كتابات حنا شمعون / شيكاغو

يوم اللغة الآشورية في شيكاغو، الذكرى الثانية

 

قبل عام وفي يوم الحادي والعشرون من نيسان انبثق يوم خصيص للغة الاشورية وذلك احتفاءاً بصدور قاموس اللغة ألاشورية من جامعة شيكاغو بعد دوام مستمر لكتابته استغرق ما يقرب التسعون عاماً-- ابتدأ عام 1921 -- واشتغل عليه المئات من العلماء الآثاريين واللغوين في العالم وصدر هذا القاموس اللغوي الأضخم في العالم في 21 مجلد. وفي العام الماضي ايضاً وفي مثل هذا الوقت دعي من قبل المجلس القومي الى شيكاغو كبار اللغوين وألادباء والأعلاميين والفنانين من ابناء شعبنا ومن مختلف ارجاء العالم لتدشين الأحتفال بهذه المناسبة التاريخية في حقل اللغة الآشورية  واستمر ذلك لعدة ايام، وكان المدعوون كل من بنيامين حداد، لطيف بولا، ميخائيل ممو مروكَل، امير المالح، يوارش هيدو، ولسن ملهم نرساي وجوان يوسف ريحانا.

هذا العام وفي الذكرى الثانية لما يعرف الآن يوم اللغة الآشورية اقيم احتفال خاص يوم الأحد المصادف 19/4/ 2015 على قاعة المجلس القومي الآشوري ونقلته قناة ANB سات مباشرة  وكان الأحتفال برعاية المجلس القومي الآشوري ومؤسسة الأتحاد الآشوري العالمي في الينوي، وحضره جمع غفير من الكبار والصغار ذكور واناث، وجلهم من محبي لغتهم القومية والمفتخرين بها. كيف لا وانهم يتكلمون اللغة التي بمثلها تكلم المسيح  له المجد، والقديم جداً من لغتهم يهتم به الأجانب ليؤلفوا منها 21 مجلداً ويخلدونها تحت الأسم ألاشوري الذي هو اسم قوميتهم.

المتحدثون في هذه المناسبة كانو كل من:

- شيبا مندو رئيس المجلس القومي الآشوري، رحب بالجمهور وفي كلمة مقتضبة اشار الى الظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا المشرد في العراق وسوريا، اضافة الى فقداننا لقداسة مار دنخا الرابع وكان من المتوقع الغاء هذا الأحتفال لكل هذه الأسباب، ولكن معرفته بمدى اهتمام الفقيد مار دنخا باللغة دعاه الى المضي قدماً للأحتفاء بهذا اليوم التاريخي.

- جوان يوسب ريحانا وتحدثت عن اهتمام الفقيد قداسة مار دنخا الرابع بلغتنا القومية وكان قد اولى اليها في اوائل الثمانينات من القرن الماضي لتشكيل لجنة خاصة تهتم بتعليم اللغة الآشورية ولأول مرة اُدخلت اللغة الحديثة في تؤليف الأناشيد الكنسية وخدمة القداس الألهي.

- هرمز يوسف القى قصيدة وكانت محاورة بين فتى وابيه بعد رؤيا رأها الفتى في الحلم وفيها شكا مار افرام من الحالة التي وصلت اليها اللغة في عصرنا من انحطاط وعدم الأهتمام. نصيحة الأب كان الأهتمام بهذه اللغة الجميلة والحفاظ عليها .

- عمانوئيل سلمون تحدث عن اللغة الآشورية القديمة والحديثة وبعض القواعد والأغلاط التي نداولها في حياتنا اليومية وعلى سبيل المثال قال انه يفضل نسمي الشاعر بلغتنا القومية ب " شاعيرا" او "آمورا " والثانية هي قديمة قدم اللغة اللغة الأكدية، وذلك من بدل "ماخورا" التي تعني المهندس. كما اكد على وجوب تصفية لغتنا القومية من المصطلحات الأجنبية.

- بيير شمعون هو الآخر القى قصيدة عن الأديب المرحوم زيا نمرود كانون المتوفي في شيكاغو وفيها تحدث عن مناقب هذه الشخصية اللغوية الفذة ومؤلفاته.

- مارينا بنجمين وقدمت شعراً من تاليف والدها المرحوم الأديب اختيار بنيامين وكانت القصيدة بعنوان " لشانا ديما/ لغة الأم" وكان قد كتبها عام 1974، وكذلك تحدثت عن بحث نشره والدها عام 1979 وهوعن تاريخ لغتنا المحكية والأدبية.

- الدكتور دانييل ممو وتحدث عن يوم اللغة الآشورية وظروف نشأته وأهميته التاريخية وشكر الحاضرين لمشاركتهم في هذه المناسبة.

عريفا الحفل كانا ممتازين وهما كل من شميرام يلدا ونينوس نيراري الذي كانت مساهماته  بين تقديم الفقرات اكثر من رائعة متناولاً اهمية الأحتفاء بهذه المناسبة القومية وذكر ان كل امة تعرف بلغتها وهي التي تحدد مسار المجتمع واعطى مثالاً عن العبرانية التي احياها اليهود وانقذوها من الانقراض وهي اليوم لغة تسييرامور دولة في المعالم السياسية والعلمية وكل مجالات الحياة اليومية. وكذلك اورد نينوس من خلا ل ملء الفراغات بين الفقرات ان اللغة الآشورية القديمة كانت لغة الدبلوماسية وقد وجدت لوائح أثارية في مصر تؤكد هذه الحقيقة. كما قرأ في الختام قصيدة كتبت قبل خمسة الاف سنة في سومر ومحفوظة الآن في المتحف البريطاني وكانت قصيدة رثاء كتبها رجل سومري فقد زوجته.

كما ان صبية المدرسة الآشورية في المجلس القومي الآشوري قدموا فقرات تعلموها في مدرستهم التي تجمعهم في عطلة نهاية الأسبوع، وشملت على انشودة بعنوان " شلاما / السلام" و تمثيلية معبرة باللغة الآشورية الحديثة.

في الختام الجمهورالحاضر كان فرحاً وراضياً بما قدم في هذاالحفل الذي من المؤمل ان يصبح مستمراً في كل عام.

وهذه بعض الصور التذكارية التي التقطتها كامرتنا في هذه المناسبة الرائعة.





 

برام بريم بروس

في رد سريع على موضوع تراثي لأحدى العاب شعبنا الآشوري " سورايي " في قرانا الشمالية نوهتُ عن قرعة تذكرتها منذ عهد صباي في سن التاسعة حين تركت قريتي منكَيش الى مدينة الموصل. لكن كما هو معروف فان سنين الصبا هي اقوى مخزون للذاكرة في عقل الأنسان. القرعة التي كنا نسميها " برام بريم بروس " لازمتنا في مدن النزوح وخاصة بغداد حين كان اهالي قرية منكَيش من الأوائل  في تنظيم السفرات الجماعية وكان شقيقي الكبير شمعون متي من الرواد في تنظيم هذه السفرات الى الصويرة ومدينة بابل الأثرية في اوائل السبعينات من القرن الماضي. وفي تلك السفرات الجماعية كانت ذكرى لعباتنا الشعبية لا زالت في مخيلتنا ولذا كنا نزاولها بشغف ونحن كبار متذكرين عهد الصبا في قريتنا الحبيبة. وكما الحال دائماً فأن مباشرة اي لعبة كانت تحتاج الى القرعة وكان ثمة اختيارات منها " الطرا/ الصورة والكتبة " التي كانت سارية في المدن الكبرى اما في عهد صباي حيث لم يكن من نقود متوفرة فكنا نلتجئ نحن الصغار الى قرعة اخفاء حصوة في احد الكفين ليكتشفها صاحب الحدس اللاذع كما هو معروف في لعبة "المحبيس" لدى اخوتنا المسلمين في ليالي شهر رمضان. لكن القرعة المفضلة  لدى المنكَيشين الصغار كانت ال "برام بريم بروس" بلفظ ب مثل حرف P اللاتيني. وهنا لا بد من ذكر قرعة اخرى جاءت في الكتاب المقدس حين وضع الجنود القرعة "بشكي"على قميص سيدنا يسوع المسيح بعد صلبه، وهذه الطريقة كانت  تستعمل في منكَيش لتوزيع الأملاك بين ابناء العائلة الواحدة.  

كيف تجرى القرعة

تحتاج قرعة ال برام بريم بروس الى ثلاثة اشخاص بالأقل، اثنان منهما هما رئيسي الفريقين والثالث هو لاعب خامل وان فاز بالقرعة فذلك لا يعني شيء ولذا تعاد الكرّة حتى يفوز احد من رؤساء الفريقين. اما كيف يفوز أحدهما حسب مجريات القرعة فأن أيادي الثلاثة تتشابك ثم يبدأون بترتيل الموال برام بريم بروس على ايقاع نغمي يبدأ مع رفع الأيدي مع لفظ كلمة برام ثم مع كلمة بريم تنزل الأيادي الى مستواها الأصلي وثم مع لفظ كلمة بروس فان كل من اللاعبين يختار ان يضع كفيه اما بصورة مطابقة اي راحة اليد على الراحة الأخرى او بصورة مضادة اي قفا اليد على راحة اليد. وفي هذا ثمة احتمالين: اِما الثلاثة يكون اختيارهم مطابق وهذا نادر ولكن ان حصل فان الكرّه تعاد، واِما واحد من الأثنين يختلف عن الآخرين ويكون هو الفائز بالقرعة، ولذا فان فريقه يكون الذي يختار الموقع الأفضل او المقام الأعلى او الباديء  في اللعب. اما الفريق الخاسر في القرعة فليس له خيار وفي هذه الحالة ويطلق اعضاء الفريق الرابح في القرعة عليهم " ال يموخون / عليكم النوبة ".

أصل الموال برام بريم بروس

يبدو ان هذه العبارة التي كتبتها اثارت فضول رابي بدران امرايا الكاتب اللامع في  تراثنا الجميل فأستوقفته وأفرحته ويبدو انه لم يسمع بها من قبل ولذا كان قراري ان ابحث عن اصل الكلمة التي ظننتها في البدء لاتينية او فرنسية جاءتنا عن طريق الأباء الدومنيكان الذين جلبوا لنا كلمات مثل " طماطة " والتي سماها اهلنا "خبوشي دباتريه/ تفاح الأباء الدومنيكان" او " بتاتي / البطاطة ". وهنا اود ان اذكر ان الصدفة وحدها كانت المفتاح لوصولي الى اصل هذه العبارة. فقد وقعت عيني في تلك الفترة على موضوع بالأنكليزية وفيه وردت كلمة استوقتني لبرهة وكان الموضوع عن احتفال يهودي يقع في شهر آذار وكانت  هذه الكلمة في لفظها تشبه كلمة "برام" لكن انشغالي او قل تقاعسي دعاني ان انسى الموضوع بكامله الى ما بعد يومين واردت ان اتذكر اين وجدت الكلمة وكيف كان لفظها ولكن الذاكرة خانتني حتى كدت ان انسى الموضوع كلياَ، لكن ارضاءاً لفضول رابي بدرايا قررت ان اجهد نفسي أكثر بدءاً ب ماذا كان الموضوع الذي قرأته بالأنكليزية واسعفتني الذاكرة هذه المرة انه كان عن اعياد اليهود ولذا استعنت بالعم كَوكَل لمعرفة اعيادهم في شهر آذار فتوصلت الى عيد Purim الذي يبدأ هذه السنة في 4 آذار. ما اخبرني العم كَوكَل عن هذا العيد فكان امراً يصعب تصديقه والى القارئ الكريم ما ورد في الويكبيديا حول هذا الموضوع:

"بوريم أو فوريم (بالعبرية: פורים عن هذا الملف פורים (؟معلومات) پوريم) تعني (القرعة) وهو ذكرى لخلاصهم في بلاد فارس من مجزرة هامان وزير الإمبراطور الأخميني أحشويرش، حين ألقى قرعة ليرى اليوم المناسب لتنفيذ قتل اليهود. لكن (أستير) اليهودية - زوجة الملك - استطاعت بتوجيه من مردخاي أن تنقذ اليهود وتفتك بهامان وأتباعه."

لم اصدق حالي وعيني تقع على كلمة "القرعة" --وهي بمثابة اطروحتي في هذا الموضوع --ان تكون ايضاً لب فرحة اليهود بهذا العيد حيث يقيمون الأفراح مرفقة بالعاب خاصة بهم.

شيء من اللغة والموسيقى

الموال كما نلاحظ متكون من ثلاث كلمات والأصلية هي الأولى اما البقيتان فهما لأجل الأيقاع الموسيقى كي يقود حركات الأيدي الى النهاية كما يحدث في رقصاتنا الشعبية. الملاحظ ايضاً ان كل كلمة تحوي على هجاء معين، الاول هو السقابا / الزقاف ( برام ) و الثاني الحواصا/ الحواص (بريم) ثم الثالث وهو رواحا / الرَواح ( بروس) وبهذا يكون الهجاء ثلاثي لكامل الموال ، وكل هجاء يرافق حركة للأيادي.

في بحثي عن الموضوع وجدت ان اصل كلمة بوريم المذكورة اعلاه وحسب اجتهاد العلماء هو كلمة  Puru والتي وجدتها في قاموس سايمون باربولا عن الأكدية / الآشورية تعني "وافر" و"قرعة" اما الوافر فهذا ما نعرفه من لغة السورث المحكية حيث نقول مايي/ ميي بريي اي وفير من الماء. المعنى الثاني الذي اورده  بارابولا وهو القرعة فهذا يؤيد اطروحتنا هذه عن القرعة المفضلة لدى اطفال منكَيش في طلب الحظ الوفير. واضافة للمعلومات اود ان اذكر ان الوافر والقرعة لهما معنى شبيه جدا، ومن غير الغوص في التفاصيل اذكر هنا: في الأنكليزية ترجمة كلمة Puru  الأكدية حسب باربولا هي Lot , Lottery  والبقية اتركها لمخيلة القارئ الكريم.

 ان اردنا البحث عن كلمة "بريي اوبريوثا " فأغلب الظن اننا  لن نجد لها اثرا في قاموس اوجين منّا لأن ببساطة الكلمة  اصلاً ليست سريانية بل هي أكدية ولذا نقول ونؤكد دوماً ان السريانية المحكية "السورث" هي غير السريانية . قاموس منا -- الطبعة الحديثة -- وان جاء تحت عنوان قاموس كلداني - عربي فهو ليس هكذا بل هو سرياني - عربي لأن لو كان كلداني -- ونقصد هنا الكلدانية القديمة--  لكان أكدي ايضاً واحتوى على كلمة بريا  كما احتواها قاموس باربولا.

شيء من التاريخ

الملفت للنظر في هذا الموجز الوارد في الويكبيديا له تفاصيل اكثر حين تحويل الموضوع الى الأنكليزية ومنه استشفت ان جذور هذا العيد مستمدة من التاريخي البابلي خصوصاً ان قارنا الكلمات الرئيسية الواردة في الموجز اعلاه، واحداها كلمة مردخاي القريبة جداً من مردوخ الاله الذي عبده البابليون وهكذا ايضاً أستيرالتي يبدو ان اصلها عشتارالهة الحب عند البابليين. هنا اضيف انه يبدو من الكتاب المقدس ان القرعة السارية في فلسطين كان الأقتراع " درايا دبشكي". القرعة التي نحن بصددها هي من تراث بيث نهرين وليس من تراث فلسطين ان كان تخميني في مكانه. والمغزى من احتفال اليهود في هذه المناسبة يكمن في الحظ الوفير الذي نالوه حيث انهم في ليلة وضحاها، واحد ثنين تلاثة او برام بريم بروس  تحول قدرهم  بالصدفة او بقدرة قادر من الأبادة الجماعية في مملكة الأخميننين وفي عهد احشويرش الى النجاة حيث ان الحكاية تقول ان الملك  في الليلة قبل ان ينفذ هامان وعده بتصفية كل اليهود اصابه الأرق وذلك الأرق ذكّرَ الملك باخلاص مردخاي له ليصبح ذلك طوق النجاة لليهود والأكثر من ذلك ان الذي اراد لهم السوء (هامان) وكل جماعته نالوا قصاص الأعدام بأمر من الملك، والوزير مردخاي رفعت منزلته الى مرتبة رئيس الوزاء بدلاً من هامان المقتول ، والقرعة هنا هي رمز هذه الحكاية التي محورها هو الصدفة التي جلبت الحظ الوفير.

يخبرنا التاريخ ان الملك نبوخذ نصر جلب عشرات الألوف من اليهود فيما يعرف ب السبئ البابلي وبعد سقوط دولة الكلدانيين عام 538 قبل الميلاد ليقبع اليهود تحت حكم الأخمينيين وحينذاك حصلت هذه الحادثة. اما ما علاقة منكَيش بهذا الحدث فلا بد ان نقرأ  ايضاً شيئاً من تاريخ هذه القرية الجليلة. وهنا اقول ليس لي دراية ان كانت مثل هذه القرعة تجرى ايضاً في بقية قرانا الشمالية ولكني لا أشك في انها كانت منتشرة في هذه القرى خاصة اذ علمنا ان جذورها تصل الى عمق حضارة بابل، كما اسلفنا وحال هذه القرى هو حال منكَيش وهنا فقط استشهد بالأسماء يزداندوخت وسلطان مادوخت. ولذا استغيث بأخوتي المهتمين من القرى الأخرى ان يردوا على الموضوع بمعلوماتهم الثمينة والمشكورة سلفاً.

يكتب الأب البير ابونا في ترجمة كتاب الرؤساء ل توما المرجي ان منكَيش  كانت تسمى بيث مكَوشي اي بيت المجوس والمجوس هم الفرس الذين حكموا المنطقة بعد ألاخمينين . اما الوجود اليهودي في المنطقة فلا شك فيه وحتى الخمسينات من القرن المااضي كان قرى يهودية في المنطقة كما ان اباءانا وامهاتنا يحكون دوماً عن يهود كانوا يصلون القرية لغرض التجارة والبيع. اما معبد ناحوم في القوش فهو تحصيل حاصل لوجود اليهود في ام القرى لأبناء السورث منذ عهد الآشوريين.

الخاتمة

ان تراثنا جميل وهو الدليل لأنتمائنا الى بيث نهرين / العراق وسوريا وقسم من تركيا وايران، منذ عهد أقوام السومريين والأكديين وان كلدووآشور هي نتاج  هولاء الأقوام، ولذا ان اي محاولة لتهجيرنا من هذه الأوطان او محو تاريخنا هو محاولات بائسة وسقيمة، وقد ذكرت هنا امراً بسيطاً لا زلنا نحتفظ به من تلك العهود اكثر من غيرنا ، وقد كان هذا الأمر بمحظ صدفة فما بالنا لو استثمرنا بعض الوقت للتفتيش في خفايا تراثنا كما فتش الآثاريون عن أثارنا وقلبوا كل المفاهيم عن تاريخ بلاد الأنهر "بيث نهرين" ليطلق عليها التعبير الشائع "مهد الحضارات". دعوى مخلصة انشرها هنا للأهتمام بتاراثنا اللغوي والغنائي والقصصي وما شابه.

برام بريم بروس، لبقاءنا في ارض الأجداد.

                                                    حنا شمعون / شيكاغو

 


أ
مسية عيد الحب " فالنتاين" في شيكاغو



 

اقيم هذا العام عيد الحب في شيكاغو على قاعة المجلس القومي الآشوري "متوا" الواقع في ضاحية سكوكي وذلك مساء الأحد المصادف 15/2/2015 . زينت القاعة بلون الحب الأرجواني- الأحمر ومثل كل عام كان الجو بارداً ولكن حرارة الحب لم تمنع الكثيرين من الحضور  وألأحتفال بهذا اليوم الخاص في جو شعري وشاعري وبرعاية المجلس القومي ألاشوري في الينوي وتنظيم فرقة كَلكَامش للفنون بريادة الشاعر نينوس نيراري.

الأحتفال هذا العام كان فريداً من نوعه من حيث انه واكب العصر الذي نعيش تقنيته حيث نقلته شبكة ANB sat على الهواء مباشرة وربما كان ذلك سبب اعتكاف البعض في بيوتاتهم لمشاهدتة عبر شاشة التلفزيون ولكن في نفس الوقت كان بمقدور جمهور واسع في كافة انحاء المعمورة في مشاهدته وسماع شعراء الحب يقرأون أشعارهم العذبة.

الشاعر هاني خزيران مثل كل احتفال سابق بعيد الحب كان اول الشعراء الذين اعتلوا المنصة وكما وصفه نينوس بالمحارب  القديم  في مجال المشاركة، القى قصيدتين من شعره الذي يعيش كلماته في حياته الزوجية حيث انه في كل عام وعلى مدى طويل يحضرهذا اليوم مع شريكة حياته ليتلوا لها قصيدة خاصة وهذه المرة كانت قصيدة " أخجي قاتخ / لكِ فقط ". فسحة غنائية من اداء الفنان عوديشو عوديشو احد المشاركين المواظبين على حضور هذا الأحتفال السنوي والغناء فيه، ثم كان دور الشاعرة نيمو رشو  وهي الأخرى حضرت مع زوجها وأبنهما لتلقي قصيدتين بهذه المناسبة. ثم كان دور الشاعرة نهرين يلدا التي لم تعتلي الى حيث المنصة بل من بلدها في المانيا تلت مباشرة  قصيدتها " مخباني دشكلي/ محب صورتي " وأستمع اليها حيّاً الجمهور الحاضر في القاعة والمشاهدون في بيوتاتهم في كل مكان. وبعد هذا قدمت هدية يوم عيد الحب من قبل السيد شيبا مندو لزوج من الحضورالذي يحضر هذه المناسبة سنوياً ووقع الأختيار على الدكتور دانييل ممو وعقيلته مركَريت. بعد هذا جاء دور مايسترو المناسبة الاّ وهو الشاعر نشأت يونان الذي ظل مواظباً للمشاركة كل عام منذ سنة 1988 حين بدأت فكرة اقامةهذا الأحتفال في شيكاغو. نشأت صاحب الكثير من كلمات الأغاني لأشهر المطربين الآشورريين قدم قصيدتين احدهما جدية والثانية هزلية لأضفاء جو البهجة والتي دوماً يستمتع بها الجمهور لما يحمل نشأت من روح النكتة والدعابة .



جيمس يوسف وهو ابن اخ الفنان الراحل بيبا القى قصيدته " رمزا داِشقي / رمز عشقي " ومن ثم كان دور عازف السكسفون جونسن جبرائيل بابيلا ليوقظ الحب النائم في قلوب الحاضرين والمشاهدين اينما كانوا. وعودة اخرى الى تقنيات العصر صار بامكان الجميع اينما كانوا الى الأستماع الى الشاعرة منى صليوا من بيتها في لاس فيكَس حيث اسمعتنا قصيدة " لبا بيل تري لبواثا/ قلب بين قلبين " . الكاتب المعروف نمرود سليمان القى قصيدة نثرية استمدها من النيراريات الغزلية التي يكتبها نينوس نيراري باللغة العربية.

الشاعر المبدع في القصائد القومية هرمز يوسف القى قصيدته " خوبا بيل كويني / حب بين الخيم " وكانت قصيدة رائعة في منتهى الحبك اللغوي السليم، عاكساً  قصة غرام في حياة المشردين من ابناء امته الذين يعيشون في زمن الشرداعش.  بعد ذلك كان مسك الختام وكالعادة بأحدى روائع الحب من رائد هذا الأحتفال الشاعر الكبير نينوس نيراري وقبل ان ينتهي نقل هذا الأحتفال عبر الأقمار الأصطناعية. قصيدة نينوس كانت بعنوان " مولادا دخوبا / مولد الحب " .

بعد هذه القصيدة انفرط عقد الكراسي وجال الحاضرون فيما بينهم، منهم مهنئين ومنهم ملتقين لألقاء التحية والأطمنان على الصحة والعافية، وانا شخصياً كنت اتجول بينهم لألتقاط الصور التذكارية لهذه المناسبة السعيدة على قلوب اهل الحب والمحبة. وفي هذا الجو المحب كان الفنان جونسن بابيلا بأنامله الذهبية يعزف اروع معزوفاته الموسيقية لأغاني جان دشتو وبيبا  ليفعم القاعة بجو الحب والعشق وهكذا من بعد ذلك جاء ثانية دور الفنان عوديشو عوديشو وغنى اغنيه بالسورث وانا في انشغالي فكرت اني استمع الى اغنية ناظم الغزالي " عيرتني بالشيب وهو وقار ".

في الختام اقدم لقراءناالأعزاء قصيدة "خوبا بيل كويني" للشاعر هرمز يوسف على الرابط الصوتي:

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/Ninw.WMA.mp3Publish/Hermiz Yousip.mp3

 

                                                                             حنا شمعون / شيكاغو








 

 

القصائد النيرارية، سماع و تحليل

الجزء الثاني

في  الجزء ألاول تطرقنا الى القصائد التي كتبها الشاعر نينوس نيراري لغاية 1995 ، ويسرنا هنا ان نكمل مسيرة نينوس الشعرية الى ما بعد هذا التاريخ ومن ضمنها قصائد وصلته في الغربة وكان قد كتبها في الوطن وبقت هنالك حتى جاء بها صديق هارب من جحيم النظام السابق وكانت على شكل قصاصات اصبحت خميرة لقصائد جديدة وتسجيل جديد صدر عام 1995 تحت عنوان " مقوختا/ الصراخ" وضمن هذا التسجيل جاءت قصيدة  التي نعرف منها ان نينوس منذ عهده في العراق كان شغوفاً بالمرحلة المضيئة التي دشنها آغا بطرس في اورمي وهكاري والتي أطرها نينوس بكتاب ثمين تحت عنوان " آغا بطرس ، سنحاريب القرن العشرين". كما ان هذا التسجيل يحوي قصائد قصيرة  وعلى غرارها الّف البقية من قصائده القومية الطويلة التي تتجاوز كل منها السبعين سطراً وكل سطر فيه ثلاث مقاطع والمقطع الواحد من اربع او خمس هجآت.

بعد 1995 يشعرنا نينوس عبر قصائده القومية ان الروح الحماسية لا زالت تنبعث من كل كلمة وكل سطر وكل بيت في قصائده ، هذه الروح يحس بها المستمع ولكن ان حدث ان تحول المستمع الى قاريء لقصائد نينوس فأن الكلمات الخرساء تنطق بهذه الحماسية وحتى عناوين القصائد جاءت تحمل هذا الخطاب الحماسي. في قصيدة " قريلون سبواثي/ اقرا شفاهي" المؤلفة من 17 رباعية يصول ويجول نينوس في تاريخ امته وخاصة ذلك الألق الذي اثبت فيه الآثوريون في تياري وهكاري واورمي انهم حقاً ورَثة الآشوريين القدماء فهم على قلتهم وضعف تسليحهم وقفوا بعناد امام الشر الذي كان يتربص بهم والمتمثل في النوايا السيئة لجيرانهم المدججين بالعدة والعدد. ولكن كما يسمعنا نينوس " تيول بندانا ربيساليه صووتي وبيي موسخري /  العالم الماكر رفس مطلبي وأستهزء بيّ " وهذه اشارة لخيانة الأنكليز المتنفذين في عصبة الأمم المتحدة  وتسويفهم للقضية الآشورية. نينوس يلقي هذه القصيدة بصوت حزين مؤطر بالمقطوعة الموسيقية المشهورة  " نينوى "  كيف لا، وأحد الأبيات منها جاء هكذا:

كوراخي بيدي /  دمي بشباخا /  لدبناتي صولبي          كفني بيدي ودمي ينزف من الشقوق على جنبي

هيكلي خوشكني /  ليت سخبراني / لا بندي طوبيّ       هيكلي مظلم ،لا شموع مضيئة ولا من معتنِ

اروقا بدونيّ / من ايدا لأيدا /   قطعاتي سوبيّ            مهاجر في الدنيا من يد الى يد تنتقل قطعي

بزدايون ديرا/  تشعيثا دبرمي / توشناقي ورذوبيّ        خائف ان يعود تاريخ المذابح  والأضطهاد

في هذه القصيدة، المتكلم يخاطب المؤنث وليس معروفاً من هو المتكلم ولا المؤنث سوى ان الأول استلم "اكّرتا / رسالة " ( وهي مؤنث بالسريانية) تبعث الأمل في روح المتكلم الذي  يتحدث كونه مقاتل سابق وحاليا ينطق بلسان كاتب او شاعر يخجل من ان يقارن المرحلة التي هو فيها مع مرحلة البطولات حين قاتل الأعداء في جبال هكاري وسهول اورمي، وهذا يوحي ان المتكلم هو التاريخ بشخص الكاتب كما ان الرسلة هي الناطقة بأسم الأمة. ، وهنا نؤكد ولو ان الألقاء حزين لكن يظل يُشعر المستمع ان نينوس يصرخ عالياً ليهز الضمير الأنساني.

ثلاث قصائد كتبها نينوس فيها تقدير لأشخاص قوميين كرسوا حياتهم لخدمة الأمة تحملوا كل العذابات ولم ينخرفوا قيد انملة عن مسيرتهم النضالية. هولاء هم ايوان كّوركّيس، يوسف اقبالوت، وتوما زيباري.

عن ايوان كَوركَيس المتوفي بداية عام 2003 في فينكس، اريزونا، ويعتبر اشجع خطيب عرفته الأمة ألاشورية في تاريخها المعاصر. عن ايوان رفيق الدرب لمدة ثلاث وعشرون سنة يكتب نينوس واصفاً اياه صديق الشعراء، متواضع الروح، مليء بالجراْة، ودايس على الأشواك. وهذه الأبيات البديعة والمعبرة  وردت في قصيدة  "رب ملالي/ سيد الخطباء " :

ان لا بي يغروغ / اينا بي روخخ / بُد بيشت خايا       ليس بجسدك بل بروحك ستكون حياً

قالوخ لي شاتق/ مدري بدرايم/ لقوما بقرايا              صوتك لن يسكت بل يعلو مناديا با لنهضة

موتا دطنانا / ايلي مولادا / وليلي شونايا               موت الغيارى هو ولادة وليس نهاية

ايلي خوداتا / مخ لبا ولبا / هاوي بتنايا                 انه تجديد مثل الأمواج التي تعيد ذاتها

الجمالية هنا تكمن في ملاحظة نينوس ان موجات البحر تتجد حين تموت ويا له من تشبيه رائع بأن الغيارى على مطلب امتهم مثل ايوان كَيوركيس لا يموتون.  وما عرفته عن ايوان انه كان يبتدئ خطاباته بصوت خافت مثل موجة البحرلا يلبث ان يتحول جهورياً وقوياً لحد ان يجعل المستمع ينصت اليه بجاذبية شديدة.

وعن يوسف اقبالوت من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية كتب نينوس قصيدة " شرارا مقوخي /  الحق ينادي " . الكاهن يوسب اقبالوت القي به في السجون التركية ليقاسي اقسى انواع العذاب  في نهاية القرن الفائت لأنه تجرأ وحمَّل الأتراك مسؤولية الأبادة الجماعية للمسيحيين في تركيا ابان الحرب العالمية الأولى. نينوس يخبرنا في هذه القصيدة ان روح الشهيد آشور بت خربوط الصحفي الجليل تجلت في شخص يوسب اقابلوت  فكان مدافعاً حقيقياً عن الحق في بلد لا يعرف الحق ، مثل تركيا.

اوقت خا دارا / عل طربا دبرمي / وقطلا دمشيخاي          غبار قرن كامل غطى مقتل المسيحيين

شبلوخ بمردوثا / لا زديلوخ صبخي /  الوخ توركايي         كشفت عنه ولم تخف هجمة الأتراك

شرارا  كليله / ايوت ناوكَا / دن آشوارايي                       الحقيقة واضحة انك سليل الآشوريين

لشانوخ سيبا / صدروخ مطالة / صريمثوخ دقايي              لسانك سيف وصدرك درع وصلابتك كالحجر

"اوا  دراري / أب المناضلين " قصيدة رائعة ومعبرة عن المرحوم المناضل توما هرمز زيباري والد الشهيد يوسب زيباري المعروف عنه انه كان مرشداً للشباب الجامعي الآشوري وكان يملك اراضي شاسعة في محافظة دهوك لم يشأ بيعها حتى في احلك الظروف ، وعنه يسمعنا نينوس في مفضّله البيت الخمس عشري:

آوا درراري / ليه تلقي رنيوخ / ولا ملبانوثوخ                اب المناضلين لن تضيع افكارك وتعاليمك            

تولداثاي دآثي / بد يليبي  طوسا / من كَباروثوخ             جبروتك  سوف يكون مثالاً للجيل الجديد

شنوخ دسيبوثوا / اينا كَو رخطا / خزيلن عليموثوخ         في شيخوختك لمسنا منك عنفوان الشباب

كَدن كَورا ايوا / خييلن كَو زونوخ / وشقلن مردوثوخ       قدرنا كبير لأننا عشنا في زمانك

ما لم اذكره هنا ان شاعر القرنين ، نينوس نيراري اورد في هذه القصيدة ان "اب المناضلين" قدم ابنه يوسف هدية للأمة ومطلب نينوس من هذا المناضل العتيد ان يخبر يوسف ان نبوة يوسب تحققت وضُرب رأس كبير الجلادين بالأحذية . كان الشهيد يوسف توما هرمز زيباري قد نطق قبل استشهاده مخاطباً جلاديه: " وستظل احذيتنا فوق رؤوسكم ".

نينوس استمر في كتابة شعره على هذا المنوال، رباعيات بمقاطع طويلة لحد 12 او 15 هجاء كما اسلفنا والسبب ان هذا المنوال هو الأسلم للتعبير عن الصور والحكم والتاريخ الذي يزخر بها فكر نينوس وكل ذلك لخدمة القضية القومية. ومن الملاحظ ايضاً ان نينوس هو اكثر اتزان وأكثر قبول للواقع بحيث نرى ان ذلك الغضب الذي كان ينطق به عالياً تحول الى نطق بالحقائق وليحكم الضمير والقاريء من هذا البيت الأثنا عشري.

ان لا اديوم /  اينا قودمي / ايلي دين                ان لم يكن اليوم فغداً هو لنا

ليث مردوثا / بدوني ليله / شتيثا ممين             كل ثقافات الدنيا ارتوت ماءنا

يا بت نهرين / لتلوخ شوبرا / الاّ بيين              يا بت نهرين جمالك من جمالنا

ويا تشعيثا / ليوت خيثثا / الاّ بخيين                ويا تاريخ و جودك من وجودنا

كل بيت من ابيات نينوس الشعرية  عجيب في تركيبه ومحتواه وسحره وهو لا يكرر المقطع لا في نفس القصيدة ولا من قصيدة سابقة . الصور الشعرية تتجدد دوماً وهي مفهومة للمثقفين والعارفين بتاريخ الأمة لأنها من التاريخ المعروف او من الحكايات المتداولة والثقافة العامة حتى مفردات الكلمات نادراً ما تتكر لأن قاموسه اللغوي واسع جداً وهناك كلمات قلما نسمعها حتى من بقية الشعراء ونينوس أتى بها في المكان المناسب  ليعلمنا اياها ويزيد من جمالية قصائده ومن هذه الكلمات التي  سابقاً لم تمر عليّ وعلى الكثيرين كما ان هذه الكلمات غالبيتها ليست من السريانية او الآرامية ، لغة الطقس الكنسي بل من قاموس لغة السورث السوادية وهذه بعضها : صليبا / مجروح ، شقصا / مزار، صريموثا / صرامة ، نورش / نورس، بولقن / بركان ، رشيعي / آثمين ، كوشاطا / رامي السهام ، نكَها / تنهد، كوشارا / تفاءل، اوقت / غبار، جابا / مثابرة،  ملئا وتوبا / مد وجزر.      

قصائد نينوس بعد عام الفين هي كنز من تاريخنا المعاصر ومما اثرى قيمتها ان نينوس الذي ترك الوطن في نهاية السبيعنات من القرن الماضي عاد اليه مترجماً وشاءت ارادة القدر ان محطته في هذه العودة  كانت سجن ابو غريب  السيء الصيت وهكذا مشى واقعاً في ممراته  المروعه وشاهد بام عينه غرفه،  وشواخص التعذيب حضرت كالطيف امام عينيه مما الهمه ان يكتب رائعته " شويلا دموتا / سبيل الموت " فحكى قصة استشهاد يوسف ويوبرت ويوخنا الذين كان يعرفهم شخصياً وها هو يمشي حيث مشوا آخر ايامهم ويحدق بعينيه في المكان الذي عذبوا فيه. يتخيلهم يساقون الى الموت من اجل القضية وكل منهم يمسك بذراع  نينوس و ثلاثتهم ينشدون اغاني قومية كانهم ذاهبون الى عرس آشوري وهنا الخيال يمتزج بالواقع والمتكلم بالمخاطب والحاضر بالماضي :

بر كول توشناقا / ككرتيه زمرا / قيناثا دقوما                 بعد كل جولة تعذيب يغني اغنية قومية

زمرتا دروش ياجونقا / عم يا آخوني / ويا اتور يما         مثل انهض يافتى، ياخي ويا اثور امتي

كول خا كَبارا / ميتا يان خايا / طويعيلا  روشما            كل جبار ميت ام حي ترك لنا لوحة

وراقيه كَودا / قلاميه صبعا / بيدويته دما                    ورقته الجدار ، قلمه الأصبع ومداده الدم

رغم قوة هذه الكلمات الا اني ارى من غير الأنصاف ان اورد هذه الأبيات وغيرها التي مرَّ ذكرها كنماذج من شعر نينوس المعبر عنه، او حتى انتقائي لقصائد معينة دون غيرها، لأن الحقيقة الدامغة ان كل بيت من قصائد نينوس هو بهذه الحبكة و القوة والسلاسة. قصائد نينوس ليست قصة ادبية نحكيها او اغنية مؤثرة نغنيها  اوفلم سينمائي نشاهده حيث المقدمة والمتن ثم الأستنتاج ، كلا القصيدة الأصيلة لا تكون هكذا لأنه  لو كانت هكذا لكان سهل الأتيان بها . الشاعر من طراز نينوس لا يُبرمج قصيدته ليكون هناك بداية ونهاية انما في حالة معينة وظرف معين يأتيه وحي الكتابة الشعرية وفيها تجتمع الموهبة الشعرية مع الثقافة و ملَكة المفردات اللغوية ،  ينعزل عن مؤثرات محيطه وينطلق في رحلة ذهنية شعرية  ليكتب بيت بعد بيت بعد بيت باستمرارية وسلاسة من غير تكليف وعناء مجهدَين، فقط بالنسبة لنينوس هنا يحدد لقصيدته كيل البيت الواحد ليكون ايقاعه متوازناً حتى تنهي الرحلة الذهنية بقصيدة تستحق الأنطلاق الى اذن المستمع.

عند نينوس عنوان القصيدة هو مغزى أحداث الحكاية ، اما الأحداث التي تتضمنها الحكاية فلكل منها شخوصه وحكايته الخاصة  الجلية احياناً والغامضة احياناً اخرى لكنه يبقيك في ذات الجو وكل هذا بفعل الكلمات والمصطلحات المستعملة فمقدرة نينوس هي فائقة في هذا المجال كما اسلفنا. المسموع يتعدى التأويلات والمعاني بحيث تشعر ان نينوس يكتب شعراً حراً لا تقيده القافية ونادر ان يكون بمقدور اثنان او مجموعة من المستمعين تفسيره بنفس المعنى بل كل يفسره حسب رؤياه وحسب وقع الكلمات عليه، اما المعنى التام فهو في قلب الشاعر دوماً.

 اسمعوا هذه الحكاية الخاصة التي تدور احداثها حول البحر ومن خلاله نينوس يطرح قضيته كشاعر يفتح لنا بوابته الشعرية المليئة بالمثابرة والجهد لكل الذي بمقدوره انجازه كشاعر غايته خدمة قضية امته، وجاءت الحكاية في بيت واحد جله أجواء البحر، من سمك ومد جزر وامواج عاتية وحتى الشاطئ الرملي . البيت ورَدَ في قصيدة  "ترعيثا دماخورا / بوابة الشاعر" وهي قصيدة اثني عشرية  / نرسيّة  ( من مار نرسيّ ):

خا نونا ون / كندورينا / ملئا وتوبا               مثل سمكة يقذفني المد والجزر

خرزوبينا / بكراشينا / بخمثا وكربا             تدفعني تسحبني بحماس وغضب

ليبي شغيشه / ال دبناثي / بثخلون دربا         امواج عاتية على جنبي فتحت جرح

وآنا لخيزا / بديوتا دما / كثولي شربا           وانا على الرمل بمداد الدم كتبت الحكاية

ومن اللزوم ذكره ان الشاعر في هذه القصيدة، نهايته هي الأستشهاد بسبب ولأجل القضية اذ ان السطرين الآخيرين جاءا هكذا:

ايمن دشمت / كَولا بقيلا / عدان د زراقا      حين تسمع ان قنبلة انفجرت مع الشروق

بود خازتلي / نبيلاسهدا / عل واراقا           سوف تراني قد سقطتُ شهيداً على الورق

عن شعر نينوس كتب الأديب الناقد شاكر مجيد سيفو وهو عضو في عدة مجامع لغوية سريانية وعربية ومعروف على النطاق العراقي والعربي، كتب هكذا في كتابه الموسوم ب " أطياف سريانية ":

"ان الشاعر نينوس نيراري يعيش تجربة القصيدة في الحياة ولها، ويؤكد من خلال مشهديته الشعرية انه قادر على ضخ النفس بالشعر والجمال في حواره مع الآخر الرمز بمده بالأمل والثقة والوجود ، ومن هنا كان يمعن في البحث عن لغة صورية وبصرية معاً لأقامة جسور التواصل مع القاري، جسور المعرفة بتاريخه وأبطاله ورموزه، انه يمعن في تسطير معانيه بهذه وبثه اللفظي والتوكيدي من ثنايا الحضارة البابلية الآشورية التي تعاقبت على الوجود وغذت الأنسانية والحياة بأنساقها وقيمها الفكرية العريقة..."

في السنين الأخيرة نجد ان نينوس قد توقف عن كتابة نيرارته با للغة السريانية او الآشورية كما يود ان يسميها، تَحول الى كتابة نيرارياته بالعربية على طريقة الشعر الحر القصير، تخلى عن القالب الرباعي لكن ظل المضمون نفسه نهر يجري بسرعة يحمل الينا الحكمة والتاريخ والعبر وحتى الحب وكل غايته هي خدمة القضية الآشورية التي هي نبض قلبه واوكسجين رئتيه. اما لماذا هذا التغيير فقد يكون سؤالي الكبير لنينوس ، لكن هذا لا يمنعني من ان تخمين الجواب:  نينوس أدى واجبه في اظهار رقيّ الشعر الآشوري،و للأسف لم يعد هناك منافسة شعرية بين الشعراء الآشوريين، والسامعون قلة في زمن الهجرات وانحطاط الثقافة.

ان الكتابة بالعربية لدى نينوس نيراري لها ضرورة ملحة  للتعريف بالقضية ألاشورية، كما ان الجمهور القارئ هو واسع ويشمل الآشوريين وغير الآشوريين فالعربية هي لغة عالمية تقرأها الملايين. نينوس يكتب نيراريته في عنكاوا.كوم واي اطلاع على احدى كتابته يدرك القارئ ان ثمة نزار قباني آخر يلهب الأبجدية العربية على صفحات الأنترنت مازجاً السياسة مع الحب.  كلما سنحت لي الفرصة اقرأ هذه النيراريات و رؤيتي لها انها لا تقل حبكة وسلاسة عن تلك  القصئد التي استمعت اليها بالسورث وكتبت رأي فيها.

فقط يبقي ان اذكر ان لنينوس في هذه الفترة اصدارات شعرية تتضمن قصائد الحب لم اتتطرق اليها وكذلك قصائد تلاها في المناسبات القومية والأجتماعية لم اضمنها في هذا المقال. كما ان الترجمة الواردة في هذا المقال هي ترجمة السطر الواحد بتصرف بحيث تضمن الفكرة غاضاً الطرف عن الترجمة الحرفية ضمن هذا السطر.

الى القاريء الكريم ارفق هذا الرابط الصوتي لقصيدَتي "شويلا دموتا"  و "ترعيثا دماخورا " مع الشكر له للقراءة والسماع.

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/Ninw.WMA.mp3Publish/Shwila D mota.mp3

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/shareID11258161/fileID2211159363/2211159363.mp3

 

                                                                                           حنا شمعون / شيكاغو

 

 

القصائد النيرارية، سماع وتحليل

الجزء الأول

أصدرالشاعر الآشوري نينوس نيراري لغاية العام 1995 ثلاث تسجيلات صوتية لأشعاره باللغة الآشورية الحديثة (السورث)  وقد صدر الأول عام 1982 بعنوان " ܒܲܠܒܵܛܵܐ: بلباطا / الشرارة" والثاني عام 1984 تحت عنوان "ܡܲܕܪܲܫܬܐܵ : مدرشتا / المدرسة" والثالث نزل الى الأسواق عام 1995 تحت عنوان "ܐܸܓܲܪܬܵܐ: اكَرتا / الرسالة ". وبعد استماعي الى هذه التسجيلات رأيت ان اطلع القارئ الأشوري والعربي وحسب وجهة نظري الى فحوى هذه القصائد والتي اتخذت صفة النيرارية لقوتها وعمقها التاريخي.

الشعر فن يتميز عن الفنون الأخرى كونه يحتاج اضافة الى الموهبة التي تلد مع الشاعر الى المقدرة على استيعاب مفردات اللغة وكذلك اقتناء الشاعر لثقافة عامة واسعة . وقبل ان ادلف باب الشعر الواسع لدى شاعرنا هذا ارى من الضروري ان نقف على تعاريف الشعر المتعارف عليها فيقولون:

الشعر هو احساس داخلي والشاعر يترجمة عبر الكلمات ,آخرون يقولون الشعر هو المرآة التي يرى فيها الشاعر نفسه ومحيطه، واخيراً وليس آخراً يقولون في تعريف الشعر انه مشاعر ، كلمات، وموسيقى. كل هذه التعاريف وغيرها ليست كافية لأطلاق صفة الشاعر على اي من قال الشعر.

اسمعوا الى نينوس في قصيدته "أكَرتا قا 1933 / رسالة الى عام  1933" :

 ليه بيشا قريثا خا ياما ياما ان لبي دكَاويه ليلا رياما /لا تعرف اليم يماً ان الأمواج فيها لا تتعالى ..

ولا بايش قريا خا برقا برقا ان لا قا ايوي كاثو خوتاما/  ولايعرف الرعد رعداً ان لم يكتب للغيوم الختام "

على ايقاع هذه الموسيقى نقرأ فكر نينوس وكأنه يقول: لا يعرف الشاعر شاعراً ان لم ينادي بالحق من البداية الى النهاية.

 

ماهو الحق ؟ الحق هو الأستقامة والعدالة وهو كل فكرة صالحة لمنفعة البشرية وكل انسان عندما يترفع عن الأنانية فأنه من السهل ان يميز الحق. الشخص الذي كان منادياً بالحق ، لا بل هو الحق عينه هو يسوع المسيح  وكلامنا هنا هوعن يسوع البشري مثلنا لحم ودم وليس يسوع المسيح الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس لأن هذا  اتركه لأيمان كل واحد منا.

المسيح هو ينبوع الحق وكل شاعر جاء بعد المسيح بحكم ثقافته واجب عليه الأعتراف بهذه الحقيقة وان لم يكن هذا الشاعر معتبراً على الدين المسيحي. أحب لقريبك مثلما تحب لنفسك، هكذا يعلمنا المسيح وهذا هو طريق الحق ومنه تنتج الحقوق ومن حصيلة الحقوق ينتشر السلام وحيث يكون السلام هناك تكون السعادة وهذه هي غاية كل انسان.

نينوس من المسيح  قد اتخذ مثلاً وهو في اغلب اشعاره يذكر اسم المسيح او كلامه وقد اخترت لكم قليلاً من الكثير بهذا الصدد. في قصيدة  "بلباطا /الشرارة " يقول:

آتوراي د اديوم ليه بايش نخيبا ومشيخا بود شامطلي سقيبا / اشوري اليوم لن يكون خجلاً والمسيح سوف يكسر الصليب.

وفي " رودانا / الزلزال" يقول:

أخنن بقروَن دخازوقي بزمارا ايوخ ايل ايل لماني شوقتان /  ونحن في قافلة المسافرين نغني يا الهنا لما تركتنا "

 وفي "رسالة الى عام 1933 ":

خليثي سميلي سقيبا عل خاصخ وكتوي عل ريشخ وأقلاثخ درباني وشوطا دجلادا عل بغرخ كَريشا سرطي دماني / حبيبتي سميل ، الصليب على ظهرك والشوك على رأسك ورجليك مجروحة وسوط الجلاد يترك أثراً احمراً.

 

هكذا نينوس مثل شجرة ،القسم الظاهر منها قد اتخذ من المسيح مثلاً ، انه وديع وهو ضد التكبر والمرائية، انه محب لقريبه والقسم المختفي من هذه الشجرة عميق جداً تحت الأرض متكابر قوي وقاسي  وجذور هذه الشجرة هي في بلاد ما بين النهرين وهي تصل الى كل ملك عظيم حكم بلاد النهرين مثل حمورابي ، آشوربانيبال ، سركَون الثاني، سنحاريب ،نبو خذ نصر وأعمق هذه لجذور وأقواها يصل لى كَلكَامش الذي حكم 2500 سنة قبل المسيح والذي بلعبة القدر مثل المسيح جزء من ثلاثة أجزاء ، الواحد منها بشري والبقية الهية لا دخل لنا فيها. في كل التسجيلات الثلاث التي نشرها نينوس هنالك ذكر ل كَلكَامش فيها:

في "بلباطا / الشرارة " يقول:

كَلكَامش و أنكيدو بود قطلي لخمبابا / كَلكَامش و أنكيدوسيقتلون خمبابا"

وفي " ملكا د أقمي / ملك الفصول " يقول :

موري ايكا ايوا دميخا او كَلكَامش بدن باقايثا بدن روداني ، مودي شوقلي دلا رايش وكل خمبابا كاكو خريبي شغيشا دبالش / قل لي اين كان نائماً كَلكَامش في تلك الأنفجارات والزلازل ماذا منعه من اليقظه في حين ان كل خمبابا قد أحدّ اسنانه هائجاً كي يحارب.

في " كَلكَامش " وهي قصيدة كاملة يقول:

شموخ ليه تالق كَلكَامش خقيرا كَو اينا دشمشا ايوت زاريرا /  اسمك لن يضيع يا كَلكَامش الموقر انت في قرص الشمس شرارة تشع.

ويبدو ان هذه هي كناية عن ملحمة كَلكَامش ، فحينما كانا كَلكَامش وأنكيدو في غابة الأرز كي يقتلا خمبابا الشرير،خاف أنكيدو ولكن كَلكَامش شجعه قائلاً: لا تخف يا انكيدو فان قتلتُ من قبل خمبابا فأن اسمي سوف يكون خالداً وسوف يذكرونني في كل الأزمان  وهذا هو بالحقيقة المغزى من ملحمة كَلكَامش.

هكذا فأن المثقف الآشوري، ونينوس مرآة عاكسة له يحمل في خوالجه هذه الأزدواجية ، انه ضد الأستعلاء وهو مملوء كبرياء ويؤمن الحب والشدة معاً .

اسمعوا نينوس في بلاشي عم ريشنواثا / خصامي مع الرؤساء " :

آها اومتا ديلا شقلتا ديليتا مينتا بديرا ل ديليتا دمنتا / هذه الأمة التي اتخذت الخاصية المسالمة سوف ترجع الى الخاصية الدموية.

وفي " زوعا / الحركة " يقول:  

بدا زونا نويا خاتا بود باري وكول قرقبثا مليتا بلاشا شلاما بداري وصلوثا دخوبا ودناشوثا لتيول قاري / في هذا الزمن نبي جديد سوف يلد وفي كل جمجمة مملوءة بالحرب، سلام يبعث فيها وصلاة حب وأنسانية يقرأ للعالم.

وفي نفس هذه القصيدة أخيراً يقول:  

 اون دبارش بيل ريكَا وخيرا ايلي خيلا / والذي يفصل بين العبودية والحرية هو القوة.

نينوس ليس لديه اي شك في الحق الذي علمنا اياه السيد المسيح وحتى ان قال في "انا الى اين":

بقايميانوثي كليون كَاشوقي ماني شاريرا مانيلي زيبانا ليه اثيا ل بشوقي / في الحاضر اقف وأنظر اي هو الصادق واي هو الزيف ، صعب تفسيره.

انه يقول هكذا  لأنه يعلم ان ايماننا ضعيف. مرةاخرى اسمعوا ما يقوله في " انا الى اين ":

من لا برميثن قا برميثا داومتانايوثا ببراشوخ كَيانن من هيمانوثا / من عدم فهمنا لمفهوم القومية نجرد انفسنا من الأيمان .

 وفي "رسالة الى 1933" يقول: 

مهيمنن بمشيخا اينا اخ مشيخا لا خورزبلن كيبا من عل قورَن / آمنا بالمسيح ولكن مثل المسيح لم ندحرج الحجر من على قبرنا.

وعودة الى قصيدة "انا الى اين" ، يعاتبنا شديداً بقوله:

 أخجي  بَيوخ اوخ مللالي ين اومتناي بمرمتا دقالي / فقط نريد ان نكون متكلمين او قوميين برفع الأصوات.

هنا نينوس يريد أن يعلمنا ان عظماء هذه الأمة مثل مار بنيامين ، آغا بطرس، يوسف توما ، فرنسيس شابو وشهداء آخرين آمنوا بقضية هذه الأمة  وهم ايضاً مثل المسيح استطاعوا ان يدحرجوا الحجر من على قبورهم لأنهم كانوا مؤمنين بقضية امتهم وهم الآن معتبرين احياء بيننا على الدوام .

 

الملاحظة الثانية التي رأيتها في شعر نينوس نيراري انه كشاعر ثوري غاضب على الدوام  في معظم قصائده . في " شيبورا دخوياذا / صافورة او بوق  الوحدة " يعترف ويقول:

 آنا بريلي كَو خا زونا لهيقا لنورا / انا صرت في زمن تلهبه النار  

وفي "لوقاطي من موشخاثا تليقي/ لقطات من قصائد مفقودة " يقول:

كليلي برش اتقن وبخيي شوريليه عم تانخياثيه بخيلي عل شوخي د اديوم بيشيلي اخجي رشومياثيه بخيلي عل امتا دهويلا طاءلتا بيدا داومواثيه /  وقفت فوق آثارنا وبدأت أبكي مع بعث الحسرات .بكيتُ على مجدنا الذي اصبح اليوم فقط رسومات، بكيتُ على امة اصبحت لعبة بيد الأمم.

نينوس يجد امته ضعيفة وفي وطنها يقبل أبناءها بمنيّة. انه غاضب من ابناء امته لأنهم لا يرتفعون الى مستوى مطلب قضية امتهم وفي "رودانا/ الزلزال" يرشقهم بهذه الكلمات :

نخبثا قاتن ايلا  دخازوخ ارعا دكَباري بدما دنوخرايي باثو خللولي ، شتوقن قوذن اروقن ليوتون ناوكَي دشميرام وبانيبال ، لا سيبا دسنخيرو ولا رومخا دنركَال / عار علينا ان نجد في ارض الجبابرة بدم الغرباء وتغسل وجهها ، اسكتوا ، احترقوا، اهربوا لستم أحفاد شميرام وبانيبال لاسيف سنحاريب ولا رمح نركَال.

وفي نفس الوقت يجد الأواصر بين ابناء امته ، تلك الأواصر التي كانت يوماَ قوية كالحديد يجدها في هذا الزمن تنصهر. وكأي راع كان ه يوماّ قطيعاً كبيراً واحداً ، هذا اليوم القطيع تشتت وضاع قسماً منه في شتى الأنحاء وتحت تسميات عديدة . بسب هذا كله فأن نينوس في مقدمة التسجيل الصوتي الأول والذي صدر عام 1982 ويطلب من ابناء امته ان يتحدوا تحت تسمية واحدة وهي التسمية الاشورية من حيث انها أكثر حقيقة.

 

في القصائد النيرارية نسمع غضب نينوس على ظالمي وطاردي أمته وهو اولاً يضع اللوم الكبير على ابناء امته وخاصة المسؤولين والمدبرين الذي لا يؤدون  واجبهم  كما هو لازم فهو يقول عنهم المراؤون الذين فقط يودون ان يكونوا متكلمين او قوميين برفع الأصوات كما أسلفنا سابقا ً وبتواضع بالغ ومعاتبة الذات رغم انه قد أدى واجبه بأحسن من كثيرين فأنه يحسب نفسه مع المقصرين ففي ختام " دوراشي عم ريشنواثا / خصامي مع الرؤساء " يسمعنا ما يلي:

اومتنايوثيه ليلا اخجي بلشانا وقا ألديثا دكَيانا واو قامايا آنا / قوميتهم هي فقط بالكلام وخدع الذات وأولهم انا "

وهذه  عودة الى القيم والتعاليم التي علمنا اياها المسيح. مطلب نينوس في " آنا قا ايكا / انا الى أين " هو "

ان بشاريروثا نيشن ايله قوياما كولن  قا اومتن اووخ خا كَيانا / ان كان حقاً هدفنا انبعاث امتنا .. كلنا لأجل الأمة يجب ان نكون واحداً. "

نينوس لا يستسلم لليأس ويسمعنا عن الأمل في (زوعا / الحركة ) وهي قصيدة بديعة ومن سياقها وأنها موجه الى الحركة الديمقراطية الآشورية رغم ان نينوس لا يلتزم خطاً سياسياً معيناً لكنه هنا يبدي كثيرمن التقدير لهذه الحركة وأعضاءها اذ يقول في هذه القصيدة "

لا خشووتن خوت قطما ليت بياشا نورا لا خشووتن برخا ليله هماشا كورا / لا تظنوا انه تحت الرماد ليست نار باقية . لا تظنوا ان خفاش الليل دائماً ضرير"

ثم يردف قائلاً في نفس هذه القصيدة :

سرطا برشانا بيل موثا وخيي ايلي زوعا / الخط الفاصل بين الموت والحياة هو الحركة "

وفي هذه الحركة وضع نينوس امله لبعث هذه الأمة من جديد.

 

القصائد النيرارية وحسب سماعها في هذه التسجيلات الصوتية أستطيع القول عنها انها كلاسيكية ، للمتعلمين والعارفين بتاريخ امتهم من الآشوريين بكل سهولة يستطيعوا ان يقتربوا الى احساسات شعرنا هذا. والكلمات المستعملة سوادية وأدبية مغربلة سوية بغربال واحد بحيث يصعب التفريق بينها وجملهُ خالية من الطلاسم ونادراً ما يستغيث بلغة الطقس الكنسي المعروفة بالسريانية او ألآرامية لأن بعض كلمات السريانية لا تتماشى مع السوادية  (السورث).

من ناحية شكل ومضمون القصائد النيرارية فمن السماع لاحظت ان نينوس يكتب :

اولاً: شعرا ً حراً انسيابياً مطولاً ، القافية تتبدل من غير اي تقييد ،انه مثل نهر يجري متموجاً في اراضي وعرة او سهلة لا يكل ولا يمل سبيله العطاء فقط.

القصائد المكتوبة بهذا الشكا تجعل نينوس في مقدمة الشعراء الآشوريين المعاصرين في هذا النمط  ومن هذه القصائد: انا الى اين ، رسالة الى عام 1933 ،الحركة،  الشرارة، الزلزال وغيرها كثيرة.

ثانياً: شعراً عمودياً بأبيات رباعية القافية وعلى العموم هذه القصائد هي قصيرة وهي على نمطين ، الأول حيث المضمون متصل والقصيدة رغم اختلاف القافية مرتبطة من البداية الى النهاية ومن قصائد هذه المجموعة هي شوءالا /  السؤال ، وصيت سهدا / وصية شهيد ، بلاطا دكوتاشا / نتاج الصراع ،لوقاطي من موشخاثي تليقي /  لقطات من قصائد مفقودة وغيرها.

وفي النمط الثاني من هذا الشعر نرى ان المضمون غيرمتصل وكل بيت يخدم عنوان القصيدة بطريقة خاصة والأبيات الرباعية هنا تشبه لوحات انطباعية في معرض فني . ومن قصائد هذه المجموعة :مدرشتا / المدرسة ، مسبيانا / المُسَلِم،  كوتاشا درني / صراع الأراء ، تيول سموقا / عالم أحمر وغيرها.

وقد اخترت لكم قصيدة المُسَلِم هذان البيتان :

ايداثوخ خويطي بدما دخونخ شموخ قايين             يدك ملطخة بدم اخيك اسمك قايين

خيلا باروخ وماني ماصي قاتوخ داين                القوة وراءِك ومن يستطيع لك ان يدين

ماني دلايملوخ قاتو تانت الوخ شاكن                  كل من يلومك تقول له عليه ستشتكي

ليوت ليبا داخي اوي  يوما دخاين                      ولا تعلم كيف تكون نهاية الخائن

 

او شولطانا قم مرخطلوخ اخ داوارا                  ذلك السلطان قد ساقك مثل الدابة

 تولي لخاصوخ وقيسا مخايا من لبارا                ركب ظهرك  وبالعصا يضربك من الوراء

طري يا حيون ان ركاووخ مخبي خدارا             اجري يا حيوان راكبوك يحبون التجوال

بدا كوبوثا مارم ريشوخ وشقول شوهارا             بهذا الأحتقار ارفع رأسك وتقبل الشهرة

 

ومن قصيدة ( عالم أحمر )  اخترت هذا البيت الذي يصور العالم الذي نعيش فيه:

خيوثن خكيمو قانون دميشاثا                          حياتنا يحكمها قانون الغابات

مخيلا بد آزل وخيلانا بدي آتي                       الضعيف يذهب والقوي يأتي

اومواثا كَوري دامي لنونياثا                           الأمم الكبيرة مثل الأسماك

بلايا لدن زوري بشليا دياماثي                         تبتلع تلك الصغار في سكون البحار

 

عزيزي القاريء وان حاولت بهذا القدر ان اصل الى حواس نينوس نيراري ، اعلم جيداً لا انا ولا غيري يستطيع كلياً ان يفسر مشاعر وأحاسيس الشاعر حيث قيل " والمعنى في قلب الشاعر " . لقد حاولت بأخلاص ان  اقدم لك شاعراً بذل جلّ وقته الثمين في المهجر من أجل العطاء المثمر لأمته ومن اجل الحق لخير الوطن والأمة و الأنسان، وهنا اجد نفسي ملزماً  الأعتذار لشاعرنا الكبير نينوس نيراري حيث انه ليس لي حيلة لنقل ابدعاته الشاعرية عبر ترجمة أشعاره فكما قلت وان اقتربت الى هواجسه في هذه الترجمة ، لكن تبقى اللغة والموسيقى الشعرية بعيداً عن منال القارئء الكريم عبر ما نقلته خلال هذه الأسطر وانصح القارئ الآشوري بالأستماع والأستمتاع مع المنفعة لهذه التسجيلات الصوتية وأملي ان التقي مع القراء الكرام في الجزء الثاني من القصائد النيرارية، سماع وتحليل، لما بعد 1995 . ارجو الأستماع الى الرابط الصوتي لقصيدة "رودانا / الزلزال" وجاءت ضمن اول الأصدارت التسجيلية للشاعر نينوس نيراري والذي صدر عام 1982 ، وشكراً.

http://www.drivehq.com/file/df.aspx/publish/hshamoun/Ninw.WMA.mp3Publish/Rawdana.mp3

 

                                                        حنا شمعون / شيكاغو

 


للمزيد من مقالات الكاتب حنا شمعون

أنقر هنا لطفاً   (1)

أنقر هنا لطفاً   (2)

أنقر هنا لطفاً   (3)
 

 
   

HOME