ولم يكن له ناقة أو جمل في الموضوع. وإذا أردت أن تعرف كيف اجتزت الحدود اللبنانية ودخلت الحدورد السورية فعليك أن تسأل السيد(صليبا مراحة، حاليا في السويد وخارج التنظيم) الذي أقسم بأغلظ الإيمان بأنه التقى جان قبل أيام في الحسكة وأخبره بأنه لاخوف علي من الحضور إلى سوريا. وكذلك (جان كردوسلي، حاليا في أمريكا وخارج التنظيم) الذي أخذ هويتي وذهب بها إلى الأمن العام السوري على الحدود اللبنانية السورية وعاد بالموافقة السريعة مدعيا أن رئيس المخفر هو ضابط سرياني. وجان كردوسلي هو الذي كان يقود سيارتي من بيروت حتى أوصلني إلى مدينة حلب في حين تذرع صليبا مراحة بحجج واهية ولم يرافقنا مدعيا أنه سيلتقي بي في الحسكة في اليوم التالي. وبعد حلب واصلت المسير بمفردي إلى مدينة الحسكة التي وصلتها الساعة العاشرة مساء، وفي الخامسة صباحا من اليوم التالي أيقظني جان من نومي قائلا: بأن رئيس المخابرات السياسية وأحد معاونيه ينتظرونك خارجا. أما قرار فصلي فقد اتخذ وأنا في السجن، ولم أعلم به إلا بعد إطلاق سراحي وقد اخبرني بذلك الأخ الشاعر سعيد لحدو. أما عودة الآنسة ماري جوارو فقد عادت إلى لبنان في الوقت الذي كنت فيه ممثلا رسميا عن المنظمة الآشورية الديمقراطية والاتحاد الآشوري العالمي بآن معا. ولم يستغن الاتحاد الآشوري العالمي عني على الإطلاق وإنما وجودي في السجن ومنعي من السفر خارج القطر لمدة أربع سنوات أحدث فراغا كان من الضروري ملئه.

6.    تقول: ادم بديناميكيته كألكترون حراك غير مستقر رافض للانكسار عمد الى تأسيس تنظيم اشوري اخر (حزب آشور الديمقراطي) وتمت صياغة نظامه الداخلي  في  بيتي في  بيروت بمشاركة كل  من الطلاب  الجامعيين الاخرين (أنور كوركو، عبود دنخا، شاهين سورو، البيرقرياقس) وكنت قد أفصحت لأنور كوركو لماذا علينا مسايرة  آدم.

 

       أقول: كان الطاعنون في السن من أهل قريتنا تل نصري (ولطو) يقولون: بأن أهالي أم وغفة (سرسبيدو) يخرفون باكرا، ولم أكن أصدق ذلك، ولكنك أثبت، اليوم، بأنهم كانوا على حق.

   اسم الحزب كما اقترحناه يومذاك كان ولم يزل (الحزب الآشوري الديمقراطي) ويبدو لي بأن ذاكرتك بدأت تخبو رويدا رويدا حيث لم يكن لا عبود دنخا ولا شاهين سورو في لبنان يومذاك. والاثنان انضما إلى الحزب بعدئذ، ولم تتم صياغة النظام الداخلي والبرنامج السياسي إلا في المؤتمر التأسيسي للحزب في السابع من آب عام 1977م في قرية تل طال. أما إفصاحك للأخ أنور كوركو لماذا سايرتني يومذاك لم أسمعك تبوح به يوما على الإطلاق. قد يكون هذا مبرر تافه لعودتك إلى المنظمة.

   أما الآن فدعني أشرح لك لماذا تم فصلي من المنظمة الآثورية الديمقراطية، وهذه أول مرة في حياتي أكتب عن هذه الموضوع رغم إلحاح العديدين من أصدقائك المفصولين من المنظمة والذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها حتى اليوم.

   في بداية انعقاد المؤتمر الثالث للمنظمة في مدينة حلب عام 1976 قلت للمؤتمرين بكل صراحة: منذ اليوم يجب أن نضع النقاط على الحروف. أنا شخصيا لست على استعداد للعمل تحت أي تسمية سوى التسمية الآشورية فقط لاغير، تنظيما وشعبا ولغة. فمن المعيب أن يكون شعبنا آشوري، ولغتنا سريانية، وتنظيمنا آثوري. فانبرى أحد الأعضاء الذي تعرفت عليه لأول مرة، وأصبح فيما بعد مسؤول المكتب السياسي، قال: أنا نفسيا لاأتقبل التسمية الآشورية. قلت: ولكن كيف تقبلت التسمية الآثورية وهي التسمية التي تطلق، في العراق، على أتباع الكنيسة الشرقية الآشورية التي تسمونها الكنيسة النسطورية؟.

   كان في المؤتمر أثنان كنت أنتظر منهما مساندتي على الفور ولكنهما لم ينبسا ببنت شفة، وأحدهما أنا الذي ألححت على حضوره رغم معارضة منطقة الحسكة وحلب عليه. وشهادة أمام الله والتاريخ، فبعد نقاش حاد وطويل انبرى الدكتور ابراهيم لحدو(حاليا في المانيا وخارج التنظيم) وقال بالحرف الواحد: (ياشباب إذا أردتم أن نناضل قوميا فليس أمامنا إلا التسمية الآشورية فقط وماعدا ذلك ليس إلا أسماء مذاهب ومناطق). ثم أيده على الفور اسكندر أفرام (هو الآن قس في مدينة ملبورن الاسترالية). وبعد ذلك تتالت الموافقات، وذكرتني يومها بأعضاء مجلس الشعب في سوريا. ثم وافق أعضاء المؤتمر بالكامل على أن يكون اسم المنظمة الآشورية بدل الآثورية، واللغة آشورية بدل السريانية، والشعب ظل آشوريا كما كان سابقا. وقبيل اختتام المؤتمر تم انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي، فانتخبت عضوا في الاثنين معا، وكلفت بمهمة التفرغ في لبنان، وحضور مؤتمر الاتحاد الآشوري العالمي في ستوكهولم- السويد مع الدكتور كورية كوميشال (الذي كان يقطن في اسطنبول، وهو الآن في السويد وخارج التنظيم). ولكن بعد وصولي إلى استنبول بعدة أيام وصلت مقررات المؤتمر، وكانت الصدمة الكبرى حيث ضُرب بمقررات المؤتمر عرض الحائط وبقي اسم المنظمة الآثورية، واللغة السريانية، والشعب الآشوري. وبعد عودتي التقيت أول ماالتقيت بالسيد يونان طليا لإقامته في مدينة الحسكة، ولما استفسرت منه عما حصل قال: لقد جاء يعقوب مروكي من لبنان(حاليا في مدينة ملبورن الاسترالية وخارج عن التنظيم) وأقنعنا جميعا بالابقاء على الآثورية لأنها صفة خاصة بكل ملتزم بفكر المنظمة. فقلت له: لعنة الله على هذا التنظيم الذي يستطيع شخص تافة مثل يعقوب مروكي إقناعكم بالدعس على مقررات المؤتمر الذي هو أعلى سلطة في المنظمة وتبني مايقرره فرد مثل يعقوب مروكي عاش طيلة حياته طفيليا على المنظمة (وأنت ياسيد يوخنا، ياأبا الطلاسم تعرف ذلك جيدا وأكثر من أي شخص آخر لأنك عايشته طيلة سنوات في لبنان وتعرف عنه كل شاردة وواردة).

عزيزي يوخنا!

هناك الكثير الكثير من خفايا الأمور التي هي ملكي الشخصي ولن أفرط بها أمام القراء حتى يأتي اليوم التي أجد الافصاح عنها ضرورة حتمية لمصلحة شعبي ليس إلا.

 الشيء الذي أود أن أقوله لك باختصار:

  كانت تلك أجمل أيام حياتي لأنها كانت زاخرة بعطاء بلا انقطاع. وأظن بأنها كانت العصر الذهبي للمنظمة الآشورية الديمقراطية على الإطلاق وإذا لم تصدق فاسأل قياديي تلك الفترة الذين انزوى الكثير منهم يأسا وقنوطا بعد رحيلي. فخلال ثلاث سنوات استطعنا أن ننتشلها، ولاأقول انتشلتها، من كهف اللجنة السرية المظلم إلى ربوع المؤتمرات الرحبة. أسست دورات الكوادر القيادية في كل من المالكية وقبور البيض والقامشلي والخابور وجامعة حلب وكنت أشرف عليها شخصيا. أصدرت مجلة (نشرا دآثور) وكنت أحررها بمساعدة الأخ سعيد لحدو، وهي اليوم النشرة الناطقة بلسان المنظمة الآثورية الديمقراطية إلى جانب العديد العديد من النشاطات المستمرة التي كانت مفخرة واعتزاز شعبنا يومذاك. هذا غيض من فيض.

   قبيل الختام أقول لك بكل صدق وصراحة: جميع اولئك الذين عملت معهم في تلك الأيام وبدون استثناء كانوا المناضلين الحقيقيين الذين سيدخلون التاريخ الآشوري من أوسع أبوابه، وسيظلون قديسي هذه الأمة بدون منازع لأنهم أعطوا بلا مقابل، وحملوا أرواحهم على راحاتهم بدون خوف ولا وجل في غابة من الوحوش المفترسة ممثلة بالمخابرات السورية وعملائها الذين كانوا يحصون عليهم أنفاسهم ليل نهار، ويتربصون بهم في كل زاوية وشارع. وأشهد لله وللتاريخ بأنه طيلة عمري النضالي في سورية، منذ بداية تأسيس المنظمة الآشورية الديمقراطية ومن ثم الحزب الآشوري الديمقراطي وحتى يوم رحيلي عن سوريا، لم يتواجد بين صفوفنا أي خائن أوعميل وهذا شرف عظيم للحركة السياسية الآشورية في سوريا، ووسام على صدر كل واحد من اولئك الشهداء الأحياء والأموات منهم.

عزيزي يوخنا!

   أعرف جيدا، وتعرف قيادة المنظمة يقينا بأن ماأدى إلى فصلي، يومذاك، لم يكن قائما على أساس وإنما لأنني كنت عقبة كأداء في تحقيق المصالح الآنية والذاتية لبعض صغار النفوس الذين هم اليوم في عداد أهل القبور. وأعترف بأنني أخطأت كثيرا لأنني كنت قاسيا أكثر من اللزوم في محاسبة المقصرين من القياديين على وجه الخصوص، وأطلب مغفرتهم جميعا. يقول اين الرومي:

ألا ليت الشباب يعود يوما                     فأخبره بما فعل المشيب

 الكل، بدون استثناء، كانوا وسيظلون في القلب والذاكرة وإلى الأبد.

   عزيزي يوخنا!

   وأخيرا أهمس في أذنك أيها الآشوري السرياني الكلداني اليوم، والآرامي غدا، والكردستاني بعد غد، هذه كانت السَلطة التي لم أستطع هضمها فكريا والتي أدت إلى رحيلي مأسوفا عليه. لذلك سأظل أسير حافي القدمين على نصل السكين ولن أرضى أبدا أن أكون كذلك الأحمق الذي كان يبتسم وهو على الخازوق لأنه ينظر إلى الآخرين من فوق. وإلى اللقاء.


تل نصري

الزنبقة الجريحة

                                   آدم دانيال هومه


الشهيد ( نينوس منير أوشانا)

مهداة  إلى روح الشهيد ( نينوس منير أوشانا)  الذي توفي إثر القصف  الذي شنه السلاح الجوي السوري في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني 2012 على قرية تل نصري (ولطو) التي تقع على مبعدة 84 كم من مركز مدينة الحسكة  ما أدى الى  إصابة عدد من الجرحى إضافة إلى تدمير العديد من المنازل وإلحاق أضرار بليغة بكنيسة شفيعة القرية السيدة العذراء.

تل نصري!...

وردة تنام على فراش الندى

فاتنة الحدائق والكروم والسواقي

الطفلة الوادعة المدللة

أرضعتها الحمائم التي بنت أعشاشها فوق أسوار نينوى

قبل سبعة آلاف عام

وترعرعت في أحضان أمها الرؤوم السيدة العذراء

تركها أهلها بكامل سحرها وزينتها الملوكية

وبكامل أناقتها الآشورية

تمرح بين الحقول والبساتين

تصدح بين يديها معاول ومناجل الكادحين               

تقطف زنابق الصباح لتنثرها في عرس العصافير

تمشّط شعر الفراشات وهي ترتشف الخمر من شفاه العناقيد

وتتقيل في أرجوحة الشمس

تتأمل بحسرة أشجار الصفصاف

وهي تلهث عطشا على ضفاف الخابور

وفجأة...

قدموا على صهوات الريح

مدججين بالحقد المقدس

وهم يرفعون مشاعل الهداية نحو المهاوي السحيقة

يعربدون كالجراد في حقول التاريخ

ويسحقون أزاهير الحضارات

بأقدامهم الملوثة بقاذورات الجاهلية

وأمطروها بوابل من حمم البراكين

فاهتز عرش الله

وانكمشت الملائكة في زاوية من السماء

وانكبت تل نصري على وجهها مضرجة بالدماء

وتعفرت بالتراب كطائر مذبوح

يتخبط في دمه

وتهاوت تحت ركام الأبنية المنهارة

وتناثرت لآلئ قلادتها اللازوردية بين الأنقاض

وصاحت برعب وألم

اغتال الأوغاد حبيب قلبي

وقرّة عيني... نينوس

حبيبي الذي كان يعزف على أوتار السنابل أناشيد المطر

وينظر إلى صورته ناصعة في مرآة المستقبل

ويشد أحلامه فوق صهوة الأرجوحة المعلقة بين شجرتي توت عتيقتين

غرسهما جده المهجّر من أرض أجداده

وأجداد أجداده

ويردف خلفه الأطفال

ليمضي بهم نحو النجوم

ليرشوا على ربوع القرية عطر السماء

وعلى نهرها العطشان أكاليل الغيوم

لتتطهر من عذابات الأنبياء

وتعيد إلى الخابور شبابه

ورونقه

ونضارته.

 

نينوس...

الحمل الذي أرسله الله من السماء

ليكون فداء وقربانا لأهل قريته

لقد اختلط دمه بغبار الشمس

وربط الأرض بالسماء

ورافقت روحه الأنوار المتناثرة من وهج الموت.

 

عندما ودع نينوس حبيبته تل نصري

كان يمسك في يده حفنة من التراب

وفي عينيه انعكاس صليب الكنيسة الجريحة

وعلى جبينه ترفرف قبلات عشتار.

 

شُلّت يمينك أيها الطيار الأرعن

وكل الطغاة إلى الدرك الأسفل من الجحيم.

فجميع االطواغيت عبر العصور

ينتهون إلى مزبلة... أو مهزلة

أو حفرة... أو مقصلة.

 

مكتوب عليك يا تل نصري

أن تكوني حاملة هموم الأمة

وقدرك أن تتلقي الضربة الأولى

لتتوشحي بالقداسة

لتكوني جديرة بتبوء عرش سومر

لترثي أرض القديسين والشهداء

وبهاء ممالك الأرض

ولتستحقي أن تكوني قبلة الثوار والشعراء.

 

سوريا...

الجنة التي آلت إلى مقبرة

هاجرتها الأطيار والأزهار والأنهار

والأنجم والأقمار

وشاخت الزنابق من هول الرعب

وتعششت الأحقاد في القلوب

وصارت وشما على ذاكرة الأطفال

والشعب يواصل الموت

محاصر في ظلمة التابوت

والملك الأسطوري يجترح المعجزات

يعاقر الدم... وهو يترنح

مابين نصل السكين وبين الجدار المرصوص.

 

مابين مطرقة الموالاة وسندان المعارضة

 ضاع نينوس

وأخشى ماأخشاه

أن ينتهي بنا الربيع العربي

إلى زمهرير كردي

يومها لن يبقى لنا داخل الوطن

سوى نينوس وبقايا رفات أمواتنا

وأطلال قرانا ومقدساتنا

يومذاك

سيجلس المناضل الشهم

حامل لواء الثورة

وحيداعلى المقبرة

لايسمع إلا نعيق الغربان

وصوت الآذان.

adamhomeh@hotmail.com

سدني- استراليا

2012/11/15


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غجري لايجيد الرقص

                                   آدم دانيال هومه

 أكتب باسم الواحات المنثورة في الصحراء

باسم نواعير الحزن الدائرة فوق عيون الشعراء

العابقة بعطر ضفائر فراشات الفجر.

أكتب باسم المصلوبين على أبواب الريح

وباسم الألم الذي يصعد العشاق في شعابه الوعرة

                                             إلى جنة الأمل

ليظل الحب خبز الحياة الأبدي.

أشرب نخب الأرض المضرّجة بأنفاس البؤساء.

أتزنّر بالرعد

وأمضي فوق صهوة جواد المطر نحو بلاد الفقراء.

أؤمن إيمان الظامئ بالماء

أن الاشتراكية هي البوصلة الهادية للبشرية جمعاء.

 

ياشهداء الوهم وأقراص النوم

إني أبحث عن وطن أغرس فيه جذوري

يمنحني الخبز والهواء والكرامة

لا تتردّد فيه عبارات الدم والحديد والظلام

أحلم فيه بالشعر وبالإنسان

وبامرأة دافئة لا تترمّل وأنا حيّ

وبطفل يولد ليعيش حرا.

 

هادئ كبحيرة حزن

تتموّج شرارات القهرعلى ضفاف القلب

وفي صلصال دمي يتوهّج وجه العالم

لم أعرف منذ زمان نكهة غبار الطلع

لا أشعر أني موجود إلا حين أنفذ من ثقوب الذاكرة

أو أذوب في اللهب المسكون بشبق امرأة آشورية.

ماعدت أسمع رنين الضوء يجلجل في نفق المطر

ماعدت أعرف إن كان عصفور الحلم ينقر جمجمتي

أم أنه دمي يقطر على سيف الرعد.

بلا أجفان أمضي نحو الشمس

أعاني الغربة في الوطن

أحلم بأرض تبحث عن شعب في حلقه طعم حليب المساعدات الدولية

وفي جيبه (وطن على ورقة) يتمسّح بها بدوي على قارعة الطريق

أستحثّ ضمير العالم كي يدعني أولد

أو يدعني أمارس طقوس المخاض في رحم الليل.

 

دمي يتنهّد في الريح

يترك آثاره المقدسة على خنجر الرب

ويسيل على صفحات التوراة

يمحو الكلمات المكتوبة بالهذيان النبوي

ويشرّش في تراب الفردوس المفقود

الذي ضيّعته في صقيع النوم

ووجدته تحت آباط فراشة الرؤيا

حيث يرتعش الجمر في رماد الذاكرة المغسولة

وتنمو الزهرة بين عظام الموتى.

 

أنا غجري من الشرق

مطوّق بمناقير البؤس وأنياب كلاب الصيد

في حنجرتي تضيء أناشيد الجوع

وعلى أرصفة السماء يسيل دمي

أتأبط  وطني

وأقف ذليلاً أمام سفارات العالم

أترقرق كالحزن

أحلم بعناقيد النهود المتوهّجة في ضباب الغربة

وانسلّ من نوافذ الريح المطلة على مبغى الغرب

أتنقل كعصفور أحمق من غصن إلى غصن

أحمل شعبي، بكل جراحاته، في قلبي

وأشهر دمي في وجوه القسس الذين يضاجعون عنزة بعد كل صلاة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنا... غريب

ألمح آثار أقدام الحزن على صارية قلبي

ومن رأس لساني تتدلى مشنقتي

أعاقرالتسكع بين النجوم

وألعق الدم المتخثرعلى شفة حبيبتي.

قلبي يخفق كسحابة فوق البحر

لكني لاأستطيع أن أرفرف فوق الشجرة القائمة عند مدخل الصحراء.

 

أنا متشرّد...

لايربطني بأي وطن إلا ذكورتي ومنديلي المبلل بالدمع

أبدّل هويتي كما تبدّل العاهرة سراويلها الداخلية.

الشعر جوادي المطهّم

منه تنبعث رائحة الحليب الذي رضعته قبل سبعة آلاف عام

وعليه أنطلق فوق حجرات التعذيب وأكواخ البؤساء

أتمرّغ في نشيج موسيقا الأمم المقهورة.

أيها الرفاق!...

في بلدان الشرق

من يقف على رأي كمن يقف على الخازوق

ومن يتلوّن كالحرباء

ويرتّق بكارته ليمنحها لكل عهد

يثب كالضفدع فوق العرش وفوق رؤوس النجباء.

أيها الشعراء!...

إني أحلق ونعشي على ظهري

وروحي معلقة على مشجب الوطن

من عنقي الممنوح إلى الجلاد

يرشح الضوء على عتبات المستقبل.

 

سلاماً أيتها القبّرة المصلوبة فوق المساميرالطالعة من جمجمة الريح

سلاماً أيتها الكلمة النابحة في البرّية مثل نبيّ

ينزف على قارعة الخط الفاصل بين الموت ولؤلؤة النار

سلاماً ياعصفور الشعر ينقر قلب الله ووجدان الإنسان

إني متهم بتهريب الثورة إلى أدمغة الشعراء

إني روح القدس يسقط منهوكا في أروقة الفقراء

ماأقسى أيام العاشق يتشرنق في تابوت الغربة

                                      بحّار يمخر عباب الصحراء.

ياأحرار العالم!...

داعرةٌ موعظة الكهّان المنحدرين من قفا الشيطان

داعرة سنبلة الضوء الطالعة من مراحيض القوّادين

داعرة نجمة الصبح تنيخ على عتبات الجزّارين.

 

نينوى!...

ياعاصمة الموت والغبار

مثل النهد ترقدين في فم الله

ظمأى كقيثارة فوق قبر مهجور خلف زجاج المطر

يسّاقط عليك الرجم بالغيب

وتستندين على زلزال الريح

من مقبرة لمقبرة تتسكعين

في دمك تحترق عصافيرالماء

وفي عينيك كسوف الخبز المحروق.

أنت...

قديسة الثوار والفقراء

نكهة الملح في الموجة المتوغلة في جذورالإنسان

حلمتاك... جرحان تخثر فيهما شعاع العسل

في دمي...

يرتعش صوتك مثل روعة تهويم القطا

وتلتمع عيناك، نجمتين ممجدتين، فوق فمي

أسبّح... ثم أموت... لأبعث باكرا

قبل حلول فصل الرماد... والجنون.

قديسة الثوار والفقراء!...

ممتلىء بحبك حتى حافة الجمجمة

وجهك مشدود إلى مشيمة القلب بحبل العشق السري

حبك منحوت بالضوء على مرآة القلب

حين يكتمل قدّاس الثورة

أفتح دربك بين ضلوعي

كي أسمع وقع أقدام الربيع

الذي يهبّ من الماضي ليبني عشه في عينيك.

ياأبجدية الحب والحقد!...

دمكِ يتلألأ في أبهى شرفة في العالم

ويغرغر في جسدي

آهٍ... ياأزلية النجوم والجراحات

أنت اليوم تستلقين في الطحلب واللعنة

في دمك يختلج الطوفان

وفي شرايينك تصهل خيول الكبريت

وعقارب الصحراء تنهش أحشاءك

ومخلصك...

غجري يجيد التسوّل... ولايجيد الرقص.

                  ****

 نيقوسيا- قبرص تشرين الثاني 1976

آدم دانيال هومه

سدني- استراليا  ـ   adamhomeh@hotmail.com

 

تقاسيم على أوتار الريح

 آدم دانيال هومه

 

في البدء كان البحر

ومن البحر قذف الموج السلحفاة على الشاطئ

لتكتب سيرة الإنسان على الرمال.

****

 

بما أنك قنديل هداية على مفرق الطرق

فعليك أن تتحمل مجون الرياح.

****

أنا غيمة متقدة في الآفاق                               

تطفح أعماقي بماء لاينضب

أحلم بالهطول بدون انقطاع

لأسقي كل أرض عطشى

وأبلل كل شفة ظمأى

لأعود بعدها إلى أحضان البحر

مضمخا بأريج النجوم

ورحيق التراب.

****

قلبي نبع يترنح بين الصخور

وحيدا يعاقر وهج الجرح

ما بين الصهيل وبين الصدى

يتوغل في أوردة العشب النابت فوق قبور الشعراء

الذين ينزفون ضياء على جذوع نخيل الرافدين

ويتوهجون كالحباحب على ضفاف دجلة والفرات.

في عتمة الدرب

تلوح عشتار من شرفة الحلم كأيقونة الفجر

مكللة بهالة المطر

ويطل گلگامش من بين أكفان الطوفان

مدجّجا بتوائم القيامة

يجرجر خلفه البحر الميت والصحراء العربية.

****

تل نصري... (1)

أيتها الفراشة المضمخة بأريج الزيزفون

المعفرة بالتراب المتناثر من أقدام الملائكة

يانجمة المساء تستحم في نهر من البلور

عندما اذكر اسمك

يترقرق العسل على شفاهي

ويفور الدمع من الأحداق

أتضاءل كالظل في ظهيرة صيف

لأعود طفلا يتمرغ في أحضانك

تجلجل ضحكاتي بين جنبات السموات

فتوقظ الأموات من غفوتهم الأبدية

 وتجعلهم يرقصون في قبورهم

ويعودون إلى عصرهم الذهبي

بين أهازيج الأمواج التي تلامس الأفق البعيد

وعنين النواعير الصادح بين ثنايا الليل

ورنين الأجراس الذي يضيء الظلمة الداكنة

أعود إلى عتبة تلك الدار المتوهجة بالقداسة

حيث كان الله يستدفئ بشمس عشق العذراوات

ويغط في النوم والشخير

تحت ظلال شجرة التوت الباسقة

وحيث كانت الملائكة تترنح سكرى

في أروقة الجنة.

أيتها المدلاة كالثريا فوق أعشاش العصافير

رغم التيه

لم أزل قرويا محضا في الجوهر

 وفي المشاعر والأحاسيس

ولم يزل اسمك يشع

من خلال ثقوب الشمس

فوق غصون الذاكرة.

****

في كأس من المدام

أنسى الماضي والحاضر والمستقبل

وأسقط بطراوة الندى فوق وجنة زهرة النوم.

****

 من حق جميع العصافير أن تنطلق في الفضاء الرحب

مع تباشير كل صباح

ومن حقي أن يكون لي وطن كباقي البشر

أعيش فيه حرا طليقا

منزها عن الخوف

والانحناء لالتقاط فتات الخبز من تحت الأقدام

بعيدا عن الجدران التي تتنصت لنبضات قلبي

أحلم كما أشاء

أمد فيه رجليّ مابين الجبل والبحر

وأتكلم مع الله بلغتي التي لايفهمها أحد سواه

وأريد أن يعود لشفاهي رونقها العذري

كما أريد أن أسبح في بركة الشمس

لتعود إليّ نضارتي وذاكرتي المسلوبة.

****

 من المحال أن تعيش في وطن

يُصادر فيه الماء والهواء

يتحول فيه الأقحوان إلى قنبلة

وتُغتال زهور الياسمين في عزّ رونقها.

****

 لغتي تضيء انتمائي إلى الأمة التي روّضت مهرة الشمس

وامتطت صهوات جياد الكواكب والنجوم

وواكبت طفولة الأنهار والجبال

في أحضانها ترعرع الله حتى نبتت له أجنحة من الزئبق

فحلق بها إلى السماء

ولم يعد .

****

هذا الثور المجنّح الخارق المهيب

في وجهه سيماء الآلهة

يقتات العشب السماوي المقدس

لجبروته تسجد الريح وتذوب السحاب

بإجلال يرفرف في رحاب الأبدية

وفي قدس أقداس الحشمة الإلهية

يجترح المعجزات

وحين تلامس أقدامه الأرض

تنفجر الينابيع

وتخضوضر الغابات والجبال

ومن مسامات جلده يرشح الزيت الطهور

معبّقا بشذى لازورد السماء.

****

 إذا أردت أن تتعرّف عليّ

فعلاماتي المميزة هي... مواطن بلا وطن.

****

قلبي الطاعن في الغربة

يرقص بكل بهائه في زمهرير الحزن

وحين يُتوّج بالفرح

يلملم أحزانه... وينزوي كبغي

داهمها عشيقها متلبسة بالصلاة.

****

 لم أغادر قمقم الحزن إلا مرة واحدة

في الحلم.

****

 لايعيقني اجتياز هذا الطريق طوله ووعورته

وإنما هذا المسمار الناتئ في كعب حذائي.

****

 الاشجار التي لاترتبط ارتباطا وثيقا بالاعماق

تقتلعها العاصفة... وتذريها الرياح.

****

الأمة التي تقف مكتوفة الأيدي على حافة الرمال

تبتلعها الكثبان

ويطمسها غبار التاريخ.

****

 اللغة هي الدرع الواقي لديمومة أي شعب.

****

 الفاشلون الأغبياء هم وحدهم

يتباهون بأمجاد الماضي التليد

بينما هم اليوم

يهلوسون احتضارا على قارعة التاريخ.

****

هؤلاء الأغبياء الأعزاء... أهلي

تخلوا عن أرضهم وكل أمجادهم

وتعلقوا بأذيال ثوب السيد المسيح

 وهو في طريقه إلى السماء

وفي منتصف الطريق بين الأرض والسماء

تهاووا وهم يقبضون على طرف ثوبه المقدس

ولم يستطيعوا الصعود معه إلى العلى

وقبل ارتطامهم بالأرض

كان الآخرون قد اختطفوها من تحت أقدامهم

وهكذا...

خسروا الأرض والسماء

وربحوا الثوب السماوي

الذي انقلب بقدرة قادر إلى بساط الريح

ليمتطوه إلى مجاهل الشتات والضياع.

****

 متى التقت طيور النورس فوق لآلئ الثلج

تدفق التفاؤل والأمل في أوصال الريح

وبدأ جليد القطب يذوب رويدا رويدا.

****

 فليعش كل الموتى المنفيين خارج أسوار ملكوت الوطن

وليسقط الملك الأسطوري المتلألئ في تابوت قدسيته

بين تهاليل شهود الزور المسمّرين على خشبة الخوف

وقد انهار عليهم سقف السماء.

****

أحمق يعاقر أوهامه

رفعوه على الخازوق

ولكن رغم آلامه المبرحة كان يبتسم مزهوا

لأنه ينظر إلى الآخرين من فوق.

****

لاأستسيغ إلا القصائد التي تعاني مخاض النبوءة

وتعشوشب على حوافي البراكين.

****

 القصيدة التي لاتتمرد على طقوس الشعر

ونواميس الطبيعة

هي قصيدة عاقر وزانية

تتعرى على ناصية الريح.

****

 القصيدة الخالدة

هي التي تمطر حزنا وفرحا

وألقا للأرض وللإنسان

ولاتهز خصرها إلا في عرس لقاح الأزهار.

****

 الشاعر الحق

هو الذي يستطيع أن ينفح الروح

 في زهرة من البلاستيك.

ويبعث الحياة في أوصال االكلمات

فتتحول إلى فراشات ملوّنة

ترفرف فوق غصون السماء.

****

 بورك الشعراء الذين يتلألأون في لهيب الذعر

لأنهم سيشهدون قيامة الوطن من بين حرائق الطغاة.

****

 أنا أكثر حزنا من كل الأغاني الكردية.

****

 أيتها الراحلة إلى اللامكان واللازمان

عندما تنساب ذكراك إلى مخيلتي كترنيمة سماوية

فكل ماحولي يشعّ جمالا

وينطلق بالغناء

ويستعيد الماضي شبابه.
في كل ليلة

أرسم صورتك على الطاولة أمامي

وأضع رأسي بين نهديك

وأجهش بالبكاء

كطفل فقد أمه في الزحام.

****

 عندما كنت تغردين على غصن روحي

كانت ينابيع الفرح تتدفق من أعماق قلبي

وتفيض في كل الاتجاهات.

****

 كنا بالأمس إذا اختلسنا اللقاء

 وتشابكت أيدينا

تصببت النار من رؤوس أصابعنا

وأبحرنا في زورق القمر

وتركنا كل ما حولنا يشرئب إلى السماء.

****

 كنت أقف على حافة السماء

لأقطف لك وردة من أعمق الوديان.

****

 كنت كلما نظرت إلى صدرك

أرى الفراشات تتطاير من بين نهديك.

****

أجيء إليك مضمخا بكل حنان العالم

أتعلق بأغصان الريح

يرقص دمي على وقع ذكراك.

****

 تعالي ننشد الحب والجنون

في غمامة حلم لذيذ

في منأى عن شخير الآلهة

وغوغاء الملائكة

وفضول الكهنة اللواطيين

وصرير بوابة الموت

تعالي نبحث عن لؤلؤة المستحيل

في عمق أعماق ذواتنا.

****

 تعالي إلي كعصفورة تحمل بين جناحيها

ضوء رمال السماء

وفي مناقيرها أزاهير المطر.

****

 القلب الذي لايعرف الحب

أشبه بالله الصمد

الذي لم يلد ولم يولد

ولم يكن له كفؤ أحد.

****

 حين تجوع الآلهة تأكل أطفالها الميتين

الذين لم يدركوا صلاة المساء.

****

 إنه مؤمن جدا... جدا

لايقيم الصلاة إلا على قارعة الطريق

وفي المنتزهات العامة.

****                                                                                              

هذا الحمار المقدّس

ذهب صباحا إلى المطحنة

وعاد مساء ينهق بالنبوءات.

****

 ألا يكفي تقديس نعال هذا الإله المهترئ

وتقبيل أياديه الملطخة بالدماء

على امتداد آلاف السنين؟.

****

 رجاء... لملمي شظاياك من فوق سريري

 ودعيني... أنام.

 

*****

آدم دانيال هومه  ـ adamhomeh@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1.    تل نصري: قرية على ضفة نهر الخابور في الجزيرة السورية.

 

مابين ألم الذاكرة ونشوة الحلم

آدم دانيال هومه

 

أنقى وأطهر حب في الدنيا  

هو الحب المتبادل بين الفراشة والزهرة

وما عدا ذلك باطل الأباطيل... وقبض نزوات.

****

جالس على كرسي هزّاز

في أقصى جزيرة في العالم

في أجمل بقاع الأرض قاطبة

بين يديّ سفر الرؤيا

أحاول سبر أغوار ظلال كلمات الوحي والهذيان

غالبني النعاس

ومابين ألم الذاكرة ونشوة الحلم

رأيت في انعكاس مرآة الأمس طفلا يلهو مع أترابه الحفاة

في وحول إحدى القرى النابضة على ضفاف نهر الخابور

يصطاد فراشات الأحلام  

يعدو مع الريح... يسابق ظل الشمس

يصل إلى بوابة دلمون... عند فم الأنهار

حيث تنام الخراف آمنة في حراسة الذئاب

ينسلّ إلى حجرة نوم أوتونابشتيم الملكية

يستلّ من تحت وسادته الرقيّة المقدسة

يقرأ بإمعان ألواح القدر

يشرب من النبع الذي تتدفق منه أسرار الآلهة

يتوشح برداء الأبدية

ويسير مزهوا في شارع الموكب

في مفرق شعره ريشة من جناح الأفعى

 وعلى صدره نبتة الخلود

يحضر بدون استئذان زفاف تموز إلى عشتار

ويودع أريشگيگال في رحلتها الأبدية إلى العالم السفلي

يتبادل أنخاب الخمرة الإلهية مع كلكامش وأنكيدو

في حانة سيدوري

يقضي ليلته في مخدع البغي الطاهرة شمخة

ويعود في عربة العاصفة

مكسوا بريش الأنوناكي

طافحا بأريج الحضارات.

لما فتحت عينيّ

رأيت عجوزا يلهث فوق كرسي هزاز  

في أقصى جزيرة في العالم

يلهو بمسبحة السنين  

يخضل الدمع في مقلتيه

وهو يتذكر طفلا يلهو مع أترابه الحفاة  

في وحول قرية منسية على ضفة نهر الخابور.  

وبينما أمسح عينيّ براحة كفي

تراءت لي حمامة تتوهج بين الأغصان

مثلما تتوهج رسالة غرام في صندوق البريد

وسمعت صوتا كأنه ينزلق من شلال الغيب يهتف بي:

بما أن طريق المجد مفروشة بالأشواك

فينبغي أن تنتعل صندلا من نار.

بما أن السماء ضيقة وواطئة  

فما عليك إلا أن تحلق في سماء ذاتك.

بما أن قبرك ليس على الأرض  

لذا ينبغي عليك أن تصعد إليه.

بما أن نهر الخابور قد شحّت مياهه

فيتحتم على الأطفال أن يتعلموا السباحة في الهواء.

بما أن في أشجار حدائق بابل بقية حياة  

فينبغي عليك أن تشدّ الفرات من قرنيه  

وترغمه على تقبيل أقدامها.

بما أن الله يعيش وحيدا في السماء

فلا بد أنه بحاجة إلى رفيق يؤنسه

ويبدد وحشته.

وأردف الصوت الهادر من غيمة نار في الآفاق:

كانت وستظل نينوى سرّة الأرض

وبابل أيقونة السماء

وسيظل سيف البرق في يد آشور

يدوي صليله في الجهات الأربع.

وعلى حين غرّة  

حملتني يد معشوشبة بالآيات

وعرجت بي إلى مجاهل السموات

وفي الطريق إلى مساكن الرسل والأنبياء

رأيت مالم يُر... ومالايُقال

ولدى وصولنا إلى السماء السابعة

كان الضباب من الكثافة

بحيث لم أستطع أن أرى أو ألمح أي شيء.

ثم عادت بي اليد السحرية إلى الأرض

وأنا أترنح بين الحقيقة والخيال

ووضعتني برفق فوق أعلى قمة في قوس قزح

 وسمعت صوتا بدون كلمات يهمس لي:

هلم انظر نحو الغرب

نظرت

فرأيت أرغفة الخبز تنبت فوق سطوح المنازل

وينابيع خمور وأعسال تتدفق في جنائن

تمرح فيها شقراوات كأنهن عرائس المروج

وغلمان كأنهم رعاة النجوم

يعزفون ألحانا سحرية على أوتار الغيم

وأسراب من النحل والنمل

تجمع الغلال في صوامع  الجبال  

وتبني ناطحات سحاب

وتمد أسلاك الكهرباء إلى أقصى منزل في وهاد الليل  

وتشيد سكك الحديد فوق البحار والمحيطات

وتحفر أقنية المياه في قعر وادي الموت

تحوّل الحجر إلى ذهب رنّان

ومن النفايات تصنع أكسير الحياة

تطهّر الأنجاس

و(تبرئ الأكمه والأبرص وتحيي الموتى)

وجميع الناس... رجالا ونساء

يرتدون قمصان الملائكة  و سراويل الشياطين

يتسامرون

ويتنادمون في الحانات والمطاعم والمقاهي

وعلى شواطئ البحار

وهم يرقصون على أنغام النواقيس ترنّ في السحاب

يحقنون أوصال الصخور بماء الحياة

يمخرون عباب الكون في زوارق الرياح

وفي مركبات الآلهة

يمدون الجحيم بالأنوار من شلالات النار  

ويزودونه بأجهزة التبريد ومكيفات الهواء

وبكل مالذّ وطاب من أصناف وألوان المرطبات

ويطعمون شجرة الزقوم بأشهى أنواع الفواكه والثمار

ويترددون على ملاهيه الليلية على صهوات جياد البرق.

ثم وشوش الصوت المجهول في أذني:

الفلاحة في الحجر

أهون بكثير من تحرير العقل المتحجر

والإنسان بحاجة إلى أن يتعلم كيف يفكر

أكثر من أن يتعلم كيف يقيم الصلاة  ويؤتي الزكاة.

ثم أردف قائلا:

هلم انظر نحو الشرق

نظرت

فما رأيت سوى صحراء مترامية الأطراف

ينعق فيها البوم

وتسرح فيها الذئاب والضباع وبنات آوى

وخياما منصوبة فوق كثبان الرمل

وغجرا يضربون بالرمل والدفوف  

وسلالات مماليك يطحنون الهواء

وأعرابا يتلذذون بشواء لحم العصافير وهي تطير في الهواء

في أيديهم مسابيح مصنوعة من حلمات نهود العذارى

يدبكون في أول الليل حول ركوة القهوة المرّة

على إيقاع المهباج

وفي آخر الليل

يمتشقون السيوف ويتصايحون: يالثارات بني قحطان.

يختلفون على كل شيء

ولايتفقون إلا على وحدانية الله

يقضون النهار بتلاوة سورة النساء

وفي الليل يحلمون بنكاح بنات الملائكة

يستفتون أوليائهم فيما إذا كان لحم العنقاء حلالا أم حراما

في حين يعتاشون من الغنائم والأسلاب.

يتضورون جوعا

ومن حولهم تسرح قطعان الماشية والأنعام

ويسكنون بيوتا من قصب الزمهرير

وتحت أقدامهم آبار النفط ومناجم الذهب والحديد

حفاة عراة

وهم يعملون في مزارع القطن والصوف والحرير

يحملون أفكارا حلزونية

يطاردون أسراب القطا التي تلوح على شاشة الذاكرة

يفطرون على حليب الخرافات

ويتغدون على مرقة الأساطير

ويتعشون على الشاطر والمشطور ومابينهما

بطولات عنترة والزير وأبي زيد الهلالي.

يجترون الماضي

ينسجون حاضرهم ومستقبلهم على أنوال السلف الصالح

ويجمّدون العقول في ثلاجة ابن تيمية

تحرسها شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وينتظرون الولائم من السماء بعد كل صلاة.

ما أن تطأ أقدامهم عالما جميلا ومنظما

حتى يشيعون فيه الفوضى والدم والقاذورات

يحطمون الابتسامات على أفواه أطفالهم

يعلمونهم استعمال السلاح بعد الفطام  

يدججونهم بكل أسلحة الحقد والدمار

يشوهون معالم براءتهم

يختنون أفكارهم ويخصون تطلعاتهم

ويحشون أدمغتهم بطحالب االصحراء

وصور علي بابا والأربعين حرامي.

يرددون كالببغاوات: (الجنة تحت أقدام الأمهات)

بينما الأمهات أشبه بصناديق قمامة تمشي على قدمين.

يحبذون السكن في قيعان الوديان

ويتقاعسون عن صعود الجبال

حيث تلوح طيور كولومبوس في الآفاق

حاملة في مناقيرها مصابيح العلم

التي تضيء مابين الأرض والسماء. 

نشيدهم القومي: (اضرب لاترحم أعداءك)

وشعارهم: (لاتفكر... الله يدبّر).

مرضى

ويتداوون بالتمائم والأحجية

لايستطيعون قراءة الملاحم المنقوشة في الصخور

ولايفقهون من التاريخ سوى حرب داحس والغبراء

 وغزوات الرسول الكريم

ومعركة الجمل

ورفع المصاحف على أسنة الرماح

وحكايات ألف ليلة وليلة

وفتح الأندلس... والليالي الملاح

 وفسق يزيد بن معاوية

ومجون أبي نواس

وحريم سلاطين بني عثمان.

لملوكهم حصة الأسد في الذات الإلهية

ولورثة ملوكهم الأرض والعباد والأبجدية

أما الرئيس العتيد

فيسكن قصر الشعب

والشعب يسكن في الهواء الطلق

يقتات بروائح الشواء المنبعثة من مطابخ قصر الشعب

كل شيء مفقود لدى الشعب

إلا الخوف

يسكن تحت الجلود... وفي شغاف القلوب

ينتصب في كل مكان كتماثيل الرئيس الخالد

حتى الطيور قلقة على الدوام

وشاخصة بأبصارها في كل اتجاه

تحسبا لكل طارئ.

فمنذ دخولهم الحرب إلى جانب الله ضد الشيطان

وهم يدورون في حلقة مفرغة

في كهف الصقيع والظلام.

ثم همس الصوت البتول:

الدين كرة ملتهبة

يدحرجها الشيطان في فيافي الجهل

فتصلي العالم برمته نارا حامية

في حين يجلس الله القرفصاء

على قارعة السماء

يستجدي الفقراء.

وأردف الصوت الممزوج برحيق الألم والأمل:

انظر صوب العراق المضمّخ بالدم والنار

نظرت

فلم أر سوى شجرة باسقة يابسة

ولكن على الرغم من أنها ميتة

لكنها واقفة بشموخ تتحدى غوائل الأزمان والعصور

ينبعث منها شعاعا رائعا ومهيبا

وأطفال يستظلون بأغصانها الباهتة

يقرأون ملحمة التكوين على ضوء قنديل الشعر

وبين الحين والحين

يسقون جذورها اليانعة

الضاربة في عمق أعماق تراب مابين النهرين.

ولما نظرت إلى قمم جبال آشور

رأيت أسراب الغربان

تبني أعشاشها في عمامة الملا كريكار

وأرواح بدرخان بك وسيمكو الشيكاكي وبكر صدقي

تتسلق سلالم النار

وتتقمص أجسام كلاب مسعورة شاردة في الطرقات

تعوي في الليل في أرجاء السليمانية

فيتردد صدى عوائها في مهاباد وديار بكر والقامشلي

وفي النهار

تنبح على المارة في شوارع وأسواق أربيل.

ثم شاهدت الفينيق الآشوري

ينهض