كتابات الأستاذ الأديب ميخائيل ممو ـ السويد
 
 
 

يوم الكتاب العالمي وأهميته

ميخائيل ممو

 حينما يروادنا اسم "الكتاب" أو متى ما تقع أبصارنا على كتاب ما, حتماً سيخامرنا التساؤل بعدة مفردات وجمل التي منها عن: المضمون, المؤلف، الإسلوب،  دار النشر, الطباعة, سنة الطبع, سعته، قدمه وحداثته ، أهمية طروحاته وغيرها من الإعتبارات ذات العلاقة، ومنها أيضاً ما يدعنا نتصفحه مباشرة بإلقاء نظرة على محتويات الفهرس أو المحتوى والمقدمة. ولأهمية ما قيل عن وصف الكتاب، تناقلت عبارات الإشادة من أفواه المشاهير من الأدباء والكتاب والشعراء والسياسيين أيضاً ـ  قديماً وحديثاً ـ  وغيرهم من ذوي الإهتمام بالقراءة والمولعين بالمطالعة، ودليل ذلك المقولة الشعرية الشائعة المتوارثة والمألوفة في اللغة العربية:
" أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ     وخير جليسٍ في الزمانِ كتابُ "
وكذلك ما صيغ بإسلوب آخر مغاير وبذات المعنى
 " وخـيـر جليـس في الزمان كـتاب      تســلو بـه إن خانـك الأصحاب "
ولأهمية وفاعلية الكتاب في تشخيص وتقييم شخصية الفرد سُئل الفيلسوف اليوناني أرسطو، كيف تحكم على إنسان ما؟ فأجاب: أسأله كم كتاباً قد قرأ؟ وماذا يقرأ؟  ومن هذا المنحى شاعت الجملة الشهير" قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من أنت." وكذلك حين سُئل الفيلسوف الفرنسي فولتير عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجاب : " الذين يعرفون كيف يقرأون وغيرها من العبارات التي سنأتي على ذكرها في خاتمة المطاف.
كما علينا أن لا ننس بأن الكتاب هو أكبر شاهد للأحداث والتاريخ البشري، ووسيلة مضمونة شبيهة بالميكروسكوب لمعرفة دقائق الأمور المدونة في الطروس، مثلما يتجلى لنا في آلاف من الرقم الطينية الشبيهة بالكتاب من الألواح والمنحوتات التي ورثت من الحضارات القديمة لتحفظ وتستقر في أروقة وخزائن وسراديب امهات المتاحف العالمية، طالما لا زال يكتنف البعض منها الطلاسم المخفية برموزها اللغوية، ناهيك عن تلك التي لا زالت اسيرة بطون أراضي نشأتها في مهد بلدان تلك الحضارات، وعلى نحوٍ خاص في شمال وجنوب وغرب العراق على ضوء تدوينات استنتاجات خبراء الآثار.
فيما إذا تأملنا قليلاً وغرنا في أعماق الفكر التساؤلي عن صدور أول كتاب في العالم، لإحترنا في الأمر من عملية الجزم، طالما شعوب ما قبل التاريخ الميلادي ابتكرت عملية التدوين بشكل مرحلي من الشكل الصوري بمدلولات رمزية من الرسوم، فالمسماري ومن ثم الأبجدي في أصقاع متفاوتة من العالم، إبتداء من عصر الحضارات القديمة في الشرق الأوسط بما فيه جنوب بلاد ما بين النهرين في العهد السومري والأكدي البابلي الآشوري تزامناً مع العصر الفرعوني في مصر، وتدرج ذلك إلى العهد الفينيقي في بلاد الأرز، ومن ثم حضارات الشرق الأقصى  كالصين والهند ودول أوربية أخرى.

وفيما إذا تعمقنا أكثر من ذلك لإنجرفنا في تساؤلات وإجابات تنقلنا لعملية التدوين والنقش والحفر، وكذلك الأدوات المستعملة وتطور المواد الكتابية من الطينية الفخارية والجلدية والخشبية والنحاسية إلى الورقية البدائية التي ورثت من الصين بمائة سنة بعد الميلاد ليتم تطويرها بمرور الزمن في العديد من الدول كالهند والعراق ومصر واوربا إلى أن ارتقت بأنواعها الزاهية الحالية. وعلى أثر ذلك تزامنت الطباعة اليدوية في صفحات مرقمة، وبالتالي الآلية التي توجتها التقنيات الحديثة في عصرنا الحالي.

هذا ما أردت أن أتوج به مقالتي قبل أن ألج معالم الموضوع الرئيسي الذي يجسده المدخل إلى العنوان المتمثل بـ "يوم الكتاب العالمي" تثميناً وتبجيلاً للحروف التي تصاغ بها ملايين الكتب بما لا يقل عن ستة آلاف لغة من لغات العالم ـ إن صحّ التعبير ـ ، ومنها تلك اللغات التي تم التنبؤ بزوالها وإندثارها، وعلى نحوٍ خاص اللغة الآشورية بتزامن اليوم الذي يحتفى بها يوم 21 نيسان  والمعروفة تأريخياً بالأكدية ومنها البابلية الآشورية أو الآشورية البابلية برموز حروفها المسمارية التي هي منبع وأساس التسميات المستحدثة، والطريق الممهد لنعوت الآرامية والسريانية والكلدانية وما يدخل في دائرتها من لدن مجتهدي ومبتدعي ومبتكري تسمية اللغات كمجددين لإستمراريتها بما جرى على لسانهم من كلام يستأنسهم، كمن يبتدع اسلوباً حديثاً في تشخيص الأدواء بإستحداث فاعلية ذات الدواء المستعمل بتسميات متعددة وكأنه بمثابة الشعر المنحول، علماً بأن الآرامية تم تدوينها وإتسع انتشارها كما يقال بلهجتين هما الشرقية والغربية، بناءْ لشرق وغرب الفرات، لتتبوأ الآشورية مكانة كبيرة في شرق الفرات ـ المسماة باللغة / اللهجة الشرقية ـ في قرى شمال العراق وامتداد حدودها وانتشارها في أوساط آشوريي ما وراء القفقاس من الدول القومية السوفييتية سابقاً ومنها ارمينيا، جورجيا، اوكرانيا، أذربيجان وغيرها من المناطق التي لا زالت تمارس في استعمالها اليومي تسمية اللغة الآشورية المشابهة لما هو عليه في بلاد ما بين النهرين وإيران وسوريا ولبنان ودول المهجر في أوربا وأمريكا واستراليا ودول أخرى، بالرغم من إعتراف السلطات الحكومية لتلك الدول بها، بدلالة تعليمها  وتدريسها في المدارس الرسمية كلغات ثانوية والمناهج التي تطبع بها بموافقة الجهات التربوية الرسمية وغيرها من وسائل الإعلام كإصدار الصحف والمجلات والبث الإذاعي والتلفزي والشبكات العنكبوتية.
وهنا لا يخفى على المتبحرين في الشأن اللغوي بأنه من دواعي زوال وإختفاء العديد من اللغات هو حملات الغزاة على إبادة الناطقين بها ، أو سيطرة لغة رسمية على لغات محلية لأسباب عديدة كما حصل للإغريقية اليونانية القديمة واللاتينية والفارسية والسينسيكريتية الكلاسيكية وغيرها. ولكن علينا أن نعلم بأن النهضة القومية في التاريخ الحديث من القرن الماضي حفزت العديد من الشعوب الناطقة بلغاتها الرسمية والمحلية المعتبرة في عداد اللغات الميتة أو اللغات التي احتوتها قائمة في طريقها إلى الإندثار والزوال، حفزت المشاعر ناطقيها، فتيقظوا وبعثوا الروح فيها مثلما عمل اليهود في إحياء لغتهم رغم تشتتهم في أصقاع الأرض، بحيث أعادوا ديمومتها وأثبتوا وجودها لتكون اللغة الرسمية لدولتهم، إضافة لسيطرتها على العالم الغربي بما تنقله عنها قنوات وسائل الإعلام. إذن لا محالة للغة الآشورية / السريانية ان تعيد مجدها طالما لها مكانتها اليوم من خلال ما يتجاوز المائة مدرسة في الوطن الأم ودول الشتات بجهود الواعين والمثقفين الذين يحرصون على وجودهم القومي والوطني في آن واحد وتدريسهم لها في كافة المواد الدراسية.
يوم الكتاب العالمي:
لكي نلقي الضوء على اليوم المعروف بيوم الكتاب العالمي لا بد أن نستعين بمقررات المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة  ( اليونسكو) التي تعني بإحياء الكثير من المناسبات ذات الأهمية في حياة المجتمع العالمي، ومن تلك المقررات الهامة في حياة الشعوب "يوم اللغة العالمي" المصادف بتاريخ 21 شباط من كل عام الصادر عام 1999، لتلحق به "يوم الكتاب العالمي" بتاريخ 23 نيسان عام 1995. واليونسكو في اعتمادها للتواريخ لم يكن هباءً، وإنما عادة ما تُعتمد بعض الأحداث الشائعة والمؤثرة في حياة شعب من الشعوب. فيوم اللغة العالمي كان مبعثه أحداث الطلبة في جامعة دكا للإعتراف باللغة البنغالية في بنغلاديش يوم 21 شباط 1956. أما يوم الكتاب فمصدره الأساسي يعود لمأثرة دينية بعيد القديس مار جورجيوس (مار كيوركيس) في 23 نيسان 1923 حين تم الإتفاق بين بائعي ومروجي الكتب في أسبانيا على إهداء وردة لكل من يشتري كتاباً في ذلك اليوم، كوسيلة لتكريم الكاتب والمؤلف العسكري الجندي ميغل دي ثيربانتس (سرفانتس) سابيدرا الذي ذاع صيته ككاتب مسرحي وروائي وشاعر أسباني المتوفي في ذات التاريخ. وفي عام 1995 قررت منظمة اليونسكو في باريس إعتماد تلك المناسبة كيوم للكتاب تيمناً بتلك المناسبة الغريبة من نوعها وبغية تقدير وتشجيع المؤلفين والكتاب في شتى الحقول وفي العالم أجمع، إضافة لتشجيع متعة القراءة بين الأطفال والشباب والكبار في العمر والحفاظ على حقوق المؤلف مهما كانت نتاجاته. علماً بأن التاريخ ذاته يصادف أيضاً ذكرى وفاة وليم شكسبير 23 نيسان 1616 أبرز وأعظم كاتب مسرحي لحد يومنا هذا، إضافة إلى ذكرى ولادة ووفاة العديد من مشاهير الكتاب العالميين الذين منهم وفاة الكاتب الأسباني إنكا غراسيلا دي لا فيغا يوم 23 نيسان 1616 ، وفاة الصحفي والكاتب الأسباني جوزيف بلا 23 نيسان 1981 ، ولادة الكاتب الروسي الأمريكي فلاديمير نابوكوف عام 1899،  ولادة الكاتب الفرنسي موريس درون بتاريخ 23 نيسان 1918، ولادة الأديب الآيسلندي 23 نيسان 1902 والحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1955، ولادة الكاتب والصحفي الكولومبي مانويل ميخيا يوم 23 نيسان 1923، كذلك العديد من المؤلفين والكتاب في حقول العلوم المختلفة. كما وأن معظم الذين نوهنا عنهم فاقت أعمارهم عن السبعين عاماً وخلفوا آثاراً قيمة من المؤلفات ذات الشهرة الواسعة إلى جانب مكتباتهم الشخصية العامرة بأمهات الكتب التي كانت لهم معبد الفكر، وكما يقول الفيبسوف الألماني آرثر شوبنهاور المتوفي عام 1860 بأن " المكتبة ـ الشخصية أو الرسمية ـ هي الذاكرة الوحيدة المؤكدة المستمرة للفكر الإنساني" وقد صدق في قوله طالما تلك الخزائن هي معتكف المفكرين من الأدباء والشعراء والمؤلفين ومنبع تألقهم الدائم في الحفاظ على ما تجود به قرائحهم، إلى جانب شبكات المنابر الإعلامية الإلكترونية التي هي الأخرى ساهمت على حفظ وحماية ما توارث عنهم في الخزن وسهولة الإطلاع على مآثرهم دون عناء.
بعد إقرار هذا المشروع الحيوي لا بد من التمهيد له على مستوى عالمي، كونه يعمد إلى تلك المؤسسات التي تتولى عملية النشر والبيع والمكتبات ليتم من خلالها إختيار مصطلح "العاصمة العالمية للكتاب" لعام كامل إبتداءً من 23 نيسان الذي حظيت به عام 2009 بيروت عاصمة لبنان، وكما قيل عنها وما هو متعارف عليه بأن " مصر تطبع وبيروت تنشر وفي العراق تتم القراءة" وفي  عام 2011 مدينة بوينس أيرس عاصمة الأرجنتين، ويعنى بها الهواء العليل أو الرياح الطيبة، وفي عام 2012 تم إختيار مدينة يريفان عاصمة أرمينيا كعاصمة عالمية للكتاب، ومن ثم في عام 2013 مدينة بانكوك عاصمة تايلاند، وفي عام 2014 مدينة بورت هاركورت في نيجيريا. وعادة ما يتم الإختيار وفق اعتبارات ثقافية وأدبية وبرامج إعلامية تثقيفية. وفي مطلع يوم الكتاب جرىت العادة في أغلب الدول على قراءة قصة الكاتب الأسباني ميغل دي سرفانتس مؤلف رواية دون كيشوت أو كيخوت بإعتبارها من الأعمال الأدبية الأكثر شهرة وإنتشاراً في الأدب الأوربي بترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية والمحلية، ولكون مناسبة يوم الكتاب استشف من يوم وفاته. 
 
أهمية يوم الكتاب العالمي:
لا يخفى على أحد بأن أهمية أي عمل إنتاجي يتأتى من الحاجة القصوى له، وبالتالي ما يدري ويسبغ ذلك العمل في العطاء من نفع عام على أبناء المجتمع. وبما أن التدوين هو مصدر حفظ أهمية الإبتكار والإستنتاج، فلا محالة من أن يكون للكتاب دوره الرئيسي في إداء تلك المهمة لأي مشروع مبتكر، إن كان علمياً أو أدبياً، وعادة ما يكون الكتاب بمثابة تلك الشارة الحسنة والمميزة الوضوح لإجتياز الطريق القويم في دروب الحياة العملية. ولكي نكون أكثر معرفة وعلماً من أهمية يوم الكتاب العالمي، عمدنا أدناه على صياغة العديد من النقاط الإيجابية التي بالإمكان إنجازها وتنفيذها رغم أهمية وفاعلية البعض منها سلفاً.
 
ـ منح جائزة اليونسكو في الأدب للأطفال والشباب.
ـ تشجيع وتعزيز القراءة بشكل عام لكافة الأعمار.
ـ التعريف بالأدباء والشعراء والكتاب ومؤلفي الحقول المعرفية.
ـ التذكير بحماية حقوق المؤلفين من التجاوزعلى طبع ونشر مؤلفاتهم.
ـ إحترام وتقدير ذوي الفكر من خلال ما تقدح به أفكارهم.
ـ دعم وإسناد عملية النشر والطبع والتوزيع.
ـ حث المرء على إقتناء الكتب وتأسيس مكتبة مصغرة في كل بيت.
ـ نشر الوعي بغية تثقيف الإنسان ـ صغيراً وكبيراً ـ من كلا الجنسين.
ـ إقامة معارض الكتب في أرجاء العالم للتعريف بها.
ـ إقامة حفلات خاصة بالجمعيات يكون دخوليتها بمثابة كتاب.
ـ إقامة نصب تذكاري لمشاهير الكتاب وما له علاقة رمزية بالكتب.
ـ إصدار طوابع خاصة برموز التأليف والكتب القديمة والحديثة.
ـ تشجيع الفنانين وحثهم على إتحاف المؤلفين بتصاميمهم المُعبرة.
ـ مهرجانات وأمسيات تكريمية للناشئة من الكتاب والمشاهير أيضاً.
ـ تنظيم محاضرات ومناظرات عن أهمية الكتب الشائعة الإنتشار.
ـ إنتقاء عدد من المؤلفين والتعريف بسيرهم الذاتية ومؤلفاتهم.
ـ إضفاء صفة كاتب العام أو كتاب السنة تثميناً لهما.
ـ تخصيص يوم الكتاب في المدارس لإقامة مشاريع تبرز أهميته.
ـ حث طلبة المدارس في المراحل المتقدمة على المشاركة مسابقات بحثية.
ـ تحفيز مشاعر التلاميذ في كافة المراحل على تجسيد ذلك اليوم بقصائد شعرية.
ـ تنظيم زيارات جماعية لطلبة المدارس إلى المكتبات الرسمية في كل منطقة.

ـ حث الوالدين على شراء الكتب الممتعة وتقديمها كهدية لأبنائهم إحتفاءً بهذه المناسبة.

قالوا عن الكتاب:

كما نعلم بأن لكل عمل ميزاته وصفاته التي يكنى بها، ومنها ما صيغت وضُربت به الأمثال والحكم سواء في كتب الشرائع الدينية والسماوية من أفواه الأنبياء والرسل أو من لدن رجال الفكر والفلسفة. ولأهمية وجدوى الكتاب في حياة الإنسان تمت الإشادة به منذ العصور الأولى للتاريخ البشري ولحد يومنا هذا، بحيث عكف المفكرون وصفه ونعته بما لا يحصى من التعابير والتشبيهات ـ  نثراً وشعراً ـ التي انتقينا منها ما يأتي:
ـ الكتاب دليل الحيوية الفكرية.
ـ الكتاب معلم صامت.
ـ الكتاب هو غذاء الفكر.
ـ الكتاب هو وعاء من نور.
ـ الكتاب هداية للدفاع عن النفس.
ـ الكتاب هو أكثر مما هو كتاب.
ـ الكتاب هو بمثابة نصب تذكاري.
ـ الكتاب خير صديق للإنسان.
ـ الكتاب مصدر إشعاع ثقافي وحضاري.
ـ الكتاب هو ما ننظر اليه عندما يتعطل جهاز الحاسوب والتلفزيون.
ـ الكتب هي وثائق اعترافات وشواهد صريحة للمؤلف الصادق.
ـ الكتب سعادة الحضارة.
ـ الكتب تحيا والقوانين تموت.
ـ الكتب هي التي تصنع العظماء.
ـ الكتب تمثل أقوى أدوات للقضاء على الفقر وبناء السلام.
ـ الكتب تنبه البصيرة وملكة الإستقصاء.
ـ الكتب أجمل أثاث في البيت حتى إذا لم تقرأها.
ـ الكتب سعادة الحضارة بدونها يصمت التاريخ.
ـ الكتب منارات منصوبة في بحار الزمن العظيمة.
ـ الكتاب مصدر ثري للمعلومات.
ـ الكتب هي ممتلكات البشر المختارة.
ـ أول القراءة كلفة وآخرها ألفة.
ـ الأفكار لا تحيا إلا بالكتب.
ـ القلم سيف بتار والكتاب غمده.
ـ كلُ شيء منذورٌ للموت إلا ما كُتب".
ـ الإنسان القارئ تصعب هزيمته.
ـ بيت بلا مكتبة جسد بلا روح.
ـ أن القراءة مفتاح العالم.
ـ الأمة التي لا تقرأ الكتب تموت قبل أوانها.
ـ الأمة التي لا تحيي وجود ادبائها ومبدعيها لا وجود لها.
ـ الأمة التي لا تهتم بالكتاب لا ثقافة ولا إرثا حضاريا لديها.
ـ ثلاثة عناصر تحيي الأمة: قلم الكاتب، حانوت البقال وأرض الفلاح.

الخلاصة:
ما يسترعي انتباهنا في خلاصة ما أشرنا اليه، تحتم الضرورة القصوى أن نصل عن مدى اهتمام شعوب العالم بإهمية وجدوى الكتب من خلال الإحصاءات الرسمية التي تصدر عن المؤسسات ذات العلاقة كمنظمة اليونسكو مثلاً ودور النشر العالمية والمكتبات وغيرها من المصادر التي تعلن عن نسبة قراء الكتب ونسبة الإستعارة من المكتبات الرسمية لكل بلد، ومنها أيضاً عن الكتب الأكثر شيوعاً بالمبيع وغيرها من الإعتبارات الخاصة بالكتب، وعادة ما يتم التصريح والإعلان عن ذلك بين فترة وأخرى. ولكي يكون القارئ على معرفة من ذلك حاولنا جهد المستطاع أن نستقصي ما توصلت اليه تلك المؤسسات، حيث تبين في تقرير صادر عن " التنمية البشرية لمنظمة اليونسكو لعام 2003 بأن الفرد العربي يقرأ أقل من كتاب واحد بكثير، أي كل 80 شخصاً يقرأون كتاباً واحداً في السنة، مقارنة بما يقرأ الأوربي نحو 35 كتاباً في السنة. وعن تقرير التنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي في عام 2011 أشار بأن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق في السنة، بينما الأوربي يقرأ بمعدل 200 ساعة في السنة.
كما تبين في تقارير أخرى بأن ذات النسبة تقريباً تتراوح لدى القارئ العربي على وفق ما أشارت اليه المنظمة الأمريكية المستقلة للفنون لرصد الكتب المباعة في دول العالم ومعدلات القراءة في كل دولة فكشفت عن أن الأمريكي يقرأ 18 كتابا في السنة، والروسي 6 كتب، والأوروبي 15 كتابا، أما المواطن العربي فيقرأ ربع صفحة في العام.
وفيما إذا افترضنا بأن تلك التقارير والدراسات البحثية فيها نوع من المبالغة بالنسبة للقارئ العربي، فإن الواقع المشار اليه لا يتعارض مع الحقيقة التي تؤكدها نسبة الكتب المطبوعة والمنشورة في الوطن العربي ، مقارنة بما ينشر في العالم الأوربي مثلاً ، وقياساً بعدد سكان العالمين، حيث أن تقرير اليونسكو لعام 1991 على سبيل المثال، أفاد بأن ما تم نشره من كتب في الدول العربية بلغ 6500 كتاباً، بينما في أمريكا الشمالية 102000 كتاباً، وفي أمريكا اللاتينية والكاريبي 42000 كتاباً. (تقرير التنمية البشرية لعام 2003، النسخة الإنجليزية، ص 77). علمأ بأن تلك الفترة  لم تكن على ما هو عليه اليوم من أوضاع في البلدان العربية بعامل تقلص فاعلية دور النشر وشحة تعضيد المؤلفين بسبب الازمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، رغم تزايد سكان العالم العربي مقارنة بالدول الأوربية.  
كما ويشير تقرير آخر بأن ما ينشر في البلاد العربية عن عدد كتب الثقافة العامة لا يتجاوز عن 5000 كتاب، بينما في أمريكا يصدر سنوياً حوالي 300 الف كتاب.                                                  

وفي خاتمة المطاف ينبغي على العالم العربي من خلال مؤسساته الرسمية اللغوية والثقافية ومؤتمرات مجامعه اللغوية والجامعية أن يتساءل بما مفاده: أين هي أمة "إقرأ"؟ ولماذا لا تقرأ؟ هل تناست وتغافلت عن فعل الأمر في بداية سورة العلق بآياته المتوالية " إقرأ بإسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق", وأين إصدارات القلم؟  من " إقرأ وربك الأكرم, الذي علم بالقلم, علم الإنسان ما لم يعلم". آملين أن لا تكون الحجة الواهية من منطلق استحداث التقنيات المعاصرة التي استبدلت القراءة والنشر الورقي بالقراءة السريعة العابرة والنشر الإلكتروني الزائل وفق ظروف الإحتواء الزمني المحدد بالرغم من بعض الإيجابيات التي تفرض عكس ذلك.
 


بمناسبة احتفالية الشاعر فلاديمير فيسوتسكي

 

وفي اليوم المصادف 28 تموز كانت قد مضت على وفاته أربعة أيام، فتم نقل جثمانه ليوارى الثرى في مرتع ولادته ونشأته من العاصمة موسكو في مقبرة عظماء الوطن الأم إلى جانب من تم تمجيدهم من الرواد، وبين اولئك الذين ضايقوا عليه حياة الحرية وديمقراطية الرأي ليقترن اسمه بأحد عظماء الفكر التقدمي والتحرري ومقارعة الظلم والطغيان، بحضور ما يقارب المليون شخصاً من المشيعين على وفق تقديرات ما كتب عنه في الوسائل الإعلامية، وذلك في الفترة التي تزامنت مع دورة الألعاب الأولمبية في موسكو من نفس العام . فكان لهذه المناسبة وقعها على الحكومة كونها بمثابة تظاهرة احتجاجية دفاعاً عن آراء ومواقف فلاديمير التي حدت فيما بعد بالرئيس غورباتشوف أن يعلن الحرية لأعماله، وعلى آثر ذلك صدرت العديد من الكتب عن حياته ونشرت القصائد والمقالات لرثائه علناً، لتتولى أرملته مارينا على إصدار كتاب خاص عنه. وفي عام 1985 أقيم له نصباً تذكارياً على قبره من تصميم وعمل النحات الروسي الكسندر روكافيش نيكوف، ازاحت الستارة عنه زوجة أبيه يفكينيا ليخالاتوف بحضور العديد من الشخصيات والمعجبين بأعمال فلاديمير. وكما يبدو في صورة التمثال وكأنه مقيد بالسلاسل، لكنه تعني أجنحة شبيهة بالملائكة حامية له. كما وتم فيما بعد تدشين تمثال آخر في مدينة ماغادان بأقصى شرق روسيا من قبل النحات يوري رودينكو بعنوان " سأحكي لك عن ماغادان " يمثل سطراً من قصيدة فلاديمير أثناء زيارته لتلك المدينة التي كانت معقلاً للمعتقلات الستالينية في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد شمخا هذان المعلمان على أرض روسيا ليصبحا الدرب الممهد على استقطاب الزوارعلى نحوٍ دائم، إلى جانب ما قامت به مجموعة من الفنانين الكبار في دار الموسيقى بموسكو على افتتاح غرفة خاصة في مكتب فيسوتسكي في متحفه، جُمِعَت فيه كل ما تركه من حاجيات متمثلة بالصور والكتب وأزياء أدواره المسرحية والسينمائية وقيتاره ليتسنى للزوار الإطلاع عليها ومشاهدتها عن كثب. كما أنه عادة ما تقام سنوياً المعارض والأمسيات الثقافية والفنية إحياءً لذكرى رحيل الممثل والمغني والشاعر الروسي الشهير فلاديمير فيسوتسكي في روسيا والعديد من الدول جاعلين منه رمزاً للحياة الحرة الكريمة على مقارعة الفساد والظلم والطغيان ودكتاتورية السلطات بدلالة يقظة الحكومة الروسية عام 1987 وإقدامها على منحه جائزة الدولة بعد وفاته، ومن ثم إحياء ذكراه التاسعة عشر بدلالة الطابع التذكاري الصادر عام 1999 ليجسد وجوده الدائم في ذاكرة التاريخ.
 

                                        ميخائيل ممو

mammoo20@hotmail.com                                     


في رسالة خاصة من معهد ومتحف فلاديمير فيسوتسكي في مدينة كوسالين البولندية الواقعة شمال غرب بولندا بالقرب من بحر البلطيق، تمت دعوتي للمشاركة مع أربعين شاعراً ومترجماً من كافة أنحاء العالم في مهرجان عالمي لإحياء ذكرى الشاعر الروسي فلاديمير فيسوتكي (1938 ـ 1980) الشاعر الإسطورة والمغني والملحن والممثل لترجمة قصائده بلغات مختلفة ومن ضمنها اللغة الآشورية.
ومما جاء في الدعوة بأنه سيتم افتتاح المهرجان بعرض قصائده المترجمة في المتحف الذي يتصدر اسمه، حيث سيشارك العديد من المؤلفين والشعراء والمترجمين المعروفين والبارزين بهذا العمل ومن دول مختلفة، وعلى نحوٍ خاص بتلك اللغات التي لم تترجم أشعاره إليها، ومنها اللغة الآشورية. وستكون نتيجة المشروع إصدار كتاب شامل يتضمن القصائد المترجمة بأسماء المشاركين من الشعراء والمترجمين والمساهمين في هذا المشروع.
ومما ورد في الدعوة: " إنه يشرفنا أن تكون من بين المشاركين في هذا المهرجان الشعري العالمي بترجمة عدد من القصائد إلى اللغة الآشورية، وإن ذلك سيكون لنا من الأهمية بمكان في متحف ومعهد الشاعر فلاديمير لمشاركتك في المهرجان الذي سيقام بتاريخ 17 ـ 19 كانون الثاني 2015. كما وإن مشروع مهرجان الشعر العالمي هو الثاني من نوعه على غرار المهرجان الأول الذي تضمن بدوره 51 شاعراً من 15 دولة ترجموا 115 قصيدة شعرية ونصوص غنائية للشاعر فلاديمير متضمنة 38 لغة".
"
ومما يدعني القول أن يغفر لي طموحي الأكاديمي بأن الترجمة ليست فقط لمتحفنا ومعهدنا، وليس لزوارنا فقط ، وكذلك ليس فقط لمعجبي ومحبي فلاديمير فيسوتسكي، وإنما لمكانته وإبداعاته بغية الحفاظ على اسمه لأجيال المستقبل، ليكونوا على معرفة بأهمية هذا الشاعر الفذ المبدع، كونه الشاعر الكبير والممثل والمغني والملحن المثير الإهتمام للذين يأتون من بعدنا. ولكي تتمكن من إداء الترجمة يمكنك الإعتماد على القصائد المرفقة في الموقع المشار اليه وبلغات عديدة ومنها الإنكليزية والسويدية والعربية ولغات أخرى لعلها تجديك نفعاً وتسهل عليك عملية الترجمة ". دكتورة مارلينا زيمنا ـ بولندا.


***

وأخيراً بعد أن اكتملت أوليات مشروع جمع القصائد المترجمة والشروع بتبويبها وإخراجها، بوشر بطبعها وإصدارها في كتاب من الحجم الكبير بعنوان " فلاديمير فيسوتسكي في ترجمات حديثة " محتوياً بين دفتيه 59 لغة حديثة من القصائد ونصوص الأغاني البالغ عددها 117 قصيدة مترجمة من الروسية في 148 صفحة، مع تعريف بالإنكليزية عن كل لغة ، إضافة إلى السيرة الذاتية للشعراء والمترجمين الذين ساهموا في عملية الترجمة والبالغ عددهم 63 مترجماً من 26 دولة على ضوء صورهم المنشورة على وجه الغلاف ومن ضمن الكتاب أيضاً مع سيرهم الذاتية. ولمعرفة مصدر الحصول على الكتاب بالإمكان الكتابة إلى البريد الإلكتروني الآتي: museum@wysotsky.com  علماً بأن الكتاب صدر بالترقيم الدولي المدون أدناه:
 ISBN-10: 1505418585
 ISBN-13: 978-1505418583

من مدعاة هذا المشروع التذكاري هو تقدير وتقييم هذه الشخصية المتميزة لإحياء ذكراه بمناسبة مرور 34 عاماً على رحيله، ليبلغ ما ترجم من قصائده في جزئين ما يقارب المائة لغة من لغات العالم بإهتمام معهد ومتحف فلاديمير فيسوتسكي في مدينة كوسالين البولندية. وبغية الإطلاع على ما ترجم للشاعر من لغات (من ضمنها العربية) في المهرجان الأول فقد تم نشرها في الرابط الآتي:
 
http://koszalin.wysotsky.com
لكي يكون القارئ الكريم على معرفة عن سيرة حياة هذا الشاعر الفذ وأعماله التي ترنحت لها قلوب الملايين، نستعرض فيما يلي جوانب هامة من معايشاته العملية على أرض الإتحاد السوفييتي التي ولد فيها عام 1938 في موسكو من والدين روسيين هما سيمون (1916 ـ 1980) فلاديموروفيج فيسوتسكي، كان ضابطاً في الجيش، ونينا ماكسيموفنا كانت تعمل مترجمة من الألمانية. بعد ولادة فلاديمير بفترة قصيرة انفصل والداه عن بعضهما ليستقر به المقام مع والده في حضن زوجة أبيه الثانية يفجينيا ليخالاتوف الأرمنية الأصل ولمدة سنتين، وذلك في إحدى القواعد العسكرية الألمانية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومن ثم تولت رعايته والدته نينا لحين اتمامه المدرسة الثانوية، ليلتحق فيما بعد بكلية الهندسة المدنية ما بين عام 1955 ـ 1956 ، وحين وجد بأن إهتماماته الفنية التي كان قد بدأها قبل ذلك عام 1953 في فرقة محلية للمعلمين تغلبت مشاعره على طبعه المهني الهندسي، فترك دراسته ليلتحق بقسم التمثيل المسرحي في مدرسة مسرح موسكو للفن الأكاديمي وتخرجه عام 1960. وعلى أثرها باشر عمله المسرحي في مسرح الكسندر بوشكين في موسكو، فذاع صيته آنذاك ليحدو الأمر بالمخرج يوري لوبيموف مؤسس مسرح تاغانكا للتمثيل الدرامي والكوميدي الذي تأسس في 23 نيسان 1964 أن يتصل بفلاديمير ويعرض عليه فكرة الإنضمام لمسرحه. وعلى ضور الإتفاق باشر عمله منذ عام 1964 كعضو في مسرح تاغانكا ، مؤدياً الأدوار الرئيسة في التمثيل الدرامي كمسرحية هاملت لشكسبير ودون جوان وحياة بريشت غاليلو وغيرها من المسرحيات إلى جانب أدواره الهامة في عدة أفلام ليحتل اسمه عناوين رئيسية في بعض الصحف. وفي هذا الصدد يتحدث الكاتب الروسي أندريه أندرييفيتش فوزنيسينسكي مما دونه في روايته التي استلهم مضمونها من معايشاته اليومية مع العديد من الادباء والشعراء والفنانين ومنهم فلاديمير، متحدثاً على لسانه حسب ترجمة الأستاذ عدنان المبارك المنشورة في موقع الساخر.
"
جاء الى غرفتي يوري لوبيموف. فتيا بجسده الرياضي ، مرتديا سترة بالونية سوداء ببطانة حمراء. قدم مع لفينا المدير الأدبي للمسرح وإقترح عليّ عروضا في المسرح الجديد. وكان المسرح قد أعد الجزء الأول من عرض لأشعاري. وفي الجزء الثاني ألقيت الأشعار بنفسي. إجتمعنا خلال أمسيتين. وبهذه الصورة ولد العرض المسمى ( ضد العوالم ) . قدّم ثمان مرات على هذا المسرح. أما العروض الأخرى فكانت أكثر بمرتين في اضعف الأحوال. وحين أعددنا العرض التالي لم نفترق لحوالي نصف عام.  

 الحناجر الشابة الموهوبة كانت ترافق القيثارة بصراخها ضد العوالم - هراء. ومن بينهم كان هو الأكثر إهمالا ولامبالاة كما لو أن سحرا ما يقيه من الموت. فتى مربوع القامة يرتدي على الدوام سترة شبابية مرفوعة الياقة. كان ينحني الى الأمام كأنه عدّاء مسافات طويلة يتأهب للسباق.


كما وأضاف على قول الراوي ما يأتي: "في العام الثاني والأربعين من الحياة يصدر كتابك الأول ، وفي العام الثاني والأربعين من الحياة يصدر كتابك الثاني والثالث أيضا، سيكون عمرك 42 سنة حين يصنعون لك نصبا - كل شيء في هذه ال 42 سنة الأبدية."
من المُلفت للنظر، ونحن نتابع ما رواه أندريه، يبادرنا التساؤل والإستغراب. هل يكون ما أشار إليه هو نوع من المناجاة، ومن نسج الخيال؟ أم أن ما رواه يمثل جانباً من التكهن الحدسي؟ فإن كان ذلك فهو ما تنبأ به له بشكل مباشر، طالما يعتمد صيغة المخاطبة. أما إن كان تدوينه عكس ذلك، فلا محالة من أن الحقيقة امتثلت لرأيه بعد الرحيل الأبدي وهو في الثانية  والأربعين من العمر ، وقد تم تنفيذ كل ما أشار إليه زميله أندريه، بدلالة المواهب الشعرية والموسيقية الغنائية التي برزت وانتشرت ليفرض نفسه شاعراً وممثلاً وملحناً ومغنياً روسياً معارضاً للسلطة بأعماله الإبداعية المتمثلة بقدراته الفنية العالية ونتاجاته الشعرية المؤثرة من خلال ما تصدح به حنجرته بالحانه الراقصة المثيرة والمطعمة بروح الإستهجان والإستخفاف بمواقفه الجريئة من الأوضاع القاسية التي يعانيها المجتمع آنذاك من السلطة الحاكمة بهيمنة الحزب الشيوعي أيام نظام الإتحاد السوفيتي، حيث كان يزدري الوضع بإنتقاد لاذع ومباشر، مجسداً ذلك في قصائده وأغانيه الشعبية وعروضه المسرحية وأفلامه السينمائية، وعلى نحوٍ خاص ما كان ينشر عن غياب رقابة السلطة.
من هذا المنطلق، ونظراً لمواقفه الشديدة في الدفاع عن معاناة المواطن الروسي والمكانة التي اتخذها في قلوب المواطنين، أدت بهم لنعته بألقاب لم ينلها احد من قبله أو بعده، فقد لُـقّب بقلب الأمة، وكذلك بالنبي الذي لا كرامة له في وطنه، والنجم الذي اكتشف بعد وفاته.  لهذا تبين بعد رحيله عام 1980  مدى دور المعارضين والمنشقين في حياة المواطنين، فحدا الأمر بيوري اندرويوف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي أثناء توليه منصبه 1982 ـ 1984 تخفيف الضربات الموجعة لهم ولمناصريهم، ممهداً الطريق لمن يأتي بعده.  وعلى أثر إنفتاح سياسة إعادة البناء أو البريسترويكا في عهد رئيس الدولة ميخائيل غورباتشوف اتخذت أعمال فلاديمير طريقها لحرية النشر تقديراً وتثميناً لما كان ينادي به توافقاً وتزامناً مع السياسة الجديدة للإتحاد السوفيتي، ليستقبل المواطنون أعماله بحرية تامة متخذة طريقها على الإنتشار في النوادي والمصانع والجامعات وعلى مستوى عالمي أيضاً، تيمناً بالجرأة التي كان قد تحلى وتميز بها أيام النضال السلبي. ومما ينبغي الإشارة إليه دور مسرح تاغانكا ليكون فلاديمير تلك الشعلة الوهاجة التي تبناها وإعتمدها مؤسس المسرح يوري لوبيموف كمدير ومخرج ذو باع طويل على مدى نصف قرن ليعاني هو الآخر ما عاناه فلاديمير كونه لمّ شمل كبار نجوم السينما السوفييتية بتقديم عروض مسرحيات سياسية ودينية لاقت الإعجاب الكبير رغم الرقابة المسلطة على رقاب أعضاء فرقته، لتشد من عزمها في بداية الثمانينيات على منع عروضه المسرحية، وبالتالي نفيه عام 1984 من الإتحاد السوفييتي وتجريده من الجنسية ليستقر به المقام في العديد من الدول التي استقبلت عروضه بإمتياز في أمريكا والدول الأوربية وعلى نحوٍ خاص مسرحية " الجريبة والعقاب" للكاتب الروسي الشهيرفيودور دوستوفيسكي ونيله جوائز عديدة عليها. كما وأنه ليس من الغريب فيما بعد أن تتراجع السلطة الحاكمة عن قرارها بدعوته للعودة والسماح له بممارسة أعماله من خلال ذات المسرح الذي هزت أرضيته بعض الظروف التي أدت إلى إنشطار الفرقة الجامعة عام 2010 وديمومته في أعماله إلى اليوم الذي وافته المنية عام 2011 في موسكو، ليكون مصيره بعد الوفاة كمصير عموده الفقري فلاديميرمن خلال ما كتب عنه.
لنعود ثانية  ونستذكر العمود الفقري لفرقة مسرح تاغانكا، وحسب المصادر التي ذكرت بأن أبرز وأشهر ما كتبه فلاديمير بإسلوب ومنحى غنائي مؤثر، شهد لها الشعراء والنقاد، ومنها التي كانت عن الحياة في السجن السوفياتي (فقط الحكم النهائي هو الأسوأ) والنفاق السوفياتي الرسمي (اني أحزن على وضع هذا الشرف إلى هزيمة) ، ومن جملة أغانيه الشهيرة "على شفير الهاوية" ، "أنقذوا أرواحنا" ، "صيد الذئاب"، "أغنية عن صديق" إلى جانب أدواره الجريئة في مسرحياته المليئة بالسخرية والمشاهد المضحكة مثل: الحمام ، البقة وغيرها..
ولكي يخفف من انفعالاته النفسية الحادة المشوبة بالإدمان على الكحول وغيرها، أقدم على الزواج عام 1959 من إيزا جوكوفا كأول شريكة حياته التي انفصل عنها فيما بعد، ليحقق حلم زواجه الثاني عام 1961 من لودميلا ابراموفا ليتم الإنفصال بينهما أيضاً. وفي تموز 1967 يلتقي الممثلة الفرنسية الروسية الأصل مارينا فلادي التي كانت متزوجة سابقاً. ومن خلال فلم مشترك تنشأ بينهما علاقة حب وإعجاب ليحققا حلم الزواج عام 1970 الذي إستمر على مدى عشر سنوات. ولكي تخفف مارينا من عبء زوجها وهمومه انضمت الى الحزب الشيوعي الفرنسي لتجد حلاً على سفر فلادمير بصحبتها إلى فرنسا ليعيشا معاً على قرب وتحت سقف واحد، ولتبعد ـ نوعا ما ـ ملاحقات السلطة له من مواقفه النقدية والتهكمية الواضحة التي دوّى صداها في المجتمع، بحيث أدت به تلك الفترة الصاخبة أن يعيش حالة اليأس والقنوط محفزة أياه أن يشد من عزمه بهيجان جرأته، منتفضاً بكتابة احتجاج إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ممتعضاً من موقف الحكومة على منع أغانية وأشعاره التي لم تتخذ الشكل الرسمي على نشرها وطبعها، دون أية استجابة لمطلبه.
في عام 1969 كانت قد ساءت صحته ليغمى عليه ويعيش في غيبوبة لتقوم زوجته مارينا العناية به وإعادة صحته لحالتها الطبيعية، مواصلاً عمله بشكل دائم، رغم كل المضايقات التي عاناها في حياته وآلمته بحيث لم يتوانى في التجوال داخل وطنه، ومن خلال ذلك تتسنى له الفرصة بوجوده في استونيا ولأول مرة على استضافته في مقابلة تلفزيونية خاصة بعنوان " شاب من تاغانكا " في حدود الساعة الحادية عشرة من ليلة 15 تموز 1972 متحدثاً عن أعماله. وكذلك شاءت الظروف للمرة الثانية أن تتم مقابلته علناً في مقاطعة جيجنيا في القفقاس.
في منتصف السبعينيات من القرن الماضي أدمن فلادمير بشكل منقطع النظير على الكحول واستعمال المورفين والمخدرات، جاعلاً من إدمانه طريقاً لنسج مفردات قصائده الشعرية الحادة بألحان غنائية مؤثرة على مشاعر جماهير المجتمع المتضجر والمُنهك من سياسة السلطة الحاكمة، وليتم حفظها عن ظهر قلب من قبل الملايين. ومن الجدير ذكره بأن من كان يظهر موقفه علناً عادة ما يعرض نفسه للقصاص، وأكبر دليل على ذلك ما صرح به الكاتب الروسي الذائع الصيت ميخائيل شيشكين الذي عانى هو الآخر ذات المعاناة ـ في روسيا اليوم ـ ليستقر به المقام عام 1995 في سويسرا حين قال: بأن والدته الأوكرانية التي كانت مديرة مدرسة ثانوية في موسكو قد أعفيت من منصبها بعد أن أقامت أمسية أدبية عن الشاعر فيسوتسكي.
ومما ذكر عنه في " أنباء موسكو" عن الفيلم الذي يروي قصة حياته بعنوان " فيسوتسكي, شكراً لأنك حي" مشاهد له في آسيا الوسطى، وهو ملاحق من قبل قياديين من الحزب الشيوعي والاستخبارات، متطرقا إلى لحظات من الخلافات الداخلية للقيادة، تخبر حياة فنان مر بالموت السريري و"القيامة" ووتيرة حياة يومية محمومة وحفلات موسيقية وصراع بين محبوبين."علمأ بأنه لم يكن من الذين يعمدون الشهرة المقصودة رغم مواهبه المتعددة، ولهذا لم يقدم على جمع أشعاره وطبعها في ديوان مستقل بالرغم من تجاوزها المئات من القصائد إلى اليوم الذي وافته المنية بالسكتة القلبية ليتم جمعها ونشرها بعنوان "أعصاب". إضافة لأغانيه التي لا تحصى متخذة طريقها علانية في الحقول الإعلامية الروسية والعالمية. وقد تم وصفه أيضاً بأنه " يقترب بأعماله من الطبقات الشعبية، فهو الأقـرب إلى العمـال وسـائقي الشاحنات ومدمني الفـودكا والجنود والطـلبة والمثقفين والمعارضين المطالبين بالتغيير ويوحد الروس على اختلافهم بحبهم لفنه".
إن هذه الإنجازات الإيجابية دلالة قاطعة على تفاوت وإنقلاب الموازين من عصر لآخر ليحظ المصلح منهم من ذوي الفكر النير بأهمية وجودهم بعد رحيلهم، لتبق روحهم ترفرف والذكرى التي يمجدون بها بعد رحيلهم الأبدي. هذا ما جرى للعديد من المفكرين والفلاسفة والمبدعين في أغلب دول الإستبداد والقمط الفكري بعد التحرر، فبدلاً من أن يتم فهم وتحليل دعواهم يعاقبون بالرفض والإبعاد والضياع المتعمد، ومثلما قيل: " لا كرامة لنبي في زمانه وفي موطنه" و" بئس أمة ندمت، ولات ساعة مندم".
 
ولكي يكون فلاديمير بعيداً مما كان يعانيه، وقبل يوم من وفاته بالسكتة القلبية في الرابع والعشرين من شهر تموز 1980 كان قد كتب آخر قصيدة وكأنما كان على معرفة من رحيله الآبدي على وفق معانيها التي اقتطف منها أبياتاً متناثرة حيث يقول فيها:


شكراً لك يا صديقي، انها الزيارة الأخيرة إلى الملجأ.
أنتظر واحداً ما بين القبور،
اشعر كجري الدقائق.
هل تتذكر كيف كنت أحب الغناء، وكيف يتصدع الصدر.
الآن لا صوت ولا قوة،
لفتح الشفتين.
وداعاً فندق تاغانكا والأفلام، وداعاً العالم الأخضر.
في القبر خوف وظلام،
الماء يتدفق من الثقوب.
شكراً لك يا صديقي، انها الزيارة الأخيرة إلى الملجأ،
نحن جميعاً سجناء القبور هنا.
عندما تموت، فإنك سوف تفهم،
ما هو الشئ ـ الحياة....
وداعاً! أنا نفسي عشت تجربة
في الشريط "المنارة".
والأغاني التي كنت قد طورتها،
تقاوم عبر العصور!
23
تموز 1980


وفي اليوم المصادف 28 تموز كانت قد مضت على وفاته أربعة أيام، فتم نقل جثمانه ليوارى الثرى في مرتع ولادته ونشأته من العاصمة موسكو في مقبرة عظماء الوطن الأم إلى جانب من تم تمجيدهم من الرواد، وبين اولئك الذين ضايقوا عليه حياة الحرية وديمقراطية الرأي ليقترن اسمه بأحد عظماء الفكر التقدمي والتحرري ومقارعة الظلم والطغيان، بحضور ما يقارب المليون شخصاً من المشيعين على وفق تقديرات ما كتب عنه في الوسائل الإعلامية، وذلك في الفترة التي تزامنت مع دورة الألعاب الأولمبية في موسكو من نفس العام . فكان لهذه المناسبة وقعها على الحكومة كونها بمثابة تظاهرة احتجاجية دفاعاً عن آراء ومواقف فلاديمير التي حدت فيما بعد بالرئيس غورباتشوف أن يعلن الحرية لأعماله، وعلى آثر ذلك صدرت العديد من الكتب عن حياته ونشرت القصائد والمقالات لرثائه علناً، لتتولى أرملته مارينا على إصدار كتاب خاص عنه. وفي عام 1985 أقيم له نصباً تذكارياً على قبره من تصميم وعمل النحات الروسي الكسندر روكافيش نيكوف، ازاحت الستارة عنه زوجة أبيه يفكينيا ليخالاتوف بحضور العديد من الشخصيات والمعجبين بأعمال فلاديمير. وكما يبدو في صورة التمثال وكأنه مقيد بالسلاسل، لكنه تعني أجنحة شبيهة بالملائكة حامية له. كما وتم فيما بعد تدشين تمثال آخر في مدينة ماغادان بأقصى شرق روسيا من قبل النحات يوري رودينكو بعنوان " سأحكي لك عن ماغادان " يمثل سطراً من قصيدة فلاديمير أثناء زيارته لتلك المدينة التي كانت معقلاً للمعتقلات الستالينية في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد شمخا هذان المعلمان على أرض روسيا ليصبحا الدرب الممهد على استقطاب الزوارعلى نحوٍ دائم، إلى جانب ما قامت به مجموعة من الفنانين الكبار في دار الموسيقى بموسكو على افتتاح غرفة خاصة في مكتب فيسوتسكي في متحفه، جُمِعَت فيه كل ما تركه من حاجيات متمثلة بالصور والكتب وأزياء أدواره المسرحية والسينمائية وقيتاره ليتسنى للزوار الإطلاع عليها ومشاهدتها عن كثب. كما أنه عادة ما تقام سنوياً المعارض والأمسيات الثقافية والفنية إحياءً لذكرى رحيل الممثل والمغني والشاعر الروسي الشهير فلاديمير فيسوتسكي في روسيا والعديد من الدول جاعلين منه رمزاً للحياة الحرة الكريمة على مقارعة الفساد والظلم والطغيان ودكتاتورية السلطات بدلالة يقظة الحكومة الروسية عام 1987 وإقدامها على منحه جائزة الدولة بعد وفاته، ومن ثم إحياء ذكراه التاسعة عشر بدلالة الطابع التذكاري الصادر عام 1999 ليجسد وجوده الدائم في ذاكرة التاريخ
.

 


ذكرى يوم اللغة العالمي مأثرة تاريخية

بقلم : ميخائيل ممو ـ السويد
 
تمر علينا  في غضون شهر شباط من كل عام الذكرى التي تتوج عالم العلم والمعرفة، عالم الفن الكتابي والتثقيف الذاتي، عالم "في البدء كان الكلمة..."، عالم "إقرأ ، إقرأ بإسم ربك...". نعم هذا العالم الذي أكدت نوره نصوص الكتب السماوية وأضفت على جوهر اللغة هالة من التقديس لأهميتها في حياة الإنسان. ذلك العالم الذي زاد من معانيه وكثف من دلالاته أئمة الفكر من الفلاسفة والحكماء والأدباء والشعراء منذ فجر التاريخ ولحد يومنا الحاضر الذي أطرته منابع التقنيات الحديثة بغية الوعي الدائم في مسيرة الحياة.
لذا انه من الأهمية هنا، وفي اليوم المصادف 21 شباط 2015 ان نستذكر الذكرى الخامسة عشرة من يوم اللغة العالمي بإقرار منظمة اليونسكو على ضوء ذلك اليوم من عام 1999 الذي تم تدوينه والإعلان عنه بغية الإحتفال به وتبجيله منذ عام 2000 في كافة أنحاء العالم. على أثر ذلك، وعلى مدى الخمسة عشر عاماً استقبلت المؤسسات الثقافية والمكتبية الرسمية والمنتديات الأدبية والجهات المدرسية التربوية للإحتفاء بهذه المناسبة من خلال العديد من الفعاليات والنشاطات ذات الأهمية في حياة الطلبة وذوي العلاقة من المؤسسات الأخرى.
إن كان الهدف الرئيس من منظمة اليونسكو إحياء لغات العالم على أحسن وجه، فهي دلالة على ما لها من أهمية في حياة شعوب العالم أجمع دون تمييز بين لغة وأخرى، كون اللغة هي نسمة روح الحياة في جسد الوجود القومي والوطني لأية امة، وأداة التفاعل الإجتماعي، والوسيلة لدعم وإسناد ذلك التفاعل من أجل التطور والإنتماء تحت لواء الجماعة في المجتمع الذي ينضوي تحت سقف تلك اللغة.
كما وتبين من قرارات المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة  ( اليونسكو) هو محاولة الحفاظ على تلك اللغات التي أدرجت في قائمة الإندثار والزوال والذوبان، طالما لها جذورها في اللغات المستحدثة عنها بتداولها الشفهي لبعض الشعوب، وكتابة أيضاً بإنحصار آثار وجودها لدى المهتمين بتراثهم اللغوي ولدى المستشرقين المتخصصين بدراسة تلك اللغات التي منها اللغة الآرامية التي هي وليدة وامتداد جذور اللغة الأكدية أي البابلية الآشورية المألوفة على مدى طويل من القرون والعصور التاريخية، وعلى نحو خاص ومتميز في المراكز الدينية، حيث بدأ في عصرنا الحديث يشع نجمها ويسطع نورها بتفرع تسمياتها بعد تحررها من قبضة الإستعمار السياسي والإبادة الجماعية للناطقين بها وتشتت أبنائها في أصقاع العالم، لتعيد مجدها من أجواء تلك المناطق، كونها لغة الأسلاف والأخلاف أي التي تنحدر منها ذريتهم. وأكبر دليل على ذلك تأسيس المعاهد الأكاديمية والمجامع اللغوية الخاصة بها في العراق وسوريا منبع تلك اللغة وفي دول الشتات أيضاً، إضافة للمدارس الخاصة والرسمية في العديد من الدول كما هو الحال في عراق اليوم بصورة جلية في ثمار مدارسه.
ومتى ما تأملنا بشكل أوسع لفحوى قرارات اليونسكو لوجدنا بأن أهميتها لا تنحصر فقط لما أشرنا اليه، وإنما هي أبعد من ذلك، وفي مقدمتها الإحياء والتطور اللغوي لبسط نفوذها في حياة الشعوب الناطقة بها، والحفاظ على الإرث الحضاري بما فيه الثقافي والأدبي والعلمي. إضافة لإثراء الرصيد اللغوي وتوثيق حركة النقل والترجمة بين اللغات، وتشجيع الكتاب والأدباء والشعراء والعلماء في حقول مختلفة على البحث والإستقصاء والإستنتاج في مجال تخصصاتهم. ومن أهم الأسس المعمول بها حث وتشجيع الناشئة من طلبة المدارس على تعلم لغاتهم الأم حفاظاً على وجود الهوية القومية والإنتماء الإثني، وبغية فتح أبواب قنوات سهولة التواصل بين أبناء البلد الواحد، رغم تعدد اللغات فيه بحكم تعدد الإنتماءات القومية، كما هو الحال في العراق المتعدد المكونات بلغات مختلفة عن بعضها كالكردية والتركمانية والآشورية والأرمنية إلى جانب العربية التي هي بمثابة اللغة الرسمية في المدارس والدوائر الرسمية والإعلامية. فمن هم في دول الإغتراب التي ولدوا فيها قد يستصعب عليهم من التواصل كتابة أو تحدثاً مع أبناء البلد الأصلي إن تغافلوا عن لغاتهم الأصلية. لهذا يتبين لنا جلياً في بلدان الإغتراب الديمقراطية التي تولي الإهتمام على تعلم اللغة الأم، عادة ما توفر لهم مقاعد الدراسة الرسمية المنتظمة لتعلمها والإغتراف من مناهلها إلى جانب لغة البلد الرسمية، لكون من يتعلم ويتقن لغته الأم تتيسر عليه عملية استيعاب لغة البلد بشكل أفضل وأسهل حسب ما أكدته استنتاجات البحوث التربوية والنفسية على يد أمهر الخبراء التربويين والنفسيين. إلا أنه من المؤسف حقاً أن نجد هناك نسبة كبيرة من أولياء الأمور لا يعيرون أهمية لذلك بالرغم من الإرشادات والنصائح التي عادة ما تصلهم كتابة أو عن طريق المحادثة الدورية المباشرة مع المسؤولين والمرشدين التربويين في المدارس عن واقع مستوى التلاميذ خلال السنة وفي كافة مراحلهم الدراسية. فمنهم من يمتعض على حث فلذات أكبادهم من تعلم اللغة الأم،  ومنهم من لا يحمل الفكرة محمل الجد ليدعوا أبناءهم يتحكموا بما يرتأون، ليعضوا أصابع الندم فيما بعد حين يشعروا بأهمية وفاعلية اللغة الأم في الحياة العملية.

من الأهداف الرئيسة لمقررات منظمة اليونسكو بأن اللغة وسيلة لنشر الوعي بغية القضاء على آفة الأمية التي هي من أخطر الآفات الإجتماعية في حياة الشعوب، كتلك الحشرة الضارة التي تفسد الزرع. من هذا المنطلق تسعى المنظمة دوماً على إيجاد أنجع الحلول والتوصيات والإرشادات لتلافي مفعول تلك الآفة بإقدامها على عقد وتنظيم المؤتمرات الخاصة بذلك، فكان آخرها في منتصف كانون الأول / ديسمبر 2014 بإجتماع خبراء من وزارات التربية والتعليم، المؤسسات الأكاديمية، الهيئات الدولية، المنظّمات غير الحكومية والوكالات المتخصّصة في العالم العربي في بيروت، لبنان للمشاركة في ورشة العمل الإقليمية الثالثة حول "تطوير سياسات وممارسات المعلّمين في العالم العربي" بإلتقاء 45 من الخبراء الدوليين من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا والدول العربية لدراسة عوائق وإشكالات عملية التعليم اللغوي والخطط التي يستوجب الإعتماد عليها كحلول مستقبلية. ومن جملة ما توصل اليه المؤتمرون "بأن المعلم يشكل الدور الرئيسي في نجاح أي تطوير تربوي مهما كانت نوعية وجودة المناهج الدراسية ووفرة التقنيات التربوية. لذلك فإن الاهتمام بتأهيله وتدريبه يُعتبر من ضروريات نجاح النظام التربوي".
هذا ما لا يمكن نكرانه، لكون المعلم هو بمثابة ذلك الفلاح الذي يوفر ما يدعم نجاح ما يصبو إليه في حقله. وكذلك هو بمثابة ذلك الطبيب الذي يوصي مرضاه بالدواء الذي يشفي الداء. وتساؤلنا هنا كيف يكون الحال إن أهمل المريض ذلك الدواء؟! ونعني هنا بأن نجاح العملية التعليمية والتربية لا تتوقف على المعلم فقط ، وإنما هناك عوامل أخرى لها دورها متمثلة بالتلميذ أولاً ومن ثم ما يشوّقه من المناهج إضافة لدور رعاية الوالدين والنظام المدرسي والمجتمعي.
ما يهمنا اليوم ولمناسبة يوم اللغة العالمي أن نسعى على الإرتقاء باللغات الأم في العصر التقني الحديث الذي قلص من زخم النشر الورقي في محدودية الكتب الصادرة في أرجاء العالم وعلى نحو تنازلي سنة بعد أخرى، وأن نشد من آزر المؤلفين والناشرين الذين انحصرت نتاجاتهم في الشبكات الحاسوبية والأجهزة التقنية الأخرى بالرغم من سهولة التواصل اليومي المباشر، لكون الكتب أداة حية لدبج وتسطير الأفكار، الإحتفظ بها والعودة اليها، سواء على رفوف المكتبات العامة أو الخاصة.
mammoo20@hotmail.com
 

 

 

 

HOME