فنون

 

- الرسم والنحت:

* الأمبراطورية الاشورية..  اكثر الحضارات   البشرية عراقة واصالة

 * الفن
الآشوري  

 

 - الموسيقى:

 
* الموسيقى الآشورية

 

 الامبراطورية الاشورية..
اكثر الحضارات   البشرية عراقة واصالة
عبد الوهاب النعيمي   .......  (نقلاً عن موقع الوفاق.كوم)

 حين نتصفح الأجندات بحثاً عن تواريخ  محددة، أو بحثاً عن محطات توقف فيها العباقرة في أزمنة او امكنة اندثرت، نجد آلاف الصفحات تتحدث بلغة الانبهار عن مفكر من هذه المدينة، أو مبدع في مجالات الادب والفنون والفلسفة والحكمة والتاريخ، ملأ الحياة بحكمته، أو عبقري أفاض بإعطاء الحياة لوناً جديداً متميزاً عن الألوان السبعة التي حددها قرص الشمس في لحظة بكاء السماء!
إنها الموصل... المدينة الشاملة، عانقت شمس الحياة والحركة منذ فجر مبكر، قبل ان تكون ثمة مدن في حاضرة الارض، شع بريق ظهورها على ربوة عالية قبل ستة آلاف سنة او يزيد لتنهض شامخة على الضفة الغربية من نهر دجلة الذي يفصلها عن مدينة نينوى التي امتلكت مكونات الحضارة ومقوماتها في اعظم مكتبة تعد في حكم التاريخ، اول مكتبة عامة احتوت على كنوز المعرفة الانسانية، ومنحت مؤسسها «آشور بانيبال» المكانة المرموقة بين رعاة المعرفة العظام بصفته ملكاً مثقفاً اهتم بالعلم والمعرفة، وجعل من مكتبته أول وأشهر وأغنى مكتبة عرفت في التاريخ القديم، سبقت مكتبة الاسكندرية باكثر من ثلاثة قرون، وجاءنا منها من النصوص ما لم يأتنا من أية مكتبة قديمة غيرها. لقد ضمت تلك المكتبة في اجنحتها أروع وأثمن ما تم الكشف عنه من الكنوز الاشورية خلال القرنين الماضي والحالي. واحتلت الصدارة في العديد من البحوث والدراسات لما تحتويه من رقم طينية تعد في الزمن الراهن من اهم ما يمتلكه المتحف البريطاني من آثار المعرفة والتي تقدر بأكثر من خمسة وعشرين الف رقيم أوقفت العالم أمام عظمة تأريخها واغتنت اشهر متاحف العالم بروائع آثارها وكنوزها، عكست منجز الابداع لواحدة، تعد من اكثر الحضارات البشرية المعروفة عراقة وأصالة، الا وهي الامبراطورية الاشورية. الثيران المجنحة خطوة اولى نحو التشكيل العراقي.

التشكيليون الاوائل
تميز الاشوريون في فنونهم المتعددة الجوانب بتطوير بالغ في أساليب استخدامهم للمواد الاولية وتنفيذ موضوعاتهم الفنية بمستويات تقنية متعددة، كما يشير الى ذلك الدكتور وليد الجادر، ولم يكن بإمكان الشعوب المجاورة لهم الا ان يتأثروا بنسب عالية بتلك الفنون، وخاصة تلك الوحدات الزخرفية الفنية بمفرداتها والمستوحاة من الطبيعة، ولم يكن بامكان الشعوب المجاورة من الذين تأثروا بحضارة وادي الرافدين في عصورها القديمة رفض ما ورثوه من عناصر حضارة متطورة خلقتها لهم حضارات عريقة سابقة مبنية على أسس راسخة كالحضارة الآشورية التي تعد المركز المباشر الاول، حيث ان عناصر الزخرفة الاشورية كانت غزيرة بمفرداتها، عبرت عن رموز لها علاقة واضحة بالطبيعة والمجتمع والايمان والاساطير والاديان.
وكان الآشوريون هم اول من ابتدع اللون، وله في مفاهيمهم اسراره الخاصة، بما يتضمنه او يمثله من تأثيرات نوعية ونفسية واجتماعية، وما عدا ذلك يأتي استخدام الالوان وتأثيرها بمقدار ما يخلفه اللون من انسجام تشكيلي وبما يشكله من متعة وبهجة للناظر، والى جانب ذلك عرف الاشوريون صبغات مستخلصة من اصول نباتية ومعدنية منها الوان البرتقالي والاصفر والاسود والاخضر، قاموا بتثبيتها بمواد كيمياوية ومركبات خاصة استخدمها الفنان الاشوري قبل خمسة الاف سنة لتكون اساساً لتنفيذ الالوان وخلطها ومزجها حتى الزمن الراهن.

علم المنظور
اما في مجال النحت فقد تراكمت التجارب في فن النحت بموطن الآشوريين منذ اقدم العصور، وتحكم موقع بلاد آشور كما يشير الباحثون في تكوين الهيئة العامة للشخصية الاشورية، وتميز هذا الفن بأسلوب موضوعاته من خلال مجاميع القطع النحتية البارزة التي اظهرت الخصائص والصفات الاشورية في تنظيم الشَعر واشكال الملابس ونقلت الينا موضوعات قصصية، كما في المسلة البيضاء المكتشفة في «تل قوينجق» داخل مدينة نينوى. والتي حملت الينا من القرن الثالث عشر ق.م بوجوهها الاربعة موضوعات قصصية مختلفة.
لقد حدد النحات الاشوري خطوط مساراته في الابداع من خلال الالواح التي جاءتنا من زمن اشور ناصربال 824 ق.م وكذلك من زمن سرجون الثاني 705 ق.م الذي زين عماراته ومعابده وقصوره بمجاميع من الالواح المنحوته، فيما اتاح لنا النحات الاشوري في زمن سنحاريب 682 ق.م التعامل مع ألواح حملت حوادث مصورة. تم تطور النحت البارز في زمن اشور بانيبال باتجاه المدرسة الواقعية مع ازدياد قدرة النحات على اظهار التأثير المطلوب في الحالات المختلفة واظهار التفاصيل الكثيرة في اشكال وهيئات الانسان والحيوان والنبات، وهذا يعني ان النحات الاشوري قد بدأ بتحسس موضوع «علم المنظور والابعاد» وهو ما تحقق في القطع النحتية الكبيرة التي تم وضعها في مداخل المباني والمعابد الاشورية قوامها مخلوقات مركبة عرفت باسم «لاماسو» تتألف من مكونات قوى بشرية وحيوانية نجح النحات الاشوري بدمجها بشكل منسق، وكان لهذه المنحوتات الكبيرة قابلية طرد الارواح الشريرة، وتتكون عادة من رأس انسان وجسم حيوان وجناحي طائر، وهذه التشكيلة كانت مرتبطة بالقصائد وهي في الوقت ذاته تعود الى اساطير عراقية عرفها العراقيون وتداولوا سرّها قبل الاغريق بالفي سنة، ومنها كما اثبت الباحثون اسطورة كلكامش التي سبقت الاساطير الاغريقية، بل وكانت النواة الاساسية لبناء اساطيرهم من بعدها.

الثور المجنح واللبوة الجريح
إذا بحثنا في سفر التاريخ العام وجدنا فنوناً كثيرة استقى منها الفن الحديث مقوماته، تمثلت بالبساطة والايجاز الموجود في تماثيل الثيران المجنحة وما تركه الفن الاشوري في العصور لقديمة، اذ كانت تخضع الى بساطة التعبير وقوة الخط لتأثير المعتقدات الدينية آنذاك في الفنان وما تفرضه من صدق دون مغالاة، فهناك الثور المجنح كما يشير الفنان الموصلي نجيب يونس، يعد المثل الاعلى في بساطة التركيبة الجسمية والمكوّنة من اتجاهات الخطوط الجريئة التي اخرجته بهذه المهابة،


    


وهناك عمل آشوري آخر سيبقى يُباري كل الاعمال الجبارة في النحت البارز في جميع اصقاع العالم الحديث، انه ريليف «النحت البارز» «اللبوة الجريحة» المُحكَم بأسلوبه ورقة بروزه عن الحجر وحساسيته المتناهية التي تظهر لنا توازن التكوين العقلاني الذي يتمتع به النحات الاشوري العملاق في اختياره للموضوع.. ففي هذا العمل النحتي الكبير نجد لمسات حكيم في التوزيع والانشاء، حكيم في الهندسة والتعبير المتمثل بالدفاع عن الذات والاهل والاولاد والوطن، فاللبوة كما صورها الفنان الاشوري تستعصي على الموت وتأبى الانتحار...


 


المجردون
لا بد ان تكون لنا ثمة وقفة تأمل عند تخوم ذلك الفنان الخزاف الاشوري قبل اربعة الاف سنة او يزيد، الذي صمم ونفذ تلك المنحوتات الضخمة الكبيرة في مدينة نينوى، وفي مشغل قريب يقع بحدود 50 كم غرب نينوى، وهي مدينة اسكي موصل التي تقع على الضفة الشرقية من نهر دجلة، وهي بوابة البادية الغربية، ومنفذ الدولة الاشورية الى شواطئ البحر المتوسط، من تلك المدينة الاشورية التي كانت مشغلاً فنياً متطوراً لنحت الثيران المجنحة والمسلات واللوحات الجدارية ولوائح القصص الملحمي والاساطير وتعاليم الدين والعبادة والطب والحكمة والمعرفة الانسانية، من تلك المدينة انطلق الفن الاشوري الى اوربا عبر البحر المتوسط وتحديداً الى دولة الروم الكبرى، صدروا اليها النصب التي تملأ العين جمالاً وقوة، وتملأ النفس، بل الفكر الانساني بقدسية المفاهيم الفنية التي تمتع فنان الثور المجنح واللبوة الجريح والمسلة البيضاء. واعطى ثمرة، بل جوهرة مهمة في تاريخ الفنون العالمية توضع في جبين الفن، بل في اعلى نقطة فيه!
ان منحوتات الفنان الكبير والنحات الانكليزي الذائع الصيت «هنري مور» بتجريدياته المنحوته وعبقريته الفنية الفذة، ان هي الا تلك الملامح الاشورية التي خرجت من بين اصابع الفنان الاشوري وازميله، كما يؤكد الفنان نجيب يونس، قبل الاف السنين حيث كان سبّاقاً بالايحاء الى التجريد قبل ان يأتي زمن التجريد في عصرنا الراهن. وهذه اولى مقومات التأثير المباشر للحضارات القديمة في مسارات الفنون المعاصرة، ينبعث في حاضرنا من خلال اتصال روحي بين فنان الحداثة في عصر الالفية الثالثة وفنان الكلاسيك الذي عاش وانتج وابدع في عصور ما قبل التاريخ، والذي كانت له القدرة على ادهاش العالم بمنحوتاته التي جاءت وصيغت باشكال مكتملة تمتلك كل حكوماتها المباشرة في الايجاد او الرامزة الى طقوس العبادة والحكمة الانسانية.
 

الفن الآشوري  

(نقلاً عن الموسوعة العربية)

أخذت نتائج أعمال التنقيب التي أجرتها البعثات الأثرية منذ بدايات القرن العشرين تظهر معالم الفن الآشوري  المختلفة من عمارة ونحت وتصوير، في مواقع:آشور ونمرود وخورسباد.

العمارة

أتاحت التنقيبات في موقع آشور رسم معالم المدينة وسورها المزدوج ومينائها المبني على ضفة نهر دجلة في مجال المدينة؛ ونتيجة ذلك ظهر القصر القديم الذي يعود إلى بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وقد تبين أن هذا القصر بقي قيد الاستعمال حتى آخر حقبة الألف الثاني ق.م على ما لحق به من تغيرات مهمة. وظهر كذلك القصر الجديد الذي شيّده الملك توكولتي نينورتا الأول (1246-1209ق.م) Toukoulti Ninourta I إلى الغرب من القصر الأول في الوقت الذي آل فيه القصر القديم إلى مدفن ملكي حيث اكتشفت خمسة مدافن حجرية.

أما موقع نمرود الحالي بالقرب من نهر دجلة فقد قامت فيه مدينة كلحو (كلح) التي أسسها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد الملك شلمنصَر الأول وسكنها المهجرون من بابل في عهد توكولتي نينورتا الأول. وفي القرن التاسع قبل الميلاد أصبحت مدينة كلحو عاصمة الملك آشورناصربال وشيد فيها قصراً له وأعاد بناء ما هدمه الكلدانيون .
وقد كشف في موقع نمرود عن ستة قصور وأربعة معابد كانت كلها ضمن سور المدينة إضافة إلى زقورة للمعبودة نينورتا؛ كما كشف في الموقع وخارج السورعن قصر نهري بناه الملك شلمنصر الثالث وامتاز هذا القصر باحتوائه على مخازن وورشات خاصة بالملاحة. ومما يجدر ذكره أن مجموعة مهمة من المنحوتات العاجية من أصل فينيقي وسوري كانت بين مكتشفات حفريات مدينة نمرود.

وأما موقع خورسباد على مسافة 15كم شمال شرقي الموصل فقد أظهرت الحفريات أن المدينة شيّدها دفعة واحدة الملك صرغون الثاني سنة 717ق.م وسماها دورشاروكين، ويظن أنها كانت عاصمة له ثم هجرت بعد موته. وكان يحيط بالمدينة سور ذو قاعدة عريضة وتقع القلعة إلى الشمال الغربي منها وفي جنوب المدينة يقع قصر ثانوي. واحتوت القلعة  مجمَعاً مقدَساً مؤلفاً من هياكل تنتمي لستة من الآلهة المعبودة، وفي الجهة المقابلة للمجمع يقع هيكل آخر للإله نبو، ويتصل هذا الهيكل مباشرة بقصر صرغون بجسر حجري قائم على عقود، كما يتصل بمجموعة من المباني المخصصة للعائلة المالكة.

مظاهر الفن الآشوري الأخرى :
كان الفن الآشوري متعدد المظاهر، فقد شيّد ملوك آشور أبنية رفيعة المستوى زاد ت الزخرفة في تألقها، وكان الآجر الرمادي هو
"الخامة" الأساس في البناء أما العناصر الجمالية المضافة إليه فتزيده بهاءً؛ ويرجح أن الأخشاب والستائر كانت تغطي الجدران من الداخل في المعابد والقصور ولكن من المؤكد أن الآشوريين تبنوا فن التصوير الجداري، الموروث عن أسلافهم من شعوب بلاد الرافدين، في تلوين جدران قصورهم في كل المواقع التي مرّ ذكرها؛ ولكن المجموعة المهمة التي عثر عليها في  قصر تل برسيب على الفرات الأعلى في أقصى المملكة (تل أحمر في سورية اليوم) تعد مثالاً للفن الآشوري وتشكل مساحة مئة وثلاثين متراً من التصوير على الجدران، ويستشف من تجميع القطع أنها تمثل رحلات صيد وتربية خيول كما تعكس جمال الملابس التي كانت سائدة آنذاك (بعض تلك القطع موجود في متحف حلب وكثير منها في متحف اللوفر في باريس).

أما الواجهات الخارجية فقد لجأ الآشوريون إلى فن زخرفي آخر في تزيينها وهو الآجر المزجج، الذي تؤلف مجموع قطعه ـ إذا ما رصفت ـ زخارف هندسية وحيوانات أسطورية ذات بروز خفيف، وكانت المشاهد تلمع في الضوء بأبهى الألوان الترابية والزرقاء والمائلة إلى الخضرة كما في واجهات بعض معابد خورسباد. 

واستخدم الآشوريون كذلك فناً أتى من الشمال السوري وهو النحت الحجري البارز من الهيصم alabātre (نوع من المرمر). وقد أقيمت المنحوتات orthostates على الجدران الآجرية فوق أساساتها الحجرية حول الساحات أو داخل القاعات. وكانت الحقبة الذهبية لهذا الفن، الذي انطلقت فيه العبقرية الآشورية ، بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد. وامتاز بالابتكار وبراعة التأليف مبيناً قوة المملكة ورفعة الملك وذلك في نينوى ونمرود؛ مثال ذلك النحت البارز الذي يمثل مشهد صيد الأسود وهو من الهيصم بارتفاع 92ـ95سم من عهد آشورناصربال الثاني(اليوم في المتحف البريطاني في لندن) وكان يزين قاعة العرش في قصر الملك في نمرود، ويمثل الملك لابساً سترة متواضعة وهو يرمي بالقوس السباع من على عربته. والنحت البارز الآشوري بما تحلّى به من دقة يعد معيناً للمعلومات عن المواد التي كانت تستخدم في تلك الحقبة كالخشب والجلد والقماش ولم يعد لها اليوم أثر يذكر.

أما النحت المدوّر (التماثيل) فكان نصيبه أقل من النحت البارز، ومنه تمثال آشورناصربال الثاني في نمرود من القرن التاسع قبل الميلاد وتمثال شلمنصر الثالث. وظهر النحت كذلك في شخوص سباع مجنحة وثيران برؤوس آدمية متوّجة وكانت  تلك الشخوص تحتل موقع الحراسة على البوابات التي أحكمتها أبواب خشبية مزينة بزخارف من البرونز كما في مدينة أم غربل Balawat (في العراق). مثال ذلك ثور ذكر مجنح ذو رأس آدمي ولحية مستعارة، من قصر صرغون الثاني في خورسباد (القرن الثامن قبل الميلاد) وهو اليوم في متحف اللوفر في باريس، ومن صفاته المميزة أن له خمس قوائم تظهر أربعٌ منها إذا شوهد من الناحية الجبهية والخامسة مجاورة أنسيّاً للقائمة الأمامية تظهر إذا ما شوهد من الناحية الجانبية. وإلى جانب ذلك وجد في المواقع الآشورية تماثيل حيوانات من الجص بحجوم صغيرة وأختام أسطوانية وتمائم تثير الدهشة لما فيها من دقة في تمثيل المخلوقات الخيالية والمشاهد الأسطورية.

واستخدم الآشوريون كذلك فن الترصيع والتنزيل بالمعدن والعاج في الأثاث الخشبي، أما الحلي والأسلحة فقد وجد منها من القطع القليل، وفي المنحوتات البارزة  تمثيل لقطع متقنة الصنع من تلك الأنواع التي كان الآشوريون يملكونها.

لقد خضع الفنان الآشوري للفكر الشرقي في التصوير الجداري والنحت البارز والنقش على المصغرات من الأختام الأسطوانية والتمائم، فمثل الوجه والعين  والساقين  جانبياً والجذع جبهياً . وبدا الفن الآشوري بمظاهره المختلفة معبراً عن قوة المملكة ورفعة الملك.

حسن كمال، إلياس الزيات

 

الموسيقى الآشورية
( نقلاً عن الموسوعة العربية )
 

يبدأ تاريخ الموسيقى الآشورية مع بداية الحضارة الآشورية، وهو حلقة من حلقات تاريخ الممالك القديمة. وقد كانت الموسيقى عند الآشوريين، منذ بداياتها، في خدمة المعابد والقادة المحاربين، وأخذت عنها كل شعوب غربي آسية واليونان ورومة، كما كانت الجسر الذي وصل بين الشعوب القديمة.  وكان غرض الموسيقى مرافقة الغناء والرقص. ولما كانت المستندات المدونة أو المعلومات العلمية عن بناء الموسيقى الآشورية قليلة، فإن الأبحاث حول هذا الموضوع مستقاة من المكتشفات الأثرية من نقوش ولوحات أو أمثلة عن بقايا آلات موسيقية محفوظة في مختلف متاحف العالم. وقد حظيت الموسيقى في البلاطات والمعابد الآشورية بمكانة رفيعة. وكان الموسيقيون ملحقين بالمقتنيات الملكية ويقيمون الحفلات الموسيقية العامة إبهاجاً للشعب والحاكم، مما كان له أثر واضح على الموسيقى في أكثر  أشكالها شعبيةً.


الصورة (1
) المصلصلة

كان للموسيقى دور ناجع وفعّال في الحياة الاجتماعية لمملكة آشور. ولما كانت شعوب بلاد الرافدين تعتقد أن العدد، بحد ذاته، ذو خاصية مميزة تفوق دلالته الرقمية، وكان العدد «أربعة» من أهمها، فقد كانت الموسيقى الآشورية، كغيرها من موسيقى منطقة الرافدين، مبنية على أساس «الجنس» tetrachord [ر. الموسيقى] وهو «البعد ذو الأربع» (أربع درجات صوتية متتالية) [ر. الموسيقى العربية] ، ثم على «السلم السباعي» heptatonic المؤلف من مجموع الرقمين أربعة وثلاثة ، اللذين يماثل مجموعهما نظام الكواكب السيارة السبعة بإرادة الآلهة. وهذا يدل على تعددٍ في «الدساتين»، أي تحديد المواضع المتقاربة للنقر بالإصبع على أعناق الآلات الوترية [ر. الآلات الموسيقية]. ويدل هذا الواقع على تقسيم السلّم الموسيقي عند الآشوريين إلى أجزاء صغيرة أقل من الصوت الواحد، كما في الموسيقى العربية. لهذا؛ كانوا على معرفة بألوان كثيرة من الألحان والغناء حتى قيل عنهم إن موسيقاهم كانت قوية وعنيفة حيناً، ولينة رخوة أحياناً، وهذا ما جعل أفلاطون يصف موسيقاهم بالخمول والنعاس، ويحذر مواطنيه، بوصفهم شعباً قوياً محارباً، من الاستماع إليها. 

                   
الصورة (2) الطبل الكبير

                  
 
الصورة (3) ناي معدني من أور

ومن المؤكد أن الكثير من الأغاني البيزنطية والغريغورية التي كانت تقوم عليها التراتيل الكنسية المسيحية في القرون الأولى بعد الميلاد كانت متأثرة تأثراً عميقاً بالألحان الآشورية لاعتناق بعض أهالي تلك المنطقة الدين المسيحي إبان ظهوره. وكانت مواقع الضغط لإبراز الأزمنة القوية في الإيقاع، في الموسيقى الآشورية، يشار إليها بالقدم عند العازفين أو الراقصين، وبالضرب باليد مصحوباً بالتصفيق لدى المنشدين.

                                              
                                  الصورة (4) القيثارة  
   الصورة (5) رأس ثور ذهبي من آلة زق ـ سال (الجنك) مذهبة من مقابر أور (متحف بغداد(

كانت العلاقة بين الموسيقى والعبادة، في حضارات بلاد الرافدين وعند السومريين، وثيقة جداً. فكان الكهنة والمنظرون والفلكيون يجتمعون ضمن أسوار المعابد للابتهاج والابتهال بالغناء الذي ترافقه الآلات الموسيقية. وتؤكد المصادر الموثقة أن الموسيقى كانت تؤدي دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية منذ القرون الأولى للعصر السومري حتى أواخر المملكة الآشورية. وعندما اعتلى أسرحدون (680-669ق.م) العرش ودخل مدينة نينوى، كان يرافقه موسيقيون يعزفون على آلات الجنك (الهارب) harp [ر. الآلات الموسيقية]. وتؤكد لوحات النحت البارز relief-bas اهتمام الآشوريين بالموسيقى، إذ عندما غزا أحد ملوك العيلاميين بلاد آشور، طلب آشوربانيبال (668-626ق.م) النصح من الآلهة عشتار، فطلبت منه اللجوء إلى الموسيقى وإقامة حفل في المعبد، وفي غمرة احتفاله جاءه نبأ وفاة الملك العيلامي. وقد صورت لائحة أخرى بالنحت البارز هذه الواقعة لفرقة موسيقية كبيرة تعزف على آلات موسيقية مختلفة، وجوقة غنائية مؤلفة من سبع نساء وتسعة أطفال.

                                          
الصورة (6 ـ أ) آلة زق ـ سال (جنك) مذهبة
                الصورة (6 ـ ب) آلة زق ـ سال (متحف لندن(

الآلات الموسيقية الآشورية :
استخدم الآشوريون أربعة أنواع من الآلات الموسيقية. نوعان منها آلات إيقاعية وهي: الآلات المتميزة الأصوات
idiophones منها المقارع (الكاستنييت) castanets المصنوعة من معدن النحاس وقد وجدت في مدينة أور (القرن25ق.م)، ويصنع بعضها من الخشب أو العاج، ومنها المصلصلة sistre ذات الحلقات المعدنية المربوطة بسلك يضرب بعضها ببعض، عند هزها، وقد يعلق بها أجراس أيضا ً(انظر الصورة رقم 1). أما الصنوج cymbals فهي صحون معدنية ذات أحجام مختلفة مفردة تضرب بعصا خشبية، أو مزدوجة يضرب بعضها البعض. ومنها أيضاً صنج كبير شبيه بالصنج الصيني المعلق «الغونغ» gong.


            الصورة (7) آلة زق ـ سال (الهارب
)

أما الآلات الإيقاعية الرقية membranaphones فهي ذات أنواع مختلفة كالدف الذي يدعى «آدابا» adaba المصنوع من الخشب أو المعدن وهو مربع الشكل غالباً يشد على أحد وجهيه رق وفي جوانبه حلقات نحاسية تجلجل عند الاهتزاز. وكانت هذه الآلة تستعمل كثيراً في الاحتفالات الدينية والشعبية العامة، وهي أصل «الرق» أو «الدفش» (المدوّر) العربي. وقد استُخدم الدف المربع أيضاً بمرافقة الغناء، أيام طويس، في صدر الإسلام. وأما الطبول بأنواعها المتعددة، فهي ذات وجه واحد أو وجهين من الرق تضرب بالأيدي أو بالعصي (انظر الصورة رقم 2). وكان لبعض الطبول عند الآشوريين تأثير روحي عظيم مثل الطبل الكبير «بالاق» المقدس (ذو وجهين من الرق مشدودين، ضيق الخصر، ويحمل على الكتفين بحزام جلدي). وكان صوته يعني دعوة الآلهة لسكان الأرض، وكان يخصص له حارسان برتبة كاهن، حتى أن لقب «حارس الطبل المقدس» كان يعد من أهم الألقاب الدينية. وإضافة إلى الطبل «بالاق» كان هناك الطبل «ليليس» أو «ليليسو» وهو أكبر الطبول الآشورية حجماً إذ يبلغ قطره مترين. وكان صنعه واستخدامه أول مرة حدثاً دينياً ودنيوياً مهمين ، كان يقرع بمصاحبة آلات النفخ عند خسوف القمر.

وأما الآلات الهوائية aerophones فقد كانت كثيرة وكان لها مكانة خاصة عند الآشوريين، وكان معظمها مصنوعاً من الخشب وبعضها مصنوعاً من العظام أو المعدن. وفي متحف اللوفر في باريس لوحة من مدينة أور، نقشت عليها آلة شبيهة بالناي تدعى «كانزابو» وهي أصل كلمة «القصبة» التي يسمى بها الناي العربي. كما وجد في مدينة أور أيضاً، ناي معدني مزدوج يعود إلى القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، ومازال أحد فرعيه صالحاً للعزف (انظر الصورة رقم 3). وأكثر آلات النفخ هذه مصنوعة من مزمارين يلتقيان في بدايتهما عند فوهة العزف ويتفارقان كلما ابتعدا عنها. ولعل هذه الآلة هي أصل آلة «الآولوس» اليونانية. كما وجد نقش في لوحة أخرى، من أور، يصور قرناً من الخشب سمي بالأكدية «بوكّو» (بزق)، وبالسومرية «كاران» (قرن). وقد صنعت بعض الأبواق المنحنية من المعدن نحو ألف عام قبل الميلاد. وإلى جانب هذه الآلات، آلة نفخ مدوّرة ذات ثقبين أو ثلاثة مصنوعة من الفخار شبيهة بالآلة الأوربية الشعبية «أوكارينا» ocarina.

                                  
الصورة (8) آلة جنك ذات 21 وتراً
          الصورة (9) اللير                       

واستخدم الآشوريون أنواعاً كثيرة أيضاً من الآلات الوترية cordophones وهي ذات شأن مميز في الموسيقى. ومن أهم هذه الآلات تلك التي تنتمي إلى أسرة «القيثارة»[ر] بأنواعها المختلفة (انظر الصورة رقم 4). وقد عني الآشوريون وشعوب بلاد الرافدين بزخرفة هذه الآلات وتنميقها ليلائم حسن صوتها جمال شكلها. واختلطت أسماء هذه الآلات فكان يستعمل اسم واحد لأكثر من آلة، كما كان للآلة الواحدة أسماء متعددة. وأقدم الآلات الوترية آلة تشبه القوس صنعت من الخشب وهي ذات صندوق طنين سفلي، وشُدّت بين طرفي القوس أوتار مختلفة الطول ينقر العازف عليها بأصابعه، ودعيت «زق ـ سال» وهي ذات أشكال مختلفة. وعثر على نوع آخر منها في مدينة أور، مصنوعاً من الذهب الخالص بهيئة ثور دقيق الصنع رصع بالحجارة الكريمة (يوجد مثال لهذه الآلة في متحف بغداد) (انظر الصورة رقم 5 والصورتين رقم 6-أ و6-ب). وتعد هذه الآلة، شكلاً، أصلاً لآلة الهارب الحديثة (انظر الصورة رقم 7). وكان الاسم «زق ـ سال» قد تطور لاحقاً إلى «جقّال» أو «جنكال»، وسميت في الهند «تْشنك»، اختصاراً، وفي الفارسية «جنك» كما يسميها المصريون.


الصورة (10) آلة
الآشور

وازداد عدد أوتار الآلات الموسيقية عند الآشوريين حتى بلغ في بعضها، كما في إحدى النقوش الأثرية، واحداً وعشرين وتراً (انظر الصورة رقم 8). وكان البعض منها يسمى بعدد أوتارها مثل «شاليشتو» أي ذات الأوتار الثلاثة، و«عشيرتو» أي ذات الأوتار العشرة. وانتقلت تسمية الآلات حسب عدد أوتارها إلى اللغتين الهندية والفارسية. ومن الطبيعي أن تتطور أشكال الآلات الموسيقية الوترية، فمنها ماكان يشبه العود الصغير إلا أن رقبته محنية و سمي «ميريتو» وكان منتشراً على الساحل السوري. ومنها آلة وترية أخرى ذات سبعة أوتار (شبيهة بالعود) سميت «سابيتو»، وأطلق الكلدانيون عليها اسم «سبعكا»، والآراميون «شبعكا» واقتبسها اليونانيون فسموها «سمبوكا». وهناك نوع آخر من القيثارة سمي «قيش ـ آل ـ غار» وهي شبيهة بـ «اللير» الذي أصبح رمزاً للموسيقى (انظر الصورة رقم 9). و وجدت آثار تحمل صوراً مختلفة لهذه الآلة ذات حجوم متعددة، وفي بعضها حيوانات تعزف عليها. وقد وجدت في تل حلف قرب منابع الخابور صورة أسد يعزف على لير مستطيل الشكل ذي خمسة أوتار. واستخدم الآشوريون كذلك آلة، تشبه العود الصغير، ذات رقبة طويلة وصندوق طنين صغير دعيت «بان ـ طور» أي القوس الصغيرة، واقتبسها اليونانيون ودعوها «باندورا » ثم أبدل الفرس مقطعيها فأصبحت عندهم «طان ـ بور»، وهي آلة «الطنبور» أو «البزق» الحالية.

 

الصورة (11) الكنّارة

وهناك أيضاً نوع آخر ذو أوتار كثيرة شبيه بـ «القانون العربي» وقد وجدت صورة لهذه الآلة في قصر نمرود في العراق يعود تاريخها إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وكان بعض هذه الآلات ينقر بالأصابع والبعض الآخر يقرع بمطارق خشبية، وهذه الآلة أصل «السنطور» الغجري. أما آلة «الآشور» فتعلق بحزام على الكتفين وتضرب أوتارها الثمانية بمضرب خشبي (انظر الصورة رقم 10). ومن الآلات الوترية المفضلة لدى الآشوريين أيضاً «الكنّارة» وهي شبيهة باللير ويعزون اختراعها إلى أحد الآلهة (انظر الصورة رقم 11).
 
                  حسني الحريري، هشام الشمعة
 

 

 

 

 

HOME